الأحــد الثالث للصـليب والسادس لأيليـا !
2016.09.11
{ ملاحظة طقسية : يتغَّير اليوم النظام العام بسبب وقوع أربعة آحاد لأيليا قبل عيد الصليب. عليه تُسَّبق صلاة هذا الأحد للحفاظ على العيد في موقعه الثابت وتلاوة صلاة الأحد الرابع لأيليا/الأول للصليب بعد العيد مباشرة. ثم يتابعون تلاوة الآحاد المتبقية حسب تسلسلها ! }.
يُتلى علينا اليوم إنجـيل-::< متى15: 21-39 >::-- ويقُّصُ علينا خبر إنتقال يسوع الى منطقة الوثنيين وآلتقائِه بالمرأة الكنعانية وشفاء إبنتها جزاءًا لأيمانها النقي والعظيم. ثم يُخبرُ متى عن أشفيةٍ جماعية لِكُسحانٍ وقُطع ٍوعُمي ٍوخُرسٍ وغيرِهم. وأخيرًا يُطلِعُنا على معجزة يسوع الثانية لتكثير الخبز والسمك لإطعام، هذه المرة، أربعة آلاف رجل ما عدا النساء و الأولاد.
• أُشفِقُ على هذا الجمع !
عاد يسوع من منطقة صور وصيدا الوثنية الى الجليل. كان يُعلمُ الناس على شواطيء البحر وتتقاطرُحواليه الجموع لترتوي من كلامه العذب المنعش والمُروي للنفوس العطشى الى كلمة الحق والحياة. لقد شبعت من أحاديث القادة الطنانة الفارغة من الحياة. لقد أنِفت لقاءَهم الثقيل. أما يسوع فباتت تستجلي أخبارَ تنقلاتِه لتتبعه فتصغي اليه. وما تكاد تسمع بتواجده في مكان قريب حتى تتراكضُ لتستمتع بلقائِه. لاسيما الذين أثقلت عليهم الحياة وبلتهم بعاهةٍ أو مرضٍ أو مصيبة ترتاح الى قربِه وتأملُ أن تجدَ عنده دواءَها الشافي. وقد أسرعت هذه المرة بعد غيابٍ طويل وَحَّشهم عنه لتلتَّفَ حوله وتتهَنَّأَ بدفءِ لقائِه. وتكاثرت يوما بعد يوما. وقضى أغلبهم أيّامًا معه تاركين بيوتهم ولم يعودوا إليها كي لا تفوتَهم منه كلمةٌ أو فعلٌ. ربما لم يأخذ أكثرُهم طعامًا معه، فبقي صائمًا طوال الفترة. فتحَنَّنَ الربُ عليهم وشفى منهم كل المُصابين بأنواع الأمراض المختلفة لاسيما المستعصية منها، إن لم نقلْ المستحيلُ عِلاجُها على أطباءِ تلك الأيام.
• منذ ثلاثةِ أيام يلازمونني !
لم يُشفَ غليلُ يسوع بشفاءِ مرضاهم فقط. حسَّ تجاهَهم شَـفقةً أضرم. كيف لا وهو يلاحظ أنَّهم لم يُفارقوه منذ" ثلاثة أيام"، ولم يتناولوا طعامًا لأنهم فقراء، وأغلبهم قادمون من قرى بعيدة، وإذا غادروه في هذه الحالة فقد يقعون في طريق العودة ولا يصلون سالمين الى بيوتهم. لذا حَّنَ عليهم بالزائد. فقال لتلاميذه: أُشفِقُ عليهم!. إفتهموا قصدَه. لأنها المرة الثانية يحصل لهم هذا الأمر. سبقوا في المرة الأولى وآعترضوا عليه وطلبوا أن" يصرفهم ليذهبوا فيشتروا لأنفسهم طعاما ". لكن يسوع أجابهم في حينها " أعطوهم أنتم ما يأكلون" (متى14: 15-16). إستثقلوا الأمر قائلين : " أنَّى لأحدٍ أن يُشبعَ هؤلاء في هذه البرية "؟. لكن يسوع سَّدَ عليهم طريق الجدال. قلبه على هؤلاء المساكين. لقد إلتجأوا الى رحمته. وهو لا يتحَمَّلُ أن يراهم يتعَّذبون لذا بدأ أولا بإراحتهم من أوجاعهم. يفرح إذا رآهم يبتسمون ويهنأون. و لما قال له الرسل بخيبةٍ ومرارة " أنَّى لنا في هذه البرية إقاتةَ مثل هذا العدد"؟،عرفَ يسوعُ ضُعفَ إستيعابهم للموقف فقاطعهم " كم رغيفًا لديكم"؟. ردّوا عليه دون جدال "سبعة".
• من يُشبعُ هذا الجمع ؟
ظلَّ التلاميذُ أسرى أفكارهم وإيمانهم السابق. لا شيءَ يُلزمهم أن يصرفوا أموالا طائلة، وقد لا يملكونها أصلا، كما إعترضوا في المرة الأولى:" أ نشتري خبزًا بماءَتي دينار و نعطيهم ليأكلوا" ؟(مر6: 27). بأيةِ مناسبة؟. نحن نعيش على صدقات الناس!. وإذا صرفنا ما نملك ماذا سنأكل نحن غدًا أو بعد غد؟. ربما نسوا كلام يسوع وقد سبق ولقَّنهم به : " لا تهتموا بالغد، فالغد يهتم بنفسِه. يكفي كلَّ يوم عناءُه" (متى6: 34). أو ربما لم يقتنعوا به كليًّا لأنَّهم لا يزالون يتمسَّكون بحكمةِ الآباء وتقليدِ الشيوخ. ليس سهلاً التخَّلصُ من تعليم الماضي الذي قد تحجَّر، ولا من عاداتِه التي أصبحت طبيعةً ثانية. يستحيون أن يُعلنوا ذلك أو أن يكتشفَه
يسوع بنفسِه وهو أنهم "لا يؤمنون" أنه يقدر أن يُكَّررَ ما سبقَ وفعله مرَّةً.
• لم أعتمد على حكمة البشر ! 1كور2: 4
هذا هو الأنسان يرى من جهة وينسى من أخرى. رأى الرسل معجزة إشباع أكثر من خمسة آلاف واحد لكنهم عادوا الى نقطةِ الأنطلاق؛ "رأوا هذا كله ولم يقهموا، ولا هم إعتبروا" ( حك 4: 14). لم يفهم الأنسان حكمة الله ولا أدرك مشيئته لأنَّ عقله قاصر(حك9: 13). تُغريهِ الغرائب ويندفعُ نحو الجديد ولكنه سرعان ما يتراجع ليُلَّبيَ منطقُه البشري الذي يدعوه بألا يثق كليا بغير نفسِه. أما إدَّعى الفريسيون أن يسوع طردَ الشياطين بقوة الشيطان نفسِه؟ (متى12: 24). أما طلبوا منه معجزة التخَّلص من الصليب ؟ وهل كانت أصعب من إقامة مَيِّتٍ بعد أربعة أيام من دفنهِ؟. إنما هذا هو الأنسان الذي أخذه العجبُ بعقله فحسبَ نفسَه أذكى من الله ، أو أقله موازيًا له في الفكر، فلا يستسلم بسهولة حتى لقوة الله الفائقة.
