الأحـد الثالث لموسى !
2016.10.23
يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< متى 8: 23 ـ 9: 9 >::-- ويقُّصُ علينا خبرَ تسكينِ يسوع هيجانَ بحرِ طبرية واضطرابَه الذي أفزعَ الرسلَ وأرعبَهم. لامهم يسوع لقلةِ إيمانِهم، بينما إندهشت جموعُ المشاهدين وصارت تتساءَلُ عن هوية يسوع : "ترى من يكون "؟. ولما بلغ الضفة المقابلة تلَّقاهُ رجلان قد دخل فيهما الشيطان. كانا شرسين جِدًّا حتى لم يكن الناس يتجاسرون المرور بالمقبرة التي كانا يسكنانها. ولما أمر يسوع الشياطين بالخروج من الرجلين طلبت هي اليه، وكانت بأعداد كبيرة، أن تدخلَ قطيع الخنازير. سمح لها يسوع ذلك فألقى القطيعُ كله نفسَه في البحر وغرق. أرعبَ الحدثُ الرعاة وأهل المدينة حتى سألوا يسوع أن يغادرَ بلدَهم. ولما رجع الى كفرناحوم أتاهُ بعضُ الناس بمقعَدٍ فشفاه بقوله :" مغفورةٌ لك خطاياك" مما إستفَّزَ الكتبة فآستاؤوا وآعترضوا على كلامه، لأنَّ غفران الخطيئة من سلطان الله فقط، فكيف يجرُؤُ يسوع ويقول هذا الكلام؟.
¨ سـألوه أن يبتعدَ عن بـلدهم !
أحدثَ غرقُ قطيع الخنازير رهبةً ورعبًا لأصحابها بل للمقاطعة كلِها. خسـارة فادحة بالثروة. خوفٌ إستحوذَ الناسَ من الآتي. إذا بقي يسوع في منطقتهم وطردَ كلَّ الشياطين فالخطر أن يخسروا كلَّ ثروتهم الحيوانية. لم يستطيعوا أن ينتقموا من يسوع ويتَّهموه بالإساءة إليهم في غرق مواشيهم. تلك كانت رغبة الشياطين الصريحة ومطلبَهم المُعلَنْ. خاصَّةً وكان ذلك مفتاحَ خلاص " المجنونين" اللذين تأذوا منهم كثيرًا. شفاءُ هذين في كفة وهلاكُ الخنازير في الكفة الثانية. خسارة الخنازير آلمَتْهم الى درجةٍ لم يُقَّيموا معها فضلَ يسوع وإحسانَه الذي شمل كلَّ أهل ذلك البلد. فلم يخطر ببالهم أن يشكروه عليه. وخوفهم من ألا يتكَّررَ الحادث ويفقدوا المزيد منها فكَّروا أن يتخَّلصوا من تواجد يسوع هناك ، وسَّدوا طريق عودته اليهم بطرده نهائيًا. وربما إعتبروا هذا المسلكَ فضلاً منهم على يسوع إذ لا ينتقمون منه إذ صارَ سببًا لخسارتهم. وربما لم يقَّدروا نجاة الرجلين وتحَرُّرَهما من الشر بقدر ما حسبوا حسابَ راحتِهم في التجوال في المنطقة بطمأنينةٍ وسلام لأنهم تخَّلصوا من رعبهما و أذّيتهما.
كان قياسَهم المصلحةُ الخاصّةُ والأنتفاعُ أو الخسارةُ من الحدث، وليستْ حمايةُ الحياةِ وراحةُ شخصين متعَّذبين. وعوضًا عن أن يبحثوا في أين هي جذور الشر والتخَّلصِ منه بآستئصالِهِ ،فكروا فقط في مساومةٍ هي حماية قطعانهم والأستمرار في جني الأرباح بإبعاد خطر غَرَقٍ ثانٍ وتمشية أمورِهم كالسابق. هذا هو طبعُ الأنسان الذي لا يرى الحَّقَ في ذاتِه و لا في شموليتِه ، ولا يقيم الحسابَ لما بعد الموت، بل ينظر اليه فقط من منظارِ مصلحتِه المادية الزمنية. لو فكروا فقط أنَّ من أجرى تلك المعجزة قادرٌ على إجراء آلافٍ غيرها أعظم منها لمنفعتهم فيتقربوا اليه ويتعرفوا على هويته وينالوا إستفادة أعظم من وجوده بينهم، لغَّيروا قرارَهم !!. لو عرفوا فقط عطية الله لكانوا قد نالوا المزيد (يو4: 10). بعكس ذلك لن يطول الوقت حتى تتَّهِمَ الجموعُ يسوعَ بأنه يطردُ الشياطين بقوة رئيس الشياطين وليس بقدرة الله (متى 12: 24). عوضًا عن ان يعزوا المعجزاتِ الى الله ، وهي خيرٌ بذاتها والخيرُلا يفعله الشيطان ، عزوها الى ابليس الذي قد إستحوذ على فكر الأنسان، يَغُّشُه ويؤذيه ويؤذي غيره على يده!. هكذا لوَّت الخطيئة فكرَ الأنسان بحيث لم يعد قادرا على أن يُمَّيزَالنورَ من الظلام و الخيرَ الحقيقي من الشر. وهذا مؤسفٌ جدًّا ومؤلمٌ " لأنَّ الحيوانَ عرف معلَفَه وصاحبَه ، أما الأنسانُ فلم يعرف إلَهَـه ..ولا يفهم شيئًا "(اش1: 3).
