الأحـد الأول لأيليا !
2016.08.21
يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< لوقا 18: 35-19: 10 >::-- وفيه نتعَّرف الى يسوع وهو يتجَّول في منطقة اريحا ونستمع الى خبر أعمى يستعطي على قارعة الطريق، سمع ضجَّة فآستخبر عن الأمