الأحـد الأول للكنيسة !
2016.10.30
يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< متى 16: 13-19 >::-- ويقُّصُ علينا خبر يسوع وقد خرج مع تلاميذه عن المنطقة اليهودية ودخلَ الى المنطقة الوثنية مبتعِدًا بذلك عن صخب اليهود و أفكارهم المتطرفة عن المسيح، ونظرتهم السَّيئة الى يسوع نفسه وكأنَّ يسوع يعزل تلاميذه عن عالمهم اليومي ومشاكله وأتعابه وهمومه وحتى شعوذاته ليَتفَرَّغوا ليسوع وينفردوا معه فيحاوروه على راحتهم ويتعَّمقوا في معرفته. وهي المرة الوحيدة التي يذكرها الأنجيل وفيها يوجه يسوع السؤال، مثل معلم مهتَم وغيور، يريد أن يتأكَّدَ عن مدى إستيعابهم دروسهم، فيسألهم عن نفسه ، ويستطلع رأيهم ورأي اليهود عنه: من هو يسوع ؟
¨ ماذا يقولُ الناس عنه ؟
بدأ يسوعُ يستطلعُ تلاميذه أولاً عن رأي الناس فيه. الناسُ يسمعون عن يسوع : ماذا يقول وماذا يفعل. الأخبار المثيرة تنتشر بسرعة. وتكثرعليها الأحكامُ و ردود الفعل. يسوع يجري المعجزات ويتصَّرف بقوة فائقة وكلامه يخترق القلوب لا تصمدُ بوجهه مقاومةٌ أو معارضة . ملامحه ، سيرته وكلُّ شيءٍ فيه يوحي أنه فوق مستوى مواطنيه. وإذ تتجسَّدُ فيه صورة رجل الله تكثر التساؤلات عنه : من يدري ربما هو المسيح المنتَظر؟. إنه شخصٌ خارقُ العادة. لا أحد يتجاسر أن يجادله. وكلُّ سَّيءِ حَّظٍ حاول ذلك فشل. ومع ذلك لا تسمع في كلِّ الساحات والأزقة والأسواقِ والتجَّمعات حديثًا إلا ويتطرق إليه، مادحًا أو قادِحا، مؤَّيدًا آراءَه أو مناهضًا لها. كانت الجموع تتبعه وتلتَّذُ بأحاديثه وترتاحُ الى صحبتِه. لكنها تبقى متقوقعة في الماضي أسيرةَ أفكارِها وتراثها وتقاليدها. ونفوذ القادة والمعلمين لا يُناقش ولا يُعارَض. والرسل أنفسُهم أسرى تلك االبيئة وتلامذةُ تلك الثقافة.
لقد إختارَ يسوعُ مكانًا معزولاً عن تلك التأثيرات. إختارَ أرضًا وثنيةً وبيئةً مُلحِدة، ولسُّكانها تطلعاتٌ مختلفة وآهتماماتٌ لا تعني الرسل سوى أنها سيّئة وخطيرة ويجبُ تجَّنبُها والأبتعادُ عنها إنْ لمْ يمكن مقاومتها والقضاءُ عليها ، لأنه لا وجودَ لله بينهم. هناكَ يسألُ يسوع عن رأي الناسِ فيه. يسألهم : من هو في نظر الناس؟. ويُجاوب التلاميذ ويرسمون له خارطة الآراء المختلفة فيه. وإن كان الأغلبية الساحقة ترى فيه " نبيًا" ولكن لا تتفقُ الآراء حول صورة واحدة. كل يهودي يرسم له صورةً حسبَ إحساسِه وقناعته. أخذَ الرسلُ راحتَهم في الكلام إذ لم يكونوا عرضةً لتهديد أو وعيد. إنهم وحدهم مع المعلم ولن تعرفَ الجموع ولا القادة تقريرَهم حتى يتعَّرضوا لهم بالسوء.
¨ وأنتم من تقولون أني هو ؟
سؤالٌ أحرج من الأول. إنه شبهُ إمتحانٍ لأيمانهم. وقد لا ينجحون في الجواب. إنهم قادرون على التعبير عن إحساسِهم. ولكن هل يكون جوابُهم صحيحًا؟ هل يرضى عنه المعلم؟. وإذا رسبوا في الجواب ماذا سيكون موقفه منهم؟ وكيفَ سيواجهونه؟. إنهم يعرفون أنه : " عـندَ الأمتحان يُكرَمُ المرءُ أو يُهان" !. لكن بطرس أنقذ الموقف. عاجلَ المعلمَ بالجواب ببساطته الفطرية ونقاء سريرته والصورة التي تعَّلقت عنه في ذهنه منذ أن قال له اخوه أندراوس، " لقد وجدنا المسيح "، نقلا عن يوحنا المعمدان الذي أعلن عنه :" هذا هو حمل الله " (يو1: 40-41). فأعلن بطرس بآسم رفاقِه :" أنت المسيح ابنُ اللهِ الحي". على الأغلب لم يع ِ بطرس حقيقة ما أعلن. لأنه بعد أيام قليلة فقط سيتورَّط بطرس وسيعودُ بعفويتِه أدراجَه و يرفضُ للمسيح أن يتألم، ويصدي بذلك عن إيمانه القديم بالمسيح قبل أن يتعَّرفَ على يسوع ويتبعَه (متى16: 22-23). لكنَّ ما تشَّفعَ له هو أنَّه أعلن إيمان المجموعةِ كقائد قبل أن يُعلنه يسوعُ نفسُه رئيسًا للكنيسة. وكان ذلك التصَّرف العفوي بإيعازٍ وإيحاءٍ مباشر من " الآب ". لقد عرف بطرس، وهو إنسانٌ مؤمن، أن يسمعَ كلام الله ويتفاعلَ مع إيحاءاتِه. وتلك ميزتُهُ. فلم يُمسِك عليه يسوع هفوتَه إذ عرفَ خلفية ذهنِه اليهودي. لكنه سيُصقلُه بالجديد الذي سيكشفه له الروح القدس. بطرس رجلُ الله وقائدٌ موهوبٌ فطريًا في التفاعل مع الله ومع الناس. فـ"هفَواتُه وكبواتُه وثلماتُه " لن تُثنيَه عن إتّباعه وحيَ الله. والله وحدَه يعرفُ باطن بطرس وجوهرَه لأنه ساكنٌ في قلبه وفكره ،" أنت تعرفُ كلَّ شيء"(يو21: 17).
