الأحـد الأول لمـوسى !
2016.10.09
يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< متى 20: 1-16 >::-- وينقلُ لنا مَثلَ العمال ذوي الدوام المختلف والأجرة المتساوية، وتذَّمرَ الذين عملوا بدوام كامل لأنهم طمعوا بأجرة أعلى مما يحُّقُ لهم لأنَّ الذين إشتغلوا ساعة واحدة فقط نالوا مثلَهم أجرة الدوام الكامل. فحسدوهم ولم يرضوا بعدالةِ رَبِّ العمل بل تذّمروا وطمعوا بزيادةٍ تخدمُ تعاليهم. أمّا ربُّ العمل فلم يظلِمْهم ، بل أعطاهم حَّقَهم المُتَفَّقَ عليه معهم. أما الآخرون، أبو الدوام الأَقَّل، فتحَنَّنَ عليهم ولم يحسبْ لهم ساعات العمل وحدَها، بل حسبَ لهم إستعدادَهم الجيد للعمل، بتواجدهم في ساحة العُّمال منذ الصباح الباكر. لم يتأخروا عن موعد العمل، لم يرفضوا العملَ ولا فرضوا أُجرةً غيرَ المُتـفَّقِ عليها عمومًا. لم يكن لهم لا ذنبٌ ولا تقصير. إنما لم " يستأجرهم أحد "، لم يُكَّلفْهم أحدٌ بالخدمة. ظروفهم الأجتماعية ، حاجاتهم المعيشية، قابلياتهم للخدمة كلها مشتركة مع رفاقهم الذين أُستُؤجروا من الساعةِ الأولى. كانت إرادتهم حسَنة ، نياتهم مستقيمة ، عملهم جَيِّدًا ، لكن غيرَهم لم يُشَّغِلهم. حسب لهم رَبُّ العمل كلَّ هذا وقاسَ عليها عدالته الأنسانية فلم يُرِدْ أن يقسوَ معهم كما قَصَّرَ الزمن ، بل حسبَ لهم حاجتهم الى الحياة وراحةِ الفكر، و كان قادرا على تلبية ذلك، فلم يترَدَّد في إراحةِ بالهم وإسعادِهم.
¨ يصيرُ الآخِرون أوَّلين !
هكذا إنتهى الفصلُ السابق أيضا بنفس الأستنتاج :" من يَدَّعي أنه مؤمن وأمينٌ لشريعةِ الله ولا يعمل بها، وعلاوةً على ذلك يتباهى بنفسِه ويتعالى على غيره، هذا يذُّمُه الله وينبذه. أما الذي لم يعرف الله ويعترفُ بتقصيره لكنه يريدُ أن يعرفَ الله ومستَعِّدٌ أن يحفظَ كلامَه، فهذا يُحّبُه الله ويُكْرِمُه". فيُنبَذُ الأنسان أو يُكَّرَمُ نظرًا لعلاقتِه بالله والتجاوب مع إرادتِه. والأشارةُ مُبَّطنةٌ الى شعبِ الله المختار، اليهود بشكل عام. ما صنعه الله مع هذا الشعب لم يحملْه، كما كان ينبغي، الى محبتِه والأمتثال لوصاياه فالتمَّسُك بشريعته. بل قادهم غرورُهم الى التَنَكُّر لله وعبادةِ أنفسهم. حتى قال عنهم اشعيا :" هذا الشعب يُكرمُني بشفتيه، أما قلبه فبعيدٌ مني" (اش29: 13؛ متى15: 8). لأنهم :" يُهملون وصِيَّةَ الله و يتمَّسكون بشريعةِ البشر"، حتى قال عنهم يسوع :" ما اقدَرَكم على نقضِ وصِيَّةِ الله لتُقيموا سُنَّتَكم" (مر7: 8-9). لقد تخَّلفَ الشعبُ اليهودي في معرفة الله، بل لم يعرفه على حقيقته ولذا لم يسمع كلامَه أيضا(يو8: 19 ، 46 و55). رأى أعمال الله في يسوع لكنه رفض أنْ يعترفَ به لأنه لم يخضعْ لتقليدِهم و سُننِهم (يو5: 26؛ 10: 25 و 31).
