الأحــد الثاني لأيليا !
~~~~<~>~~~~ 2016.08.28
يتلى علينا اليوم إنجيل -::< متى 13: 1- 23 >::-- ويُذكرنا بمثل يسوع عن الزرع الذي سقط في أنواع مختلفة من التربة ولم يُعطِ ثمرًا صالحًا إلا الذي سقط في " أرض جيدة ". و بهذا المثل علَّمَ الرب بأنَّ البشر على أنواع مختلفة في تقَبُّلِهم لكلام الرب والتقَّيد به. منهم من يرفُضه كليا ومن البداية لأنه لا يفهمُه. ومنهم من يبتهج به ويقبله ولكن يفهمه بشكل سطحي دون قناعة ودون إستعدادٍ لحفظِه فيتخَّلى عنه عند الضيق. ومنهم من يفهمه ويفرح ويقتنع به لكنه لا يكَّرس كلَّ حياتِه له، بل يتعَّلقُ برغباتِه الشهوانية وبهموم الدنيا كمجد العالم والجاه والمال بدرجة تتغلَّبُ على فكره وقلبه فيُصبح منافقًا يتظاهر بالأيمان والألتزام بشريعة الله، لكنه في الواقع يتبعُ أهواءَه وملذاتِه وقناعاتِه الدنيوية مُتكاسِلا في التقَّيد بشريعةِ الله. والنوع الأخير من الناس هم الذين يقبلون بفرح كلام الله و يفهمونه ويتجاوبون معه تاركين حياتهم يقودها الله فيخضعون لدعوتِه ومشيئتِه وإرشاداتِه.
¨ أُخاطبُهم بالأمثال لأنهم لا يفهمون ؟
هذا كان جوابُ يسوع لتلاميذه لمَّا أنهى مثله وسألوه: لماذا تكَّلم الجموع بالأمثال. الجماهيرُ تُصغي وتنظر لكنها لا تُرَّكز لتتابعَ حديثَ المعَّلم. فإذا القى يسوع تعليمه عاريًا من كل غلاف ينسون سريعًا ما سمعوه. لا يدخلون الى عمقِ الموضوع بل يبقون يراوحون على مظهر التعليم. لقد إظْلَمَّ فكرُ الأنسان فلا يتفاعلُ مع أبعدَ من حواسِه، وتحجَّرَ قلبُه فلا يهمه ما يخرج عن دائرة أحاسيسِه. يريدُ الر ب ألا تنطفيءَ شعلةُ النور الألهي في داخلهم. لذا يُغَّلفُ تعليمَه بقصَّةٍ مُشَّوقة و جَّذابة تدفعُهم الى البحثِ والتعميقِ لعَّله يصلهم أقله بصيصٌ من النور فيهتدوا به الى الحقيقةِ التي تنتظرهم وراء الحجاب الشفَّاف. يريدُ أن يبقوا دومًا متيَّقظين فينتبهوا ويهتموا أن يتلقوا من الخارج ولا يكتفوا بما يعتبرونه نورَهم الخاص الذي يُطفطِفُ وكادَ أن يخبوَ.
لا يريدُ الله أن تنشَّلَ حركة فكر الأنسان ويتوقفَ عند الشاشة الخارجية. بل يدفعُه الى ما أبعد من الشاشة ، كما يفعلُ السَّباح الذي لا يتوقف عند زرقة المياه السطحية بل يندفعَ و يغوصُ في العمق ليعاين الكنوز التي تخفيها المياهُ عن بصر العين. فبالمثل يستفِزُّ يسوعُ الجموعَ ويدعوها الى عدم الركون الى الخزين الذاتي الخاص من المعلومات والى عدم الثقة بقواه الأنسانية ،" لا تتكلوا لا على الحاكم ولا على الأنسان"(مز145: 3)، بل إلى مراقبةِ الطبيعةِ والأحداث وآستخلاصِ الدروس منها ، والعودةِ دوما الى الله للرؤية الصحيحة عن الحياة. وإذا إفتهمَ نظام الطبيعة وكيف تسيرُ الأمور لعَّله يتنوَّرُ في ذهنه ويتلَّطفُ في قلبه فيُغَّيرُ طرُقَه التي قد تحَّجرَ عليها ويرفُضُ بذلك أن يُفرِغَ ذاتَه من تكَوُّماتِ الماضي ومخَّلفاتِه الرديئة، ولينفتحَ بالمقابل الى الله فيستقبلَ إيحاءاتِه وإرشاداتِه التي تقوده في دروبِ الحياة العصرية.
¨ أمَّا أنتم فطـوبى لكم .. !
