الأحـد 1 للصليب و4 لأيليا
2016.09.18
يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< متى 4: 12 – 5: 16 >::- ويَروي أخبار بداية رسالة يسوع في الجليل بدعوة الأنسانية الى التوبة عن تمَرُّدِها منذ الأصل على الله، ثم يضعُ أساس البناء البشري الجديد فيختار لنفسِه أتباعًا من بين المندفعين معه والمتلَّهفين الى مجيء المخلص الموعود والمنتَظَر. والخطة أنْ يُبَّشرَ بالخلاص الآتي قريبًا فيُنعشَ الآمال ويَهُّزَ الضمائر. ثم يُعالجُ معاناةَ المتألمين ويشفي الأمراض وتلك دلائل زمن المسيح فيكسبُ الثقةَ ويشُّدُ للمحبةِ أواصرَ فتتعَّلقُ به العقولُ وتتوقُ اليه القلوبُ. وبعدَه يُعَّلمُ مُعلنًا الحقيقة فيَجُّرُ البساط من تحت أقدام الكتبة والفريسيين، المُعَّلمين العُميان، ويضعُ سامعيه ولاسيما تلاميذه على سِكَّةِ العِلمِ الألهي والآدابِ الكريمة. ولن يطولَ الزمن حتى يتسنى له أن يجلسَ آمام جموعٍ تقاطرت من كل حدبٍ وصوب، بالآلاف، متلهفة لسماع كلامه لأنه كان " يُعَّلمُهم مثلَ من له سُلطانٌ، لا مثل معلمي الشريعة "(متى7: 29). ويعتزلُ تلك الجموع من حين لآخر وينفردُ بأتباعِه ليُلقيَ عليهم دروسًا خاصّة تُدخلهم الى إطار رسالتِه والى حَرَم هويتِه. ويبدأ بخطابٍ ، هو وثيقة التطويبات، ألقاه عليهم على الجبل حيثُ إنعزل معهم فتخلصوا من جلبةِ التجَمهُرِ ليأخذوا معه راحتهم في السؤال والنقاش.
¨ طوبى لكم إذا عَيَّروكم وآضطهدوكم !
يبدو خطابُ يسوع للوهلةِ الأولى مُحْبِطًا ومُخَّيِبًا في عبارته المتناقضة. لمْ يُسمَعْ أحدٌ قبلهُ يقولُ " هنيئًا" للمساكين والمحزونين والبُسطاء المذلولين والجياع والعطاش. هؤلاء كلهم يتألمون بشكل أو آخر. فهل يريدُ لهم يسوع الأستمرار على عذابِهم وشقائِهم؟. أ لهذا أتى حتى يُثَّبَتَهم في بلاياهم ؟ أم مكتوبٌ عنه أنه يُحَرِّرُهم منها فيزيلُ همومَهم ويُبَّددُ مخاوفَهم ويوفرُ لهم الراحة؟. إنَّ نصفَ التطويبات تبدو وكأنها تُكَّرسُ حالتَهم المُزرية وتقَّدسُ الشَّرَ الذي يُعانون منه!. بالتأكيد ليس هذا ما يعنيه المُعَّلم. لقد بدأَ كِرازَتَه بالإعلان عن قربِ إستتبابِ ملكوتِ السماوات (متى4: 17). وملكوتُ السماء، ملكوتُ الله، شَبَّهَهُ إشعيا بالنور الساطع الذي ينيرُ المتمَّرغين في ظلام الموت (اش8: 23-9: 1). والنور ينفي العذابَ والشقاء، بل هو حياة لأنَّ " حياة الله هي نورُ الناس" (يو1: 4).
ماذا عنى الرب إذن بإعطائِه الطوبى للفئاتِ المتألمة من الناس؟. بالتأكيد لم يعنِ بالمساكين الفقراءَ والمُعوَّزين الى الطعام والثياب وحاجات الحياة الزمنية الأجتماعية. لأنَّ هذه ليست حالة سعادةٍ وراحة وموضوعَ إفتخار يُمدَحُ عليها المرء. المسكين والفقير هم على لسان الرب الناسُ الغيرُ المتعَّلقين بالخيراتِ الدنيوية والمنفتحَةُ أفكارُهم وقلوبُهم على الخيرات الروحية ولاسيما الخير الأعظم الباقي وهو الله نفسُه. لِهولاء يُعطي الله ملكوته، يستقبلهم في مجدهِ وسعادتِه لأنهم يبحثون عنه ولا يهتمون كثيرًا بالخيرات الزائلة. هؤلاء يقبلون المسيح ويتقبلون ملكوته لأن هناءَهم أن يكونوا معه. فهنيئًا لهؤلاء لأنهم حصلوا على ما إنتظروه وتاقوا اليه، وها هو بينهم يُحَّدثُهم كصديقٍ وعزيز، فيفرحون به ويرتاحون اليه. فالسعادة والهناء يحُّسُ بهما من ربط حياته بالله وحدَه. هذا لا يُخَّيبُه الله.