الله محبة ورأسُ الشريعة وقوَّتُها في محبتِه (تث6: 5 ؛ متى22: 37)، لكن الشعب المختار لم تجد" المحبةُ محلا لها في قلوبهم"(يو5: 42). لقد تخَلَّفَ اليهود عن الأعتراف بيسوع مسيحًا وبذلك يُصبحون الآخِرين في الأيمان. سيسبقهم الى ذلك غيرُهم. بينما يرفضُه قادتهم ويقتلونه يعترفُ به الوثنيون الَهًا. وبينما يبغضونه ويرفضون تعليمه يقبله الخطأة المنبوذون والمُهَمَّشون ويتوبون على يده ويؤمنون بالله ويسمعون كلامه. هؤلاء عمال الساعة الأخيرة أظهروا أنهم التربة الجيدة التي قبلت زرعه وأعطت ثمارًا مدهشة. لم يكونوا مسؤولين عن جهلهم، لم يُرِهم أحدٌ طريق الحق والبر، طريق المحبة والسلام. الآن وقد دعاهم الله الى حقله، ورأوا محبته لهم ورأفته وتفاهمه لم يتأخروا عن اللحاق بركبه والإنضواءِ تحت لواءِ شريعته. وأصبحوا بذلك الأوائلَ في معرفةِ الله والأيمان به والتفاعلِ مع إرادته.
¨ ساويتهم بـنا !!
كان هذا إعتراضًا عاطفيًا قويًا. هو إعتراضُ الشعبِ المختار على تعاملِ الله مع الوثنيين والخطأة على قدم المساواة. كيفَ يقبلون به وهم الذي يعتبرون الوثنيين" كلابًا" (متى 15: 26). هل يتساوى شعبٌ عَـبَدَ الله آلافَ السنين، من عهد ابراهيم، مع الذين جهلوا الله بل قاوموه وحاربوه محاولين إبادتهم من الوجود؟. غذَّى اليهود هذا الكبرياء وأهملوا " ألزمَ ما شَرَّعه الله : العدلَ، والرحمة والوفاء "(متى 23:23). تفاخرَ الشعبُ بعظمةِ إلَـهِه لكنهم نسوا هويَته ومشيئته حتى تشَّكى اللهُ من جحودهم ، " الثورُ يعرفُ مقتنيه والحمارُ معلفَ صاحبِه، أما بنو اسرائيل فلا يعرفون ، وشعبي لا يفهم شيئًا. ويلٌ لللأُمَّةِ الخاطئة ، للشعبِ المُثَّقَلِ بالأثم.. تركوا الربَّ وآستهانوا باللهِ قدوسِ اسرائيل، وإليه أداروا ظهورَهم"(اش1:3-4). لم يفهم اليهودَ أن الفرقَ بينهم وبين الوثنيين هو بالأيمان والأخلاق. أما بالأنسانية و الحياةِ فهم يقفون على نفس المستوى. وجودُهم من الله ، ويريد لهم اللهُ كما لليهود، ولكل إنسان، الراحةَ والهناء.
وإنْ كانَ اللهُ قد مَيَّزَ اليهودَ برعاية خاصة ومنحهم نعمًا فوقَ العادة فحتى يقدروا أن يؤدوا بسهولةٍ رسالة النور والخلاص المُكَّلَفين بها تجاه إخوتِهم الوثنيين. تمسَّكوا بصَّكِ هذا الأمتياز ولكن دون التقَّيدِ بمضمونِه. الله لم يُخالفْ عهدَه. الشعبُ هو الذي تبطرَنَ وطالبَ بأكثر من حَّقِه. هكذا " ظنَّ عمال الساعة الأولى أنهم يأخذون أجرةً زائدة " عن المُقَرَّر. خابَ ظنهم إذ لم يفهموا أنَّ سعادة الله وراحَتَه لا تقاسُ بالأرقام بل بقوَّةِ مجدِ الله وراحتِه. و هذه هي نفسُها لكل من يقتني ملكوت الله.
