الأحـد الثاني للكنيسة !
2016.11.06
يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< متى12: 1-21 >::-- يتصَّدى الفريسيون ليسوع ويلومونه في حادثتين وقعتا يوم السبت هما : قلعُ الرسل للسنابل وسط الحقولِ وأكلها، وشفاءُ رجلٍ يدُه يابسة في المجمع. وكان لوم اليهود لأنهم حسبوا يسوعَ والرسلَ مخالفين لشريعة السبت بموجب تقليدهم وتفسيرهم للشريعة. وقد بَرَّرَ لهم يسوع الفعلين لأنهما لا يخالفان الشريعة بل يتماشيان مع سياق شريعة السبت نفسها التي هدفها خدمةُ الأنسان لا إستعبادُه كما يريدُه الفريسيون. ما عمله يسوع كان عملا صالحًا لأنه إستهدفَ صيانة حياةِ الأنسان، فجاءَ فعلَ رحمةٍ لمن كان في ضيقٍ وحاجة، فأعلنَ قولَه الشهير:" أريدُ رحمةً لا ذبيحة ". وإذ إنخرسَ مناوئوا يسوع ولم يقوَوا على إسكاته بالفكر والمنطق والأيمان فكروا بالأنتقام والتخلصِ منه بالقضاء عليه فـ " تشاوروا على قتلِه "!. لكنَّ يسوع تخَّلصَ من غدرِهم.
¨ يُعلنُ للشعوبِ إرادتي ! آية 18
يومَ خلقَ اللهُ الأنسانَ أقامه وكيلا عنه يقود الكون بآسمه الى كمالِه (تك1: 26). ويوم إختار الله شعبَه في شخص إبراهيم عاهدَه على أن يباركَه ويُكَّثرَ نسله وأرضَه وماله مقابلَ أن يُحَّققَ صورَتَه بحياةٍ تعكسُ حياةَ الله قائلا له :" أُسلُك أمامي وكُن كاملاً" (تك17: 1-8). و يومَ سَّنَ للشعبِ دستورًا على يد موسى تعهَّدَ معه على بركته وحمايته وتوفير الراحةِ له على شرط أن يحفظ وصاياه ويعمل بها ليلقَ الخيرَ كلَّهُ (تث6: 1-3؛ 7: 12-16). الله الذي هو الوجود والحياة وخلقَ الأنسانَ صورةً منه، كما يلدُ الأبُ طفلاً مثل نفسِه، يُطالبُ الأنسان ويُدَّربُه على هذا الوجود وهذا السلوك الذي ينبعثُ من مشيئةِ الله الخالق. ومشيئة الله هي حياتُه. وكثرَ له الأمتيازاتِ والمكارمَ والأفضالَ لأنه دعاه أن " يكون نورًا للأمم وخلاصًا الى أقاصي الأرض" (اش49: 6). وكثَّرَ الله من الأنبياءِ الذين بعثهم الى الشعبِ ليُذكروه بعهده وآلتزاماتِه تجاه خالقِه ويجَّددوا له الأمانة والبركات، :" أذكر يا يعقوب ، أنا جبلتُك.. إرجع إليَّ يا اسرائيل، أنا إفتديتُك.."(اش42: 21-22).
وبعد المرسلين الأنبياء لقد جاءَ الأبنُ بنفسِه " لعَّلَ البشر يستحيون منه "(متى21: 38). جاءَ يُثَّبتُ أسسَ تلك المشيئة الألهية ويفصلُها فيُمَّيزُها عن المشيئة الأنسانية. لقد أقام الناس سُنُنًا خاصّة بهم تعارضُ مشروع الله، وبرعوا بذلك كما قال الرب :" ما أبرَعَكم في نقضِ شريعةِ الله لتُحافظوا على تقاليدِكم"(مر7: 9). جاءَ ليفيضَ الحياةَ للناس (يو10:10)، لأنَّ الآبَ " أعطاه أن يكون في ذاتِه مصدرًا للحياة"(يو5: 26). جاءَ ليُعتقَ الأنسانَ من عبودية الحرف، والحقُّ وحدَه يُحَّررُ منه (يو8: 32)، ويُعيدَ اليه الروحَ المُحيي ،" وكلامي روحٌ وحياة "(يو6: 63). جاءَ يُذّكرُ أهلَ العالم أنهم " لم يعرفوا الله "(يو7: 28؛ 8: 19، 55)، ولا أحبوه (يو5: 42)، وباطلا عبدوه بشفاههم (متى15: 8-9) بينما هو يريد عُبّادًا صادقين بالروح والحَّق (يو4: 23-24). لأن العابد الحقيقي لا يكتفي بالدعاء " يا رب ، يا رب " بل يُقرن صلاته بسيرة تُجَّسدُ حياة الله ، تُجَّسدُ قداستَه.
