الأحـد 2 للصليب 5 لأيليا !
2016.09.25
يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< متى 17: 14-27 >::-- يقُّصُ علينا أخبارَ شفاءِ صبّيٍ مصروع لم يقدر الرسل شفاءَه فقدمَه أبوه ليسوع وشفاه وكشفَ للرسل أنَّ سببَ عدم قدرتهم على شفائه هو عدم إيمانهم وآعتبارهم الأشفية أمرًا شبه سحري منوطٍ بهويتهم كونِهم تلاميذ يسوع ، في حين هو ثمرةُ الثقةِ التامة بالله والأتحاد به فكرًا وقلبًا. ثم عبرَ يسوع الى الإنباءِ بآلامه و موته وقيامته ، وهذا أحزنَ التلاميذ للشعور بالفراغ والضعفِ في غيابِ المُعَّلم. وبعد عودتِه الى كفرناحوم طالبَ جُباةُ ضريبةِ الهيكل بطرسَ بدفع تلك الجزية ، ويبادرُ يسوع ويتحدث مع بطرس عن طبيعةِ تلك الضريبة التي لم يكن يحق للقادة أن يأخذوها من المواطنين. لكن الأدارة البشرية لا تتصَرَّفُ دوما بموجب الحق. وأحيانا كثيرة يظلمون حيث كان يجب أن يخدموا. يدفع يسوع الجزية دفعًا للبلى لا لعدالةِ النظام.
¨ الجزيةُ تؤخذ من الغرباء لا من الأبناء !
كان هذا كلامَ يسوع لبطرس، وللكنيسة التي سيقودُها في ظل نظام مدني لا يعترفُ بغير نفسِه ويستغلُ الشعورَ الديني لتثبيتِ سُلطتِه وتبرير سياستِه. والضريبةُ أو الجزية مبلغٌ من المال، يتناسبُ ودخل الفرد السنوي، تفرُضُه السلطة وتستوفيه من الشعب لتُوَّفرَ له الأمانة والأستقرار مع الخدمات العامة لضمان الرخاء والراحة. وفي الكنيسة أيضًا نظامٌ يقوم على أساس مشاركة المؤمنين بتوفير الحاجات المادية وتحَّمُلِ كل مستلزمات الخدمة الكهنوتية. كلُّ مؤسسةٍ إجتماعية تستعمل أمكنة وأشخاصًا يتوظفون للخدمة و وسائل لتنفيذ نشاطاتها و تأديةِ خدماتها. وهذا يحتاج الى رؤوس أموال ضرورية لتحقيق الرسالة المنوطة بها. وهذا المال لن يأتي من الفضاء بل يوفّره الأبناء ، أعضاءُ تلك المؤسسة. والمشاركة تكون عادة بدفع ضرائب مُحَدَّدة. أمَّا يسوع فبيَّنَ مخالفة تلك الضريبة المطلوبة منه. لم يعترضْ على نظام الضريبة، بل إمتعضَ لأن تلك الضريبة لم تكن ضمن العشر المُعَّين بل إضافية و لهدفٍ نفعي بعيدٍ عن الحاجة. ولم يدفعها تأييدًا للظلم، ولا خوفًا أو ضعفًا، بل لعدم رغبته في " إحراج أحد" بمعارضةٍ لا تنفع أكثر من خلق الفوضى أو التمَّرد اللذين يقودان الى نتائج مؤلمة.
¨ خُذ القطعة وآدفَعْها عني وعَنَّك !