¨ أنتَ الصخرة وعليك أبني مملكتي !
إنْ كان الله نفسُه كشَفَ الحقيقة لبطرس وأوحى اليه إعلانَها فلأنه قد إختارَه أن يكون هو صوتَ الله لإعلان الحقيقة للعالم. وحدثَ ذلك في خلوةٍ وهدوءٍ بعيدين عن صخبِ العالم وعن مُخَّلفات التشويهات البشرية للحقيقة. الرسل بعيدون عن تأثير بيئتهم وتراثهم وقادتهم. إنهم وحدَهم واقفون أمام الله، واللهُ وحدَه يُضيءُ لهم دربَ الحياة. عزلتُهم عن أهلهم وأقرانهم وتراثهم يُفَّرغُهم من تراكمات الماضي ويُحَّررُهم من عدوى الآخرين وتأثيراتهم. إنهم في موعد مع الله. في لقاءٍ حُّرٍ معه يكشفُ لهم شخصيتَهم وآستقلاليتهم ولاسيما وعيَهم عن مدى مسؤوليتهم في تثقيف ذواتهم على يد الله وليس على أيدي البشر. الله معهم من فترة يُعَّلمهم ويكشفُ لهم الحقيقة، وحان الآوان ليُظهروا مدى إستيعابهم وآستعدادهم للتفاعل مع الحق. حان الوقت ليُقروا بالحقيقة ويجعلوا تلك الحقيقة شريان حياتهم. بطرس وحدَه أجابَ على السؤال. إنما كان بآسم الكل. ولم يعترضْ عليه أحد، بل أيدوا إعلانه. تلاميذ المسيح وشعبه /كنيسته لن يكونوا منقسمين مشَّتتين ومبَّددين. بل هم كتلة واحدة منظمة تحت قيادة واحدة تأخذ بينهم دور المعلم / يسوع نفسه. بطرس رئيس الكنيسة، وقد إختاره الله ليُعلن الحقيقة للعالم، ويُؤَّيده في ذلك زملاؤُه رفاقُ الدربِ في الشهادة.
وتمَّ هذا الأعلان في منطقة الوثنيين، البعيدين عن الله إنْ لمْ نقُلْ أعداءِ الله ومحاربيه. إنْ كان اليهودُ شعبَ الله إلا إنهم شعبٌ صغير ونقطةٌ في البحر إزاء بقية الشعوب والبلدان التي تملأ الأرضَ وتتحَّكمُ في مصير الكون. إنَّ كنيسة المسيح القائمة على صخرة إيمان بطرس ستحيا في العالم شاهدة لله بين الشعوب. ومخاطرُ الألحاد أعظمُ من مخاطر الشعب المختار الذي حادَ هو الآخر عن طريق الحق وتاه في ضلال الحرف وملذات الجسد. أوقف يسوعُ الرسلَ بين الخطرين، أخرجهم عن سيطرتهما، وأدخلهم تحت خيمة الأيمان بالله وسماع وحيِه هو وحدَه . إنهم سيكونون شعبًا ومملكةً من نوع مختلف عن كليهما، لا يتبعون ضلال العالم الوثني ولا يتقَّيدون بفساد فكر اليهود. بل سيُصبحون نورًا لكليهما ليجمعوهما تحت راية المسيح. و يبدو أنهم إفتهموا الدرسَ وقبلوه، نجحوا في الأمتحان، بقي فقط أن يتدربوا على أداءِ دورهم بالشهادة الفعلية.
هكذا ستكون الكنيسة على مَّرِ الأجيال: بين المؤمنين المزَّيَفين والوثنيين المُلحدين. ستصارعُ الضلال والفسادَ من أيةِ جهةٍ أتى. وستفتحُ آذان فكرها وضميرها لإيحاءات الله. وستكون واحدةً ، رغم إنقساماتها، يقودها راعٍ واحد ينطق بآسم المسيح وبآسمها مُعلنًا الحقيقة الألهية للعالم. سيبقى بطرسُ، وكلُّ خلفائِه من بعدِه، يستلهمون الله في أحكامهم وقراراتهم وتعليمهم وإرشاداتِهم. لا العالم ينفع ولا الشريعة البشرية تبني. بل الروحُ القدس هو الذي سيضمنُ قيادة الكنيسة ويبني مملكة الله على الأرض، تخدمُ المؤمنين والكفرة معًا.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com