سبق وطلب الله من اسرائيل أن يكون قديسًا مثل إلهِه (أح 19: 2) فجاءَ يسوع يُجَّددُ الدعوة ويُثَّبتَها كما أكد الرسول :" إنَّ اللهَ قد دعانا لا إلى النجاسة بل الى القداسة "(1تس4: 7). و يضيف مار بطرس :" كونوا قديسين في كلِّ ما تعملون "(1بط1: 15). سبق وطلب الله الى ابراهيم أن يكون كاملا، فجاءَ يسوع يجدد الدعوة ويُثَّبتُها:" كونوا كاملين مثل أبيكم السماوي "(متى5: 48). جاءَ يسوع يُكَّملُ الشريعة والأنبياء (متى5: 17)، لتكتملَ الحياةُ و يُحَّققَ الوجودُ كل أبعادِه. وتلك هي مشيئة الله ، تلك هي إرادة المسيح " ألا يهلكَ كلَّ من يؤمن به. لأنَّ اللهَ أرسلَ ابنَه إلى العالم ، لا ليدينَ العالم، بل ليَخلُصَ به العالم " (يو3: 17).
¨ يُثابرُ حتى تنتصرَ إرادتي ! آية 20
مَرَّتْ ملايينُ السنين والأنسانُ يتَخَّبطُ في وَحْلِ الملذات و وخز الضمير، في خدمة الجسد و يتعَّذبُ فيه ويشقى بمرارة. عادَ الله فدعاه من جديد ليحيا بالروح. لأنَّ الأنسان روحٌ قبل الجسد. أ ليسَ هو نفحةً من حياةِ الله؟. خلقه الله في الجسد وأعطاه الحواس والشهوات وكل الخيرات وسيلةً لكي ، بواسطتها، يسموَ بروحه نحو خالقِه. لكنه إستسلمَ إليها فجَرَّته إلى الهاوية ، فمات في الخطيئة. وقد أرسل الله له أطباءَ يعالجونه. لكنه لم يستجب كليًا بسهولة. لأنَّ الداءَ قد تحكَّمَ فيه. فجاءَ المسيح إبن الله ليُداويَ داءَ الأنسان. كما نفخَ فيه الحياة في البدء سينفخُ فيه من جديد روحَه القدوس،" قال هذا ونفخ في وجوه الرسل وقال لهم : خذوا الروح القدس". خلق الأنسان من جديد، وسلمَ دواءَ الحياة اليه " من غفرتم له خطاياه تُغفرُ له " (يو 20: 22-23).
فإن كان البشر كلهم لم يتوبوا في زمن المسيح ولم يتمتعوا بالحياة لكن الفرصةَ قائمةٌ من أجل الخلاص. بابُ الخلق الجديد بالتوبة والمعمودية سيبقى مفتوحا الى نهاية العالم. ومفتاح الحلّ للشفاء بالرحمةِ والغفران يبقى بيد رسل المسيح حتى نهاية العالم. من خلالهم سيُثابرُ المسيح يعمل لآستعادة الأنسان الى سبيل الروح. لن يكِّلَ ولن يمَّل. يُتابع من خلال الكنيسة دعوته وعلاجه وآنتصارَه. إنَّ الحَّقَ يعلو ولا يُعلى عليه. والله حَقٌّ ، وحياة الأنسان من حَقِّه لأنه خالقُه فستتحققُ مشيئة الله شاءَ العالم أم أبى. ومهما كذبَ عدو الله على الأنسان وأغراه، ومهما تمادى الشرير لكن الغلبة النهائية هي لله بواسطة يسوع المسيح. لن يتوانَ المسيحُ في خلاصِ أبنائه الذين غشَّهم ابليس. يتأخر زمن الأنتصار قليلا بقياسنا البشري. أما بقياس الله فسيتحَقَّقُ في أوانِهِ، عندما يُتمِمُ الزمنَ. وستنحسرُ قوات ابليس وتندحرُ أمام جبروت المسيح. يستعملُ ابليس الغش والعنفَ والأغراء وكلها ستنفضح. أما المسيح فيزرعُ الحبَّ والصدقَ والرحمة والغفران إلى" أن يُبيدَ كل رئاسةٍ و كل سلطةٍ وقوة. لابُدَّ له أن يملكَ حتى يضع جميع أعدائِه تحت قدميهِ"، ثم يُسَّلمُ الملكَ إلى الله الآب (1كور15: 24-25). وتتحَّققُ عندئذ مشيئة الله، " فيكون الله كلَّ شيءٍ في كلِ شيء ".

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com