الأحـد الثاني لموسى !
2016.10.16
يتلى علينا اليوم إنجـيل-::< لوقا 8: 41-56 >::-- ويقُّصُ علينا خبرَ شفاء المرأة المنزوفةِ الدم وإحياء إبنة يائير رئيس مجمع كفرناحوم. واجهتْ المرأة المريضة خطرًا مُضاعَفًا : الموت، لأنَّ الأطباءَ لم يقدروا معالجة دائِها وإيقافِ نزفِ دمها؛ والعزلِ الأجتماعي، لأن الشريعة تعتبرنزيفها نجاسةً (أح15: 25) تمنعها من الأختلاط بالناس لئلا يتنجسوا بلمس" أيِّ شيءٍ " منها. لأنَّ النجاسة خطيرة ومعدية تنتقل كعدوى الأمراض. وهذا ما يُبَّررُ إقترابَها خِفيةً من يسوع، من خلفِه، ولمسَ طرَفِ ردائِه لئلا يشعرَ بها أحد. إنها لا تخافُ من نقل العدوى الى يسوع بل تؤمن بأنه هو ينقلُ إليه عدوى حياتٍه. آمنتْ بأنَّ يسوع إلهٌ يقدرُ أن يشفيَها ، و أنها لا تحتاجُ الى إحراجِه وإشغالِه عن الجموع المُترّاصة حوله يُلقي إليها تعليمَه. آمنت أنه كلُّه معجزة حتى ملابسُه التي أصبحتْ جُزءًا منه. تمامًا مثل قائد المئة الذي آمن بأنَّ كلمة منه ولو من بعد كيلومتراتٍ تكفي لشفاءِ عبدِه.
كان يسوع في طريقِه الى بيت رئيس المجمع عندما نالت المنزوفةُ الشفاءَ. في تلك الأثناء توفيت إبنة يائير. ولما بلغ الخبر والدَها كادَ أن يفقدَ الحياة لكن يسوع إستلحقَ أمرَه ودعاه الى عدم اليأس. شجَّعَه على الثباتِ في إيمانِه. لا يتبع ركبَ اليائسين أو الملحدين الذين سخروا منه ضاحكين عليه لأنه قال" إنها لم تمتْ ، بل هي نائمة"، ذلك لأنهم كانوا واثقين ومتأكدين من موتها. وهذا ما جعلَ دهشتهم عظيمة عندما رأوها تقوم حَّـية إستجابةً لنداء يسوع.
¨ لم تـمُتْ. إنَّها نائـمة ! آية 52
هذا ما قاله يسوع للناس الذين كانوا " يبكون وينوحون عليها..وضحكوا منه لعلمهم بموتها". وليست هذه أول مرَّةٍ ينعُتُ يسوع "الموتَ" بالنوم. هكذا قال أيضا عن لعازر عندما أخبروه عن مرضِه. فعندما قرَّرَ التوجُّهَ الى بيت عنيا قال لتلاميذه :" حبيبُنا لعازرُ نائمٌ. وأنا ذاهبٌ لأوقِظه". ولما رأى إستغرابَ الرسل وأنه لا معنى ليذهب حتى يوقِظَه عرفَ أنهم لم يفهموا كلامه. بينما عنى يسوع نوم الموت إفتهم الرسل نوم الراحة. عندئذ تكلم بصراحة " لعازر قد مات ".
وفي جدالٍ مع اليهود الذين كانوا قريبين منه قال لهم :" من عملَ بكلامي لن يموتَ أبدًا "(يو 8: 51). كيف وكل من ولد يموت، لأنَّ من بدأ ينتهي!. وقال ايضا في معرض الكلام عن أنَّه خبز الحياة " من يأكل هذا الخبز النازلَ من السماء لن يموت " (يو6: 50). كما سبق وقال للسامرية "من يشربُ من الماء الذي أعطيه أنا لن يعطشَ .. يُصبحُ فيه نبعًا يفيضُ بالحياةِ الأبدية "(يو4: 14). إنَّ ألفاظ " الموت والحياة " في أحاديث يسوع لا تعني المعنى المادي والزمني كما نقصُده نحن. بقدر ما تأتي في سياق المعنى الأبدي والروحي. الحياة لا تقاس بالأنسان بل بالله نفسه الذي هو" الحياة بالذات " ومصدر كل حياة زمنية مخلوقة. والله هو العظمة ، المجد ، الراحة والهناء. فمن يمتلك مثل الله هذه الحالات هو حَّي لأنه يوجدُ ويُقيمُ مع الله الحَّي. وأما من لا يحصل على تلك الحالة " المجيدة و الهنيئة " فليسَ حَّيًا. إنَّه مَيِّتٌ. لأنه لم يَخلُصْ بل هَلكَ خاسِرًا الحياةَ مع الله.
الموتُ الطبيعي للأنسان ليسَ وضعًا ولا نهايةً أوقيمةً ذاتية. إنه حَدثٌ يُنهي الشكلَ الزمني للحياة ويقودُ الى شكلها الأبدي النهائي. الموت الأبدي هو الخطير لأنه يحرمُ الأنسان من مقاسمةِ مجد الله و راحته وسعادته، ويعني بالمقابل عذاب الأنسان وشقاءَه (رؤ20: 10). حياة الأنسانٌ جزءٌ من حياةِ الله " ونفخ في أنفِه نسمة الحياة " (تك2: 7). وكانت دعوته أن يعيشَ مع الله في نعيم فردوسٍ أبدي (تك2: 15؛ 3: 8). لكنه حاول ان يكون مجيدا وسعيدا بقُوَّةِ ذراعِه بعيدا عن الله، بل بالمنافسةِ له (تك3: 5-6). خسر وحُسبَ في عِدادِ الهالكين لأنه يتعب ويشقى معزولا عن الله (تك3: 17-19). لأنَّ الحياة وقيمَها لمْ يكتسبها الأنسان ، بل هي هِـبَةٌ مجانية من الله مرتبطة بعلاقة المحبة المتبادلة بينهما. ومن خسر محبة الله خسر معها إمتيازاتِها ، وهذا هو الموت على لسان يسوع أي الهلاك في مصطلحنا البشري. وهذا ما يقوله مار بولس:" لقد سادَ الموتُ البشرَ بخطيئةٍ إنسانٍ واحد.. لأنَّ خطيئة إنسان واحد قادت البشر جميعًا الى الهلاك "(رم5: 15-18). فالخطيئة صارت للأنسانِ موتًا لأنها أبعدته عن الله وحرمته أنعامَه وخيراتِه. ولهذا سيصفُ الأنجيلي متى كلَّ البشر مائتين عن الله رغم أنهم أحياءُ بالجسد ، لأنَّ العصور قبل تجسد الله كانت ظلامًا و موتًا ، فيقول :" الشعبُ الجالس في الظلام رأى نورًا ساطعًا ، و الجالسون في أرض الموت و ظلاله أشرقَ عليهم نور"(متى4: 16). فالموتُ يعني الهلاك الأبدي والحياة الخلاص. لذا ليس موتُ الجسد خطيرًا ومخيفًا بل موتُ الحياة أى الهلاك والعذاب الأبديين.
¨ إثنتا عشرة سـنة !
كان النومُ / الموت يُهَّددُ، من إثنتي عشرة سنة، إمرأة مسكينة كتفَ الأطباء أيديهم إزاءَ مرضها. وركَّز الأنجيل على إثنتي عشرة سنة. ذلكَ لأنَّ هذا العمرَ كان مُحَّدَدًا لزواج الفتاة في الشريعة اليهودية. أي هو العمرُ الذي يُعطي الحياة. بالنسبة الى المرأة المنزوفة كانت فترة إثنتي عشرة سنة تهديدًا لحياتها. وآبنة يائير أيضا مهَّددة بالموت في هذا العمر، فالحياةُ في خطر. ولأنَّ البشر ليسوا أسياد الحياة لا يقدرون أن يضمنوا الحياة أو يحموها من أعدائها الأمراض وموت الجسد. وإن هَدَّدوها بالقضاء عليها لكنهم لا يقوون على ذلك. فلا النجاسة { الخطيئة} ولا الموت الزمني يستطيعان أن يوقفا مسيرة الحياة التي هي ملك الله. وإن أوقفوها ظاهريا بالجسد إلا إنها تستمرُّ للأبد. بينما الله قادرٌ على أن يوقفَ عِداءَ أعداء الحياة. هذا الله هو يسوع الماثل أمام المنزوفة ورئيس المجمع. لقد حَلَّ بين البشر ليُشركهم بعمل الله. وكان يومًا هو نفسه ، بعمر 12 إثنتي عشرة سنة، واقفًا أمام قادة الشعب يُجادلهم في شؤون الحياة. ولما وجدته أمه التي كانت قد أضاعته وأظهرت تشَّكيها منه ، ردَّ عليها ببساطة " ينبغي لي أن أكون لأبي" (لو2: 49)!.
لأنَّ الآبَ لا يريد أن يهلكَ الأنسان، لأنه يُحبُّه كثيرًا، بل" جادَ بآبنِه الوحيد لكي لا يهلكَ من يؤمن به "(يو3: 16). ولم يُشفِ يسوع المنزوفة ولا أحيا إبنة يائير إلا " لأنَّ إبن الأنسان جاءَ ليبحثَ عن الهالكِ قيُّخَّلِصَه "(لو19: 10). والأبنُ يستمِرُّ يعملُ مثل الآب (يو5: 18)، ومع الآب (يو8: 39) بلا توَّقف من أجل خلاص الناس الى نهايةِ الزمن. والزمن نفسُه يدور على 12 إثني عشرَ برجًا. وهكذا يكون 12 الأثنا عشر رمزًا للكمال. والكمالُ هو الحياة مع الله. فيكون الله وحده مصدر الحياة وكمالها، وهو المميت والمحيي(تث32: 39).
والحياة حتى الأبدية هي معرفة الله (يو17: 3)، لا معرفة بشرية حسّية (2كور5: 16)، بل معرفة روحية حيوية كما يعرفُنا هو(1كور13: 12). وهذه المعرفة لن نقتنيها بحواسِنا ولا بمنطقنا البشري. بل ننالها بإيماننا فقط. المنزوفة آمنت حتى أكَّد لها يسوع أنَّ إيمانَها أبرأَها. أما رئيس المجمع فكادَ أن يفقدَ إيمانه لولا أنَّ يسوع شجَّعه على الثباتِ عليه وأنه هو يسوع قادرٌ على إنقاذِ الحياة حتى من براثنِ الموت. والأيمان هو القبولُ بما يُعارضُ أحيانًا حكمتنا البشرية ولا تراه الحواس. هو الوثوق بالله إستنادًا الى الحب الذي يربطنا به. لا حُبِّنا الذي قد يخوننا، بل حب الله الذي لا يخذلُ أحدًا أبدًا.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com