يعترفُ الأنسان بضعفِه " من تراه يستطيع أن يخلص"؟. من يقدر أن يُشبع هذا الجمع في هذه البرية؟. لكن الربَّ أدرَكَ مشاعر الرسل " لأنه يرى ما في قلب الأنسان ويسمع ما ينطقُ به لسانه" (حك1: 6). فقرأَ براءَة نفوسِهم. وكان جوابُه جاهزًا : " ما لا يستطيعه الناس، يستطيعه الله" (لو18: 27)؛ فأمرَ يسوع الرسلَ أن يُقعِدوا الجموع على الأرض. و لأنه قديرٌ على كل شيء ورحوم تجاه كل الناس لأسيما المُعَّذبين (حك11: 23) تغاضى عن جهلهم ، وضُعفِ إيمانِهم فأخذ الخبزَ وشكر وكسرَ وناولَ تلاميذه. يسوع ليس إنسانًا ضعيفًا. إنه إلاهٌ رحوم رؤوف (خر34: 6)، وكلُ شيءٍ مستطاعٌ لديه (مر10: 27)، يتألم لمعاناة الأنسان ويأبى أن يراه ذبيحة :" أريدُ رحمةً لا ذبيحة"، لذا حَّنَ على الجمع ورحمَه " فأكلوا كلهم حتى شبعوا" . قلبُ الله أحَّنُ من قلب البشر. وحُكمُه ألطفُ من منطقهم. وبُعدُ أفُقِه أوسعُ رؤيةً من أُفُقَ كلِ الناس. وما الخيراتُ إلا لتَخدُمَ ولاسيما ذوي الحاجة.
• المؤمن يستطيعُ كلَّ شيء !
حتى لو لم يشك التلاميذ بمعلمهم لكنهم شكوا أكيدًا بقدرتهم على خدمة هذا الجمع الكبير، أربعة الآف رجل عدا النساء والأطفال !.لا وليمة تجمع عددا كبيرا مثل هذا ولا إحتفال. و أعظم عرسٍ لا يجمع مثل هذه الكمية من الضيوف!. وعلى قلة الضيوف يكثر الخدم. أما هنا فالرسل إثنا عشر فقط!. وحتى لو ساعدهم بعضُ الحاضرين لكن ذلك سيُكلفهم جهدًا و تعبًا هم في غنى عنه. ولا فكرة لهم عن العرس السماوي حيث يجتمعُ لا مئات الألوف فقط بل ملايين منها. الموقف مهيبٌ ومُحَّير. ومن يُعطي الرسل إيمانًا يدفعهم الى ثقةٍ عمياء تجعلهم ينَّفذون أمرَ يسوع حالا دون تردد ودون مناقشة؟. لم يُصَّدق التلاميذ رواية النسوة عن القيامة، وتوما لم يؤمن حتى بالرسل. ظلوا في عقلية والد ذاك المصروع وقد سأل يسوع :" إن كنتَ تسطيعُ شيئًا فأشفِقْ علينا وأغثنا". ردَّ عليه يسوع ببساطةٍ وهدوء بأنَّ القدرة عند من يؤمن : " إنَّ المؤمنَ يستطيعُ كلَّ شيء".
على رسول المسيح أن يؤمن. وإذا آمن يجب أن يُحِبَ ويرحم فيرعى ويهتَّم. عندئذٍ يتحقَّقُ له كلُ شيء كما ينبغي. صاحَ أبو المصروع :" آمنتُ، فشَّدِدْ إيماني الضعيف". شفى يسوع حالا إبنَه. وهنا أيضا لم يلُمْ يسوع عدم ايمان الرسل ولا وبَّخهم كيف نسوا سريعًا أنه قبل أيام أو أشهر فقط أشبع خمسة ألاف رجل،أيضا عدا النساء والأطفال، فلا معنى لترددهم. يأخذ الأمور بلطف وبساطة ويفعلُ ما يسنُدُ إيمانَهم ويُضاعِفُه. يأمرالتلاميذ أن يُجلسوا الناس ثم، بعد أن بارك الخبز الموجود ، أن يوزعزه عليهم ليأكلوا؛ وفي النهاية أمرَهم أن يجمعوا الفضلات. ولَبَّى التلاميذُ الأوامر محبةً بالمعلم وآحترامًا لأمره أكثر من عن قناعةٍ باطنية. و سيطلبُ منهم يومًا أن " يؤمنوا " فعلا (يو14: 1) ليعملوا ما يفعلُه هو.
القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com