الأحـد الـ 4 للصليب ، الـ 7 لأيليا !
2016.10.02
يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< متى 18: 1-18 >::-- ويقُّصُ علينا أولا خبر"من هو الأعظم في ملكوت السماء "، ويُحَّدِدُه يسوع بـ" الطفل"، أى من يكون كالطفلِ بريئًا، بسيطًا، صريحًا، عفويًا ، روحُه نقية شفّافة كدمع العين وفكرُه مستقيمٌ وصافٍ ونَيّركفضاءِ الخريفِ المشمِس. الطفلُ صورةُ الله النقية والمُشِعَّة بِرًّا إذ لم يتَخَدَّشْ بعد بفسادِ العالم وضلالِه. واللهُ لن يقبلَ في ملكوتِه غير الأنقياء الأبرار القدّيسين كالأطفال ، مع ملائكتهم الحُرّاس الذين" يُشاهدون كلَّ حين وجه الله " !. ثم يُعطي يسوع مثلَ الخروفِ الضال الذي يبحثُ عنه الراعي إلى أن يجدَه. ولما يجدُهُ يفرحُ به. هكذا حتى إذا شَوَّهت الخطيئة نفسَ الطفلِ، لمَّا يكبُر ويتيهُ في الفساد والشّر، إلا إن اللهَ لا يُريدُ أن يخسِرَه ، بل يحاولُ إعادته الى نقائِه الأصلي فيعرضُ عليه التوبة و يُسامحُه ويفرحُ بعودتِه فيقبله من جديد بين أبنائِه. وأخيرًا يصلُ يسوع الى الحالة التالية التي يقع فيها المؤمن وهي تواجدُ الخير والشر في الحياة المسيحية المشتركة ومردودُها المتبادل. فالحياة العامة لا تخلو من أشرارٍ لا يترَدَّدون أمام الإساءةِ الى الأفراد، الى المجتمع، وإلى إهمال تعليم الله و وصاياهُ. ويُحَدِّدُ يسوع في هذه الحالة موقفُ المسيحي الأمين لدعوتِه الى قداسةِ السيرة.
¨ إذا خطِئَ أخوك إليك !
عندما يقودُ الراعي قطيعَه الى المرعى لا يهتم بقسمٍ منه ليُهملَ قسمًا آخر. بل يعتني بالقطيع كله ويسهرُ على راحتِه وتوفير أفضل غذاءٍ له وماء. مع ذلك قد يشرُدُ أحيانًا بعضُ الخرافِ وتضلُ طريقَ العودةِ الى السرب. وقد لا تفكرُ بذلك إذا حصلت على قوتٍ لذيذ وماءٍ زلال إلى أن يُداهمَها خطرُ لا تقوَ على أن تتخَلَّصَ منه. وتدفعُ ثمن عُزلتها وضلالِها. هكذا يهتمُ المسيح بخلاص جميع البشر، وليس بفئة محدودة. والذين يؤمنون به قد يتيهُ بعضُهم فتُغريه خيراتُ الجسد وأمجادُ الدنيا. وقد ينعزل البعضُ عن تعليم المسيح ولا فقط يتيه ولكن أيضًا يُسيءُ الى بقيةِ أعضاء جسد المسيح السري. إنه يخطأُ تجاههم. وعندئذ يتضايقُ ويتألمُ من يشعرُ بالمضايقةِ أو الإهانةِ أو حتى الإساءة. وقد يستولي عليه شعورٌ غريزي بالأنتقام أو الإشهار بالمؤمن الشرير أو اللامبالاة.
أما يسوعُ فقد رفضَ موقفًا مماثلاً. بل طالبَ أتباعَه أن يتبَنَّوا مَثَلَ الراعي موقفًا إنسانيًا. مُشيرًا بذلك ومُنَّبِهًا إلى أنه هو نفسُه يتصَّرفُ كراعٍ. لقد ضاعَ شعبُه وتاهَ في أدغالِ الشر و الفساد فجاءَ يسوع يبحثُ عنه، "جاءَ الى الخرافِ الضالة من آلِ اسرائيل" ، يُعاتبُها على أخطائِها، يُحاسبُها على خيانتِها، فيدعوها الى العودةِ الى جنة الحياة وذلك بالتوبة عن شَرِّها وسلوك سبيل الله. لا يفرحُ اللهُ بضياع وهلاك حتى ولا خروف واحد من قطيعه، ولا إنسان واحد من المؤمنين به. بل من أجل الواحد، وهو الأقلية القليلة، يبذل الله جهدًا إضافيًا خاصًّا ويخرج ، مخاطرًا بنفسِه، للبحثِ عنه وحمايتِه من خطر الوقوع فريسة للحيوانات المفترسة. هكذا خرجُ يسوع من" حضن الآب.. متخليًا عن مجدِه.. صائرًا بصورة العبد..مواجهًا موتَ المجرمين ليُنقذ الضالّين التائهين من شعبِه". هذا هو راعي الأنسانية الحقيقي، الذي لا يهنأُ بهلاك الخطأة بل يضع أمامهم دواءَ التوبة، و يفرحُ بعودتهم إلى سبيل الحق.
¨ إذهب إليه وعاتِبْهُ !