خَضعَ يسوع للنظام وإن " كان ظالمًا". لماذا؟ لا ضُعفًا، كما نوَّهتُ، ولا تمَّلُقًا ونفاقًا ليكسب وِدَّ الرؤساء وينتفعَ من ذلك. كلا. بل ربما لسببين، هما: حتى لا يخلقَ بلبلةً، كما قال. وهذا مُهَّمٌ جدًّا في نظر الله الذي خلقَ كلَّ شيءٍ بنظام، وتعيش كلُّ الكائنات أيضا بنظام. وحتى العبادة طلب مار بولس أن تجريَ بنظام، فقال:" وليكن كلُّ شيءٍ بلياقةٍ ونظام" (1كور14: 40). وتطبيقًا لهذا المبدأ يعتبر الرسول النظام الزمني ضروريًا ويجب إحترام القادة و طاعتهم لا خوفًا بل مراعاةً للضمير(رم13: 1-5؛ طي 3: 1)، سائًرا في خط الأيمان الذي يُعلنه رئيس الكنيسة وكيلُ المسيح، مار بطرس حيثُ يقول:" إخضعوا لكل نظام بشري من أجل رَبِّنا. للملك.. للحكام.."(1بط2: 13-17). ودفعُ الجزيةِ جزءٌ من النظام كما يُؤّكدُه مار بولس فيقول:" وهذا ما يجعلكم أيضًا تُؤَّدون الضرائب. والذين يجبونها إنتدّبَهم الله ليعملوا بنشاط. أَدُّوا لكلٍ حَقَّهُ: الضريبة لمن له الضريبة، والخراج لمن له الخراج، والمهابة لمن له المهابة، والأكرام لمن له الأكرام"(رم 13: 6-7). هكذا فسَّرت الكنيسة مبدأ الرب يسوع:" أَدُّوا لقيصر ما لقيصر، وما لله لله "(متى22: 21).
هكذا لن يرَ المسيحيون اليومَ غريبًا أو خاطئًا نظامَ دفع الضريبة ، للدولة أو للكنيسة ، بل سبيلا للأمن والأستقرار، وتقَيُّدًا بمشيئةِ الله نفسِه. نظَّمَ موسى دفع الضرائب وحَدَّدها بالعشر من كل ما يملكه الفرد. وتنَّظِمُ الدولة الضرائب وتحددُها بالنسبة الى الدخل السنوي و تفرضُها. أما الكنيسة فقد سارت على خطى يسوع وتركتها لسخاءِ المؤمن، علامةً لأيمانِه و محبتِه. تُحَّددُ أحيانًا سقفًا لبعض الخدمات ولكن ترفضُ دومأ "فرضَها" وتُبقيها لأريحية كل مؤمن أن يُقَّررَ ويدفعَ ما يقدرعليه وما يريدُه، كما أمرَ الرسول:" لِيُعطِ كلُّ آمرِءٍ ما نوى في قلبه، لا آسفًا ولا مُكْرَهًا. إنَّ اللهَ يُحِّبُ من أعطى متهَّلِلاً " (2كور9: 7).
¨ إتَّخذوا أصدقاءَ بالمال الباطل !
هذا عن الضريبة. وماذا عن المال نفسِه. يستثقلُ المرءُ أنْ يُؤخّذَ منه جزءٌ من مالٍ إكتسبَه بعرقِ جبينِه، خاصَّة وإذا تمَّ ذلك بطريقةٍ " ظالمة". مع ذلك يبدو أنَّ للرب يسوع نظرةً مختلفة عن المال. ليس المالُ هدفًا نسعى اليه. ما نسعى إليه بكسب المال هو ضمان الحياة وحياةٍ أفضَلَ ما ممكن. فالمالُ إذن وسيلة. هذا من جهة. ومن أخرى ليست الحياة على الأرض نهاية المطاف. بل هذه تزول. نهاية المطاف هي الحياة الأبدية. فالمال وسيلة لأجل إقتناءِ تلك الحياة الأبدية بعد حياة الزمن الأرضية. فلا نقتني المال لخزنه في المصارف بل لصَرفِه في خدمتنا وخدمةِ الأنسانية. فإذا آقتضت حمايةُ حياتنا أن نبذلَ المال فلا نتأخرُ في صرفِه والتخَّلي عنه حفاظًا على حياتنا. هذا ما يطلبُه الرب وينصح به :" لا تكنزوا لأنفسكم كنوزًا في الأرض... بل إكنزوا لأنفسكم كنوزًا في السماء "(متى6: 19-20). وقد لام الربُ من يتمسكون بالمال على حساب الحياة الأبدية (متى19: 22-25). وآستنكرَ كليًا مساواة المال بالله :"لا تستطيعون أن تعبدوا الله والمال" (لو16: 13).