ومثل المساكين بالروح هنيئًا للحزانى والبسطاء المتواضعين أو الودعاء وحتى الجائعين و العطشانين "الى الحَّقَ والبر"، الى الحب واللطف، وحتى ايضا المُضطهَدين لأنهم يسمون الى ما لله. لا يتأتى عزاؤُهم ولا فخرهم ولا ملَّذاتهم من أمور الدنيا ولا على يد البشر، بل الله هو مباشرة يُشبعهم من كل خير أبدي. فتلميذ المسيح لن يجدَ راحتَه في ما للجسد، ولن تُشبعُه الخيرات الزمنية. قست الحياة عليه أو لطفت به، حياته هو متوقفة على علاقته بالله، وعنده وحدَه ينال راحتَه وهناءَه. ويبدو الرسل وكأنهم من الطبقات المتواضعة والمتألمة
فهنيئًا لهم لأنَّ يسوع إختارَهم ،هُم، تلاميذَ له وليس من يُمجِدُّهم العالم ويوقرهم من الأغنياء
والعلماء والأمراء والشُرفاء والمُهَّرجين. لقد خَّصَ يسوع تلاميذه بهذه التهاني وكأنه يقول لكل أصحاب المعاناة، عبر الأجيال، لا تثَّقل عليكم ضيقاتُكم ولا تتألموا لقساوةِ أهل العالم معكم، يكفيكم فخرًا أن الله تجسَّد بسببكم ولأجلكم، وهنيئًا لكم لأنه معكم في شدائدكم وآلامكم وحتى نبذ العالم لكم. هنيئًا لكم لأنه قد فتح لكم باب ملكوتِه، بابَ قلبه ومحبتِه وتقديره، بابَ مجدِه وسعادتِه.
¨ هنيئًا لمن إختار سبيل الفضيلة !
مقابل تلك التهاني التي تتحدى السلبيات قدَّم متى تهاني أخرى تمدح الأيجابيات، هي أنواع سلوك تتماشى مع طبيعةِ الله ومشيئتِه. فهَنَّـأَ الرحماءَ وأنقياءَ القلب وصانعي السلام والذين يصبرون على الظلم. فالله رحومٌ ومستقيمٌ ومسالم ويصبر على كفر الأنسان وجحوده حتى " يُشرق شمسه على الأخيار والأشرار، ويُنزلُ مطرَه على الأبرار والكفّار، ولا يريد موت الخاطيء بل أن يتوبَ ويحيا أمامه". إنه فخرٌ ومجد للأنسان أن يعملَ أعمال الله ويقتديَ به ويشترك بذلك في بناء سعادة جميع الناس. فالتطويبات أيَّدت هذا الموقف وشجَّعته. إنها ليست مواقف "ضعف أو جبن" بل هي دليل قوةِ روح باطنية تسندها الأرادة الألهية. رسالة الأنسان هي أصلا أن يتابع عملَ الله و يُكَّملَه. لذا فالطوبى له إذا أدَّى رسالتَه فأَثمرَ وزنتَه ، عندئذ ينال جزاءًا مضاعفًا (متى25: 20-23؛ لو19: 15-19).
¨ طوبى لكم إذا عيروكم !
وتطويبة أخيرة لم ينسَ متى نقلَها وهي الصبرُعلى الضيم والظلم والأهانة. التعييرُ والظلم يقعان على المؤمن بسبب إيمانِه بالله وتقَّيُدِه بتعليم المسيح. يمكن للمؤمن أن يتفاعل معها بشكل سلبي أي يدافع عن نفسِه ويطالبَ بحَّقِه ويُقاضيَ المُسيءَ اليه كما يفعلُ كلُّ أهل العالم، أو أن يغلبَ هذا الشرَّ بالخير فيسامحَ ويقطعَ دابرَ الشر كما فعل المسيح الذي رفضَ الدفاع عنه بالعنف ولم يقاوم الشرَّ بالشر بل إنتصرَ عليه بالعفو عن الأشرار العنيفين و أعطى المثلَ لتلاميذِه أن يفعلُوا مثله. لأنَّ الظلم والأهانة والأساءة كلها تنتهي. أما ما يبقى للأبد فهو الحق والحب. الحق والحب ينتصران لأنهما قِيَمٌ روحية نابعة من جوهر الله و مطبوعة في كيان الأنسان العاقل. فالصبرُ، تحَّدي الشر، من طبع الله وقُـوَّتِه، لأنه الخالقُ وأبٌ رحوم. فالأقتداءُ به يسمُ الأنسان بوسم الله نفسِه.
فالتطويبات ليست مناهضة لخير الأنسان ولا هي تكريسُ ظلمٍ وضعفٍ. بعكس ذلك هي تمجيدٌ للأنسان برفع مستوى سلوكه الى طبيعةِ كيانِه الروحي مثلَ خالقِه. هي إعادة الهدوء الى النفس التي تقلقها الخطيئة ويُرعِبُها الشر، وإعادة الثقة اليها أنها قادرة أن تحيا، وسط العالم المادي، حياة تقودها الروح لا الجسد. يُعيدُ الرب الى الأنسان نور الحق الذي فقده ، و يُعَّلمُه كيف يحافظُ على وحدةَ كيانِه الذي مَزَّقته الخطيئة فأضاعَ التوازن في سلوكه مُنجرفًا وراءَ الحسّيات ومُهمِلاً الروحانيات. هنيئًا لتلاميذ المسيح إذا عرفوا وآستطاعوا أن يحفظوا التوازن، في سلوكهم، بين الروح والجسد.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com