كما أخطأت الأنسانية ضد الله هكذا يمكن أن يخطأَ الأنسانُ ضد أخيه الأنسان. الله أبٌ مُحِّبٌ ورحوم. أما الأخوة فكثيرًا ما يتنافسون ويحسدون بعضهم فيتنافرون، وحتى يتباغضون. و تبدُرُ عندئذٍ بينهم إهاناتٌ وإساءات. وتنبري القوى الغريزية للرَّد المناسب وآستعادةِ الحَّق المهضوم. اللهُ بحثَ عن إصلاح الوضع السَّيئ وسامح فصالحَ البشر. أما الأنسان فتدفعه غريزته الى الأنتقام" عينًا بعين، وسِنًّا بسّن". في حين يريدُ اللهُ من صورتِه أن يتصَّرفَ مثله فيتعَّلمَ أن يحاولَ فيسموَ على الأحاسيس الغريزية ويستعملَ قواهُ الروحية لإزالة الشر بواسطةِ المحبة والغفران. كان الخروفُ الضائع مُخالفَا، وهكذا الأنسان الخاطيء هو ضّالٌ يحتاجُ الى من ينير له درب الحق ويساعدَه على النجاةِ من حاله السَّيئة. والمسيحي يتابعُ نشر تعليم يسوع ويشهدُ على سلوكِه النابع من قوةِ المحبة والرحمة لا من ضعفِ الغريزة والشهوة. والأنسان الآخر، مهما كان ومن أي لون ومذهب وثقافةٍ كان ، هو أخ ليسوع و بالتالي لكل أنسان غيره. ألسنا كلنا نحن البشر إخوةً لأخينا البكر يسوع ؟(رم 8: 29). لهذا قال يسوع" إذا أخطأ اليك أخوك". لم يعنِ بـ" أخوك" الشقيق، أوالمسيحي، أوالمواطن فقط. بل عنى به "الأنسان أيًّا كان". يطلب يسوع من أخيه المسيحي أن يتعاملَ مثله مع كلّ أخٍ له غير مسيحي. وكم بالحري إذا كان هذا الأخ المسيء مسيحيًأ فيجبُ الأشفاقُ عليه بالأكثر و مساعدته لأنه يملكُ جوهرة الأيمان ويحتاجُ مساعدَةً كي لا يفقدَها.
¨ قُل للكنيسة !
بعدَ أن طلبَ المعلم من تلاميذه أن يُحاولَ فيزيل الخلافَ بينه وبين غريمِه، فإذا فشل يطلبُ منه ألا ييأسَ ولا يُهملَ مساعدة المؤمن المخالف في العودة الى جادة الأخلاق المطلوبة. لا ييأس بل يطلبَ تعاونَ إخوةٍ آخرين، عونًا إضافيًا، للقيام بالمهمة. وإذا فشلوا أيضا ، بعدُ لا ييأسَ بل يتوَّجه الى الكنيسة، السلطة التعليمية والأدارية لخرافِ المسيح ويسألُ رعايةَ هذا العضو المريض بحنان أفضل ونورأقوى. يطلب يسوع من أتباعِه ألا يدعوا الشر والفساد يعششُ بينهم ، وأن يستعملوا طيبَهم ورحمتهم للأهتمام بالأحوج والأضعفِ ، بالضالين. ما دُمنا في المسيح جسدًا واحدًا لا يمكن أن نتجاهلَ بعضنا بعضا، كما لا يمكن أن ندين بعضنا بعضًا،" لئلا يقعَ في الجسد شِقاقٌ، بل لتهتَّمَ الأعضاءُ كلها بعضُها ببعض. فإذا تأَّلمَ عضوٌ تأَلَّمَتْ معه سائرُ الأعضاء، وإذا أُكرمَ عضوٌ فرحَتْ معه سائرُ الأعضاء" (1كور12: 21-26).
¨ ليكن عندكَ كوثنيٍّ وعشّار !
لا تفرُضُ حتى الكنيسة الأيمان المستقيم والأخلاق الحميدة على أحد. إنما تُنَّوِرُ، وتدعو، و تعين عليها. وتحترمُ حرّية حتى المجرمين. إنما توَّجهُ أبناءَها على درب الحَّق المستقيم. من يسمع منها تُهَّنِئُه وتشَّجعُه. ومن يرفضُ السماع منها تُسَّلمُه الى رحمة الله. لا تدينُ أحدًا، ولا تقبلُ الفسادَ في أحضانها بين أبنائها، فتنصحُ أبناءَها أن يتجنبوا الشر ويحذروا السَّيِئين، كما تحذر هي وتبتعد من الوثنيين والخطأة ، شاجبةً أفعالهم دون أن تدين شخصَهم. وهكذا إذا لم أستطع أن أكسبَ أخي المسيحي الى السلوك اللائق والمطلوب ، أعتبرُه مُلحِدًا وسَّيئًا خارجَ حظيرة الأيمان يرفُضُ التوبة، فأتجَنَّبُ أفعاله وأصَّلي من أجله لعلَّ الرَّبَّ يُغَّيرُ ما فيه. هكذا أوصى الرب ألا ندين الأشرار بل نحاولُ مساعدتهم على الخلاص. وإذا فشلنا في ذلك نبقى لا ندين إنما نتحَذَّر ونبتعدُ عنهم حتى لا يُعديَ مثلهم السَّيئ إلينا. عن أمثالهم كتبَ بولس لأهل كورنثية "سَّلموا هذا الرجل ـ الزاني العلني!ـ الى الشيطان، حتى يهلكَ جسدُه، فتخلصَ
روحُه في يوم الرب "(1كور5:5). بينما كتب لأهل تسالونيقي بخصوص كسلان يرفضُ العمل وينشغل " بما لا نفعَ فيه.. لاحظوه وتجَنَّبوه ليخجلَ. لا تعاملوه كعدو، بل إنصحوهُ مثل أخ" (2تس3: 11-15).

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com