تأثيرُ المال قوي على الأنسان. لذا حَذَّرَ الربُ من خطرِه. وقالَ عنه الرسول:" حُبُّ المال هو أصل كل الشرور" (1طيم 6: 10). ولهذا لم يستهِن النظامَ حفاظًا على المال. بل المالُ خادمٌ للنظام الذي له الأولوية. فلم يستثقل دفع جزيةٍ ظالمة مقابل كسب راحةِ البال ومتابعةِ عملهِ مع تلاميذه. ويهونُ عليه أن تبذلَ الكنيسةُ أيضًا المبالغَ الطائلة ولا تُعَرقَلُ مسيرةُ الأيمان. لذا وَصَّى كسبَ الصداقاتِ ببذل الأموال، لا للترشية، بل لحفظِ نشاط الكنيسة وإنقاذ إستقامةِ الأيمان. في مثالِ الوكيل الخائن قَيَّمَ صاحبُ المال فطنة وكيله وأثنى على تصَّرفِه السَّييء لأنه إستعمل المال حتى يضمنَ مستقبَله. لم يمدَح الربُ فعلة الوكيل لأنها تُعتبر سرقة. لكنه أكَّدَ مع الأمانة للخدمة عدم الترَّدُد في صرف المال لأنقاذ الحياة. الأمانة للمال المُكتسَب بعرق الجبين لا تكون بخزنه بل بآستعمالِه لعمل الخير والحفاظ على الحق. المال نفسه أمانةٌ بين أيدي الناس لصرفِه بوجهٍ صحيح. وأصح الوجوه يكون ضمان الحياةِ الأبدية . لذا قال الرب :" إتخذوا لكم أصدقاء بالمال الباطل. حتى إذا ذهبَ عنكم، قبلوكم في المظال الأبدية...وإذا أسأتم الأمانةَ في المال الباطل، فعلى الخير الحَّق من يأتمنُكم"(لو16: 9-11 ).
فالمالُ نفسُه يُصبحُ إذن محكةَ الأمانةِ للأيمان.
كان بإمكان يسوع رفضُ دفع الضريبة. كان بإمكانه أن يُطالبَ بحَّقِه وحقِ المواطنين. مثله يحُّقُ لكل مسيحي أن يرفض الظلم ويُطالبَ بحقه. لكن المال بذاته ليس قيمةً وحَقًّا. والجهدُ الذي بُذل في آقتنائِه لن يُستعادَ ولا يُعَّوَض. والمالُ نفسُه يُصبحُ ظالمًا إذا إستعبَدَنا. لذا وجبَ التحَّذرُ منه. لذا رأى يسوع مُسَبَّقًا في رفض دفع الجزية ظلما لأنه يُؤدي الى فوضىً وتمَرُدٍ على النظام. ورأى أن التقَّيُدَ بالنظام أفضلُ من خسارةِ المال. المالُ يُعَّوَضُ عنه. أما البلبلةُ والفوضى فمن روح ابليس الذي منذ البدءِ تمَرَّدَ على الخالق وحَرَّض الأنسان على التمَرُّدِ و العصيان. بينما حكمة الله ومشيئته هي :" الطاعة أفضل من الذبيحة" (1صم 15: 22؛ أع 4: 19). المال وسخُ اليدين، يقول المثل. أما الأيمان والحياة فهما كنزٌ لا يُفَرَّطُ به ، تهون من أجل حمايتهما كلُّ ثروات العالم وكنوزِه.

القس بـول ربــان


  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com