الأحـد الثالث لأيليا !

 2016.09.04
إعــلان قداسة الأم تريزا من كلكُـتا
يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< متى13: 24-43 >::-- ويتابع سرد أمثال يسوع فيتحَدَّث عن أمثال الحقل والزؤان وحَبَّة الخردَل والخميرة. إنها إمتدادٌ لمثل الزرع. فالأول تحَّدثَ عن كلمة الله التي يتفاعل البشر معها بأنواع مختلفة. ربعُ البشرية فقط تقبل كلام الله وتفهمه بجدية، و تتجاوب معه فتُثمر. وتوقفَ الحديثُ عند الوضع القائم دون أن يكشِفَ موقف الله من النوعين السَّييء والجيد، ودون الأخبار عن التفاعل المتبادل بينها والإبلاغ عن النتيجة النهائية لهذه المواقف.
¨ دعوا الزؤان والحنطة ينميان معًأ !
أما مثل الزؤان فسيتحَّدثُ عن تواجد الشر مع الخير والصراع بينهما ويُمَددُ الخبرالى زمن الحصاد أى نهاية العالم، عندها يفرز الله بين الأخيار والأشرار ويكشف مصير كل واحد. أما في فترة الجهاد، فترة النمو والنضوج، فسيمَّيزُالأنسان بين الخير والشر لكنه لن يقدر أن يحكم بين الأشرار والأبرار. لا يتحمل الشر و يريد أن يتخَّلصَ منه لكنه لا يضمن الخير. عملُ الله لن يُعيقَ عمل ابليس ولن يمنعَه بل يتهادن معه إلى أن يقضي عليه في الأخير. إنَّ مملكة الله تواصل نموها بشكل طبيعي رغم وجود نواقص وأخطاء، والشرير يُعطى فرصة التوبة ليحيا أمام الله. وإذا لم يفعل فسيحترق في النهاية بنار العدالة.
¨ أصغر الحبوب تُصبح أكبرَ البقول !
أما الخردل فيُطمئنُ المؤمنَ الذي ينظرُ الى صغر حجم شعب الله ويهابُ ضعف إمكانيته ، بينما سعة حاجة العالم كبيرة ورعبُ قوَّتِه مهيب. عمل الله، رسالة المسيح، شيء صغير في عين الناس ولا يُذكر في قياس العالم لكنه سينمو ويصبح كبيرًا وعظيمًا حتى ينتصر وينشر ظلاله على العالم كله. يتعَجَّبُ منه العالم ولكن لا يقدر أن يتحَدّاهُ، بل إليه تلجأُ أممٌ وفيه تقيمُ شعوب. فلا يقلقِ القطيعُ الصغير ولا يخَف، بل ليثق بكلام المسيح وليتكلْ عليه. حبة المسيح ، كنيسته، تنمو و"ستتقوى وتشمخ الى السماء... فيها غِذاءٌ للجميع ، وتحتها تستظلُ وحوشُ البرية ، وفي أغصانها تقيم طيورالسماء، ومنها يقتاتُ كلُ البشر" (دا4: 9؛ حز17: 23).
¨ حتى إختمَرَتْ كلها !
وما مثل الخميرة سوى تأكيدٍ على قوة عمل الله، إنما يبقى عمله يعمل في الخفاء. سيتحوَل العالم الى الأيمان بالمسيح والتحَّلي بأخلاقه ، " ويكون المنتهى حين يُسَّلمُ المسيحُ المُلكَ إلى الله الآب بعد أن يُبيدَ كلَّ رئاسةٍ وكلَّ سلطةٍ وقُوَّة "(1كور15: 24). ستنكسرُ مقاومة الشّرير (رؤ20: 9-10)، وينتهي الأمر بأن يتحول البشرالى أخلاق الله فيحيا الله في الأنسان ويعمل من خلاله ،" لستُ أنا الحي، بل المسيحُ يحيا فيَّ" (غل2: 20).
حياةُ الأنسان من حياةِ الله و طبيعتُه من مشيئته تعالى وصُنعِه. فيصبو الأنسان الى الأُلوهية ويمتَّدُ نحوها لكنه لن يبلغَها إلاعندما يحُّلُ اللهُ فيه ويقودُه الى ذلك. تجسَّدَ الله في إنسانٍ واحد وحَوَّله الى ذاتِه ثم أعطى لكل من يؤمن به أن" يتأَّلهَ" (يو1: 12). هو الله صار إنسانًا فدخل كالخميرة الى الأنسانية وبدأ يُخَّمرها بجسده ودمه فأصبحَ الناس بذلك إخوة ليسوع المسيح، أولادًا لله. لقد إختمروا و أصبحت حياتهم حياةَ الله. أما قالَ الكتاب " إنكم آلِهة " ؟ (مز81: 6). أصبح المؤمنون بقوة المسيح " الأخ البكر" (رم8: 29؛ 1كور15: 23) و بطلبه " واحدًا مع الله". لقد إختمرنا بالمسيح في اللاهوت. فمن يُؤمن بالله ويُحِبُّه ويحفظُ كلامَه " يُحِبُّه أبي ونجيءُ إليه ونجعلَ مقامَنا عندَه" (يو14: 23). وهكذا يتحقَّقُ قولُ يسوع : " كما أنتَ فيَّ، أيها الآب، وأنا فيكَ كذلك فليكونوا فينا واحدًا"(يو17: 21). فمهما كانت خميرة المسيح خفية إلا إنها ستُحَّول البشر الى شبهاء للمسيح، لأنها خميرة الهية.
¨ أُعلنُ ما كان خفيًا منذ إنشاءِ العالم !
يحتارُ الأنسان أمام الشر. ويتمنى لو كان أكبر حجمًا وأقوى عضلاتٍ. ويندهشُ أمام غرائب الدنيا والعجائب التي تجري فيها. كيف تتواصل الخلائق في الوجود، وكيف يجري النظامُ بلا تغيير ولا توقُّفٍ. يحاولُ أن يقتديَ بهِ وبالكائنات لكنه يعجزُعن أن يكون كاملاً فهويشعرُ دومًا، حتى عند النجاح، بنقص تجاه ما يجهله ويفوق إدراكَه ويتغَّلبُ عليه. له العقلُ وله الطاقة وله الأختيارُ لكنه يعجز عن أن يكون كاملاً مثل أبسطِ خليقةٍ غير حيوانية كيف تحيا وما هي القوة الداخلية التي تقود نِمُوَّها ولا عقل لها ولا إرادة ولا آختيار؟.
هنا الجواب في كلام الله في الأنجيل. سبقَ وقال يسوع:" أنظروا طيور السماء لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن. وأبوكم السماوي يَرزُقُها ... تأَمَّلوا زنابق الحقل كيف تنمو. لا تجهد ولا تغزل.. وسليمان نفسه في أبهى مجده لم يلبس مثلها. والله هو الذي هكذا يلبسُ عشبَ البَّر.." (متى6: 26-30). الله هو الذي يعملُ فيها إذ وضع لها نظامًا خاصًّا و زوَّدها بهذه الطاقة. و اليوم عرفنا أعجوبة الخردل ومعجزة الخميرة وأسمَعَنا الله أنه هو الذي يعمل في الكون وفي الكائنات بعقله ومشيئته. وهذا هو عمله منذ أن خلقَ الكون وصنع الكائنات. لقد أخفى الله عمله و دوره عن الأنسان.
¨ أما الله، فإنه على كل شيءٍ قدير !
إعتقدَ الأنسان أنَّ دورالله قد إنتهى. يعود الربُ يسوع ويؤكدُ بأنه ما زال اللهُ يعملُ في الخفاء :" إنَّ أبي ما يزالُ يعملُ، وأنا أيضا أعملُ" (يو5: 18). ويؤكدُ بأنه قادرٌعلى كل شيء (2 كور6: 18؛ متى3: 6؛ 19: 26؛ عب5: 7؛ رؤ19: 16). ويدعوالأنسان أن يفهم ذلك ويثق به و يعمل بالأتكالِ عليه. لقد فهِمَتْ مريم ذلك فهتفت :" القدير صنع بي عظائم" (لو1: 49) . مار بولس أيضا أدركَ معنى قول يسوع:" من آمن بي يعملُ هو أيضا الأعمالَ التي أعملُها . بل يعملُ أعظمَ منها " (يو14: 12). لكن بولس قد إختبرَ قواه جيِّدًا، حتى ضُعفَه الشديد ، " أما أنا فلا أفتخرُ إلا بحالاتِ ضعفي. .. أنا أفتخرُ راضيًا مبتهجًا بضعفي .. وأرضى أن أحتملَ من الضعفِ والأهانة و الشدة .."، ويُضيفُ:" أُوتيتُ شوكةً في جسدي... رسولُ الشيطان وُكلَ اليه بأن يلطمني.." (2كور12: 5-10).
¨ في الضعفِ يبدو كمالُ قدرتي !
ومع ضعفِه فهم أنه قويٌّ جدا بالله فصرخ :" إني أستطيعُ كلَّ شيء بذاك الذي يقَّويني" (في 4: 13). عرفَ أن الله يعملُ فيه وهو مصدرُ كل العظائم التي جرت على يده. وما يندرُ هو أنه أدركَ أنَّ الله يقويه ليكون هو صاحبَ المبادرة وليس آلة يُحَّركُها. الله يُرشد المؤمن به و المتكلَ عليه ويوَّجه قواه ويسندُ ثقتَه ليتَصَّرفَ وكأنه هو الله. تماما كما فعل مع موسى الذي إحنَّجَ لدى الرب لآختياره رسولَه لفرعون، فقال:" ما كنتُ يوما رجلا فصيحًا. لا بالأمس و لا من يومَ كلَّمْتني..أنا بطيءُ النطقِ وثقيلُ اللسان"، فأجابَه الرب:" إذهب وأنا أعينُك على الكلام وأُعَّلِمكَ ما تقول. قال موسى: يا رب أرسِلْ غيري ..ردَّ عليه الرب : أنتَ كلم هارون بما تريدُ قولَه وأنا أُعينكما.. وهو ينطقُ بآسمِكَ. أنتَ تكون له كأنَّكَ اللهُ يوحي إليه" (خر4: 1-16)، "جعلتُك بمثابةِ إله لفرعون، ويكون هرون أخوك بمثابةِ نبِـيّكَ" (خر7: 1). بولس أيضا إختبر قوةَ الله وفَعَّلهَا في حياتِه فقال:" عندما أكون ضعيفًا أكون قوّيًا " لأنه " عندئذٍ تحُّلُ فيَّ قدرةُ المسيح" (2كور12: 9-10). هكذا أصبح بولس حبة خردلٍ في حديقةِ الأيمان وخميرةً في عجينة الرجاء والمحبة لم يبذل جهدَه لآستئصال زؤان الشر بل إجتهد في زرع بذرة الأيمان وأسقاها لتنموَ وتُصبحَ شجرة تستظلُ الوثنيين كاليهود. وجعل بولس من حياتِه ، علمه وسلوكه، نموذجًا لجميع المؤمنين يقتدون به (2تس3: 9)، و يَدَعون المسيحَ يحيا و يعملُ فيهم (غل2: 20).

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com