¨ مغفورة لك خطـاياك !
مأساةٌ وغباوةٌ جديدة يُصدي لها الأنجيل، خيرٌ آخر أنعِمَ على البشرية لم تسمحْ غشاوة
الخطيئة أن يدخلَ الناسُ تحت خيمته ويسيروا في نور النعمة بل يعترضوا عليه خفيةً، هذه المرَّة، ويزيدوا بذلك البعدَ عن الذي قدَّسه الله (يو10: 36) ويعَّمقوا الهُوَّة بينهم وبينه (لو 16: 26) فيتهموه بالكفر والزندقة. ليست المأساة بالتأكيد في موقف يسوع بشفاءِ مُقعَدِ كفرناحوم. بل في رَّدِ فعل الكتبةِ، معَّلمي الأيمان، الذين هاجوا عند سماعهم يسوع يقول للمقعَد " مغفورةٌ لك خطاياك"، فقالوا " في أنفسهم: إنَّ هذا ليَكفُر"!. عرفوا أنَّ غفران الخطيئة محصورٌ بالله. لا أحدَ غيرَ الله يقدرُ أن يغفرَ الخطيئة. لأنَّ الخطيئة هي أساسًا ضدَّ شريعة الله، وضد الله نفسِه لأنَّ شريعتَه هي حياتُه. فمن يغفرُ يدَّعي أنه الله. وفي جدال مع يسوع لخلافٍ آخر لم يُخفوا عن أفكارِهم بل حاولوا أن يرجموه معلنين أنه " كَفَّر". وعندما سألهم يسوع ما السبب ، ردوا عليه بآنفعال وغضب :" إننا لا نرجوك لعمل صالح (شفاء)، ولكن للكفر. لأنك ما أنت إلا إنسان وجعلتَ نفسَك الله "(يو10: 33).
هنا المأساة والجهلُ القاتل. بدلاً من أن يتأملوا في حياته وأعماله ، وأن يُعاينوا معجزاتِه و يقارنوها بالنبوءات عن المسيح، التي يتلونها يوميا في عبادتهم، وبما جاءَ في شريعةِ الله فيكتشفوا هويته المخفية وراء حواس الجسد ويعترفوا به " مسيحًا ورَّبًا "(أع2: 36) و يتتلمذوا له ، حكموا عليه حسبَ تقاليدهم وسُنَنِهم (متى15: 2-9؛ مر7: 7-8). قالوا عنه أنه ليس من الله لأنه لا يرعى شريعتهم (يو9: 16)، ولم يتعلم في كتاتيبهم (يو7: 15). المأساة أنَّ النعمة الألهية التي كشف يسوع عن منحها للبشرية، أى أنَّ خلاص الأنسان في غفرانِ خطاياه (لو1: 77)، وأن هذا الخلاصَ الغفران قد صارَ في متناول الأنسان، لم يُدركوا سِعَتها بل حسبوها نقمةً وتجديفًا. لم يفقَهوا أنَّ ما وعده الله من زمن بعيد يتحَّقق أمامهم (لو 1: 55). لقد أشركَ الله الأنسان بسلطانه الألهي كما أوحى الروح الى جموع مشاهدي المعجزة المؤمنين فمَجَّدوا الله :" الذي جعلَ للناس مثلَ هذا السلطان ". أما معلمي الأيمان و الأخلاق فوصفوا ذلك بـ "الكفر".
وما أشبه الزمان و أبناؤُه بعد ألفي سنة بما قرأناه اليوم وتأملناه. يرفضُ العالم خبر المسيح ويرفضون شهادة الكنيسة له. بل يتهمون الكنيسة والمسيح بالدجل ولا يكلفون أنفسهم بأن يقرأوا مآسي البشرية البعيدة عن الله، ويغُّضون الطرْفَ عن أعمال المحبة والرحمة التي يجريها الرب يسوع على أيدي تلاميذه. بلغتْ بهم السفاهةُ والغباء بأن يتهموا الكنيسة بأنها مأوى الشيطان وعميله. عوضًا عن أن يروا الخير الذي يقوم على تعاليم المسيح ويتنعموا به وينفعوا غيرهم صاروا مثلَ أسلافهم " الجاحدين" يقاومون نعمة الله ويحاربون من يؤمن بها ويُفَّعلُها في خدمةِ الناس. لقد أصبح من يتبع الحق شاذًّا وكافرًا. ولم يبقَ للأيمانِ بريقٌ ولا للمحَّبةِ مجدٌ ولا للثقةِ والرجاء تلميذٌ. تنادي الكنيسة بآسمِ الله بالمحبةِ والإخاء، بالرحمةِ والسخاء، بالغفران ونبذِ العِداء. لكن أهلَ العالم وعملاءَ الشيطان يرفضونها ويحاربونها. أما الذي يُعَّلمُ من عنده ويدعو الى الحربِ والشقاء، الى العنفِ والترهيبِ فهذا مُبَجَّلٌ ومرغوبٌ و متبوع. ينكرون قوة العفو والغفران. يكرهون كلَّ ما يُوَّبخُ ضميرَهم ويدين توَّحشَهم ، و يرفضون اسم المسيح وهم لا يدرون أنهم بذلك يحفرون بأيديهم هُوَّةَ شقائِهم وهلاكِهم.
القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com