¨ أ لستُ حُرًّا في تصَّرفي ؟
سخاءُ رب العمل ورحمتُه إستفَزَّتْ حسدَ العمالِ الأوائل فبدوا وكأنهم يرفضون له أن يخالفَ العدالة البشرية التي تقيس الأمور بروح التقايُضِ،" تبادل شيئين بقيمةٍ متساوية"، لا بروحِ رعايةِ الحياة وحمايتها. عدالة البشر هي" عينٌ بعين" وشَرٌّ بشر وعلى قدر جهدِه ينالُ المرءُ جزاءَه. إنه تصَرُّفُ أندادٍ غرباءَ عن بعضِهم. أما الله فيتصَّرَفُ كأبٍ تجاه كل الناس الذين هم أبناؤُه. لا يقيسُ الأبُ حُبَّه لأولادِه بقدر عطائِهم ، بل يَتعَّدَى حُبُّهُ كل حدود حتى حدود التقصير والمخالفات. لا ينتظرُ الأب من أولاده أن يُنتجوا حتى يصرفَ عليهم، بل ينتبهُ الى حاجاتهم وما ينفعهم فيوفره لهم دون أن يطلبوه منه. فلم يهتم رب العمل بكمية العمل الذي قام به العمال الآخِرون بل بآستعدادهم الجيد للعمل وبحاجتِهم للآستمرار في الحياة. لاسيما و أنَّ كنزه مليٌ لا ينفذ. لم يتحمَّل أن يقبضَ عمالُ الساعات الأخيرة أجرةً ناقصة فيعودوا الى بيوتهم غير قادرين أن يوفوا حاجات الأسرة فيجوعُ أبناؤُهم ، وهم ابناء الله ، أو يتألموا من برد أو يتشَّردوا بسبب قساوةِ الحياة.
لم يظلمْ ربُّ العمل أصحابَ الساعة الأولى. لكنه أبى أن يكون قاسيا عديم الرحمة تجاه من يحتاجون اليهِ. تصَّرفَ كأبٍ سَخِيٍّ لا كسَّيدٍ غريب بخيل. ولمَّا إعترَضَ عليه ظُلمًا الحُسّادُ لم يتراجعْ عن سلوكه ورفضَ أن يتبنى الجهلَ والقساوة البشريين. يريدُ الناسَ أن يتخلى الله عن مبادئِه ويخضعَ لأحكامِهم ويستجيبَ لتقاليدِهم، فيتصَّرفَ كإنسان، بينما يريدُ الله أن يرفعَ الأنسان الى مستواه فيرتفعَ عن الأنانيةِ ليفتحَ قلبه للمحبة ويسلك سبيلَ الرحمة. يريدُ الله أن يكون إيمانُ الناس فاعِلاً ، فيكون نورًا وقوَّةً دافعة وساندة في جهاد الحياة.
ليس الأنسان من يُعَّلمُ اللهَ الخالقَ كيف يسلك. ومن يكونُ الأنسان حتى يُقاضيَ اللهَ فيُطالبُه أن يُبَرِّرَ أمامه تصَرُّفَه الذي يفوق إدراكَه؟. ليس الأنسان من يُعَّلمُ اللهَ العدالةَ والمساواة ، وليسَ الأنسان من يُقَرِّرُ ما هو الحَّقُ وكيفَ تُصانُ الحقوق!. ومن يكون الأنسانُ حتى يُعَلمَ اللهَ كيف تُعاشُ المحبة وكيف تُمارَسُ الرحمة؟. أ ليس اللهُ هو المحَّبةُ الكاملة والرحمة الممتازة ومن نورها زرعَ قبسًا رفيعًا في قلب الأنسان و وجدانِه؟. فليس كلُّ من إدَّعى الأيمانَ مؤمنًا ولا من أظهرَ عاطفةً هو تلميذٌ للمعلم المحب. الحق والعدل والمحبة والأيمان والوفاءُ ليست صفاتٍ توزَّعُ ويُفتخرُ بها، بل هي قِيَمٌ وحياةٌ تُعاشُ وتنمو، بعونِ الله، من صباح الحياة الى غروبها و تُخَّيمُ على مسيرةِ الحـياة كلها.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com