هكذا مدَح يسوعُ الرسلَ والتلاميذ لأنهم محظوظون بوجودِ الله بينهم ومعهم يُرشدُهم الى الحَّق، ولأنهم ينهلون من النبع الصافي الأصيل. ملوكٌ وأنبياءُ تمَّنوا أن يكونوا في موقع الرسل فيرافقوا المسيح المخلص ويختبروا الحياة مع الله " عمانوئيل" مباشرة (لو10: 23-24). لقد وعد الله بالمخلص للبشرية كلها. والمخلص يريد ويعملُ فعلاً من أجل خلاص كل الناس (يو3: 17). ولكنه أعطى جيلا من الناس، يظهر المسيح بينهم، وعلى يدهم يُتَّمِمُ رسالتَه. فهؤلاء هنيئًا لهم لأنهم نالوا نعمةً وفرصةً أعظم من غيرِهم. لكن هذه النعمة لم تكن حصرًا على الرسل وأناس جيلهم. بل كانوا هم رسُلا فقط لهذه النعمة وتدَّربوا على التفاعل
معها ليحملوا مشعلها، بشكل فعَّال، الى جميع الناس في كل زمان ومكان.
¨ هَيّئوا أنفسكم للنعمة التي تأتيكم في المسيح !
هكذا كتبَ مار بطرس مؤَّكِدًا أنَّ الله منح البشرية نعمة خاصة ليست فقط بظهور المخلص وإنما يُعيدُ اللهُ، بالمسيح، الى الأنسان قُوَّةَ إستعمال عقله وعاطفتِه بطريقةٍ تجعله أكثرَ فعَّالا وأكثر مشاركة ً في فكر الله ورغبتِه. أعطى الله الرسل نعمةً إضافية، ألا هي فهم كلام الله ورؤية الحق الذي تجسَّد بين الناس. كشفَ لهم الحقيقة التي أعلنها للآخرين بشكل أمثلة. و بنفس الوقت علمهم كيف أنهم في المستقبل سيكتشفون الحقيقة التي يُرشدهم الروح القدس اليها بطريقة الأمثال أو من خلال الأحداث الأجتماعية. فالمسيح حَرَّرَ فكرَ الأنسان ليرفعه الى مستوى فكرخالقه الروحي. هذه النعمة نالها الرسل، وقد تنَبَّأ عنها الأنبياء (1بط1: 10) ، وهي إقتناء الله في القلب والوجدان. تعلم التلاميذُ أن يفكروا مثل المسيح (1كور2: 16). و يتعلمون كل شيء بنور الله (يو14: 26؛ 16: 13-14).
إنَّ هذه النعمة الأضافية هي يسوع المسيح نفسُه. فبقيامة يسوع المسيح وَلدَنا الله من جديد ، وَلَدَنا ثانيةً بالمعمودية من الروح " لا من زرع يفنى بل من زرع لا يفنى، وهو كلمة الله الباقية "(1بط2: 23)، وَلَدَنا " لرجاءٍ حَّي ولميراث لا يفسد ولا يتدَّنس ولا يضمحل محفوظٌ لكم في السماوات" (1بط1: 3-4). سيرون كلَّ شيء بعيون الله ويفهمونه بإطارِه الألهي و يعملون أعمال المسيح وينطقون أقواله حتى تتحوَّلَ حياتهم الى حياتهِ ، كما قال الرسول :" لست أنا الحي، بل المسيح يحيَا فيَّ "(غل2: 20). وأضاف : "حياتكم مستترة مع المسيح في الله "(كو3:3).
والمسيح علمَّ المؤمنين به ودعاهم الى التحرر من حرف الكلام والغوص في أعماقِه (لو5: 4) للبلوغ الى ما يحوي من روح وحياة (يو6: 63). علَّمهم أن يسمعوا الأمثلة ثم أن يطلبوا عون الله ليفهموا مشيئته ويتصرفوا حسب مخطَطِه، لأنه فتحَ أذهانَهم ليفهموا الكتبَ المقدسة (لو24: 45). وقد أنعم على المؤمنين به" أن يكونوا أغنياءَ في كلِ شيء، في أساليبِ الكلام وأنواع المعرفة "(1كور1: 4-5). تعلموا أن يتكلموا "بكلام يُعَّلِمُه الروح القدس، ويشرحوا الحقائق الروحية بعباراتٍ روحية "(1كور2 : 13). نعم لهم" أُعطيَ أن يطلعوا على أسرار ملكوتِ السماوات "، ولهم أُعطيَ " أن يُبصروا وأن يسمعوا فيفهموا " (متى13: 11-16).
هكذا تحَّول المثل العصّيُ على الجماهير البسطاء الى نعمةٍ للتلاميذ ولكل من يؤمن ويقرأ كلام الله على ضوء الأيمان. يغمضُ أحيانا كلامُ الله فيُحَّرفُ الجهلةُ والأغبياءُ تفسيرَه. أما المؤمن فعليه أن ينتبِهَ ويثبتَ في إيمانِه ويبحثَ عن فكر الله وإرادته قبل الأتكال على منطقه الأنساني فقط (2بط3: 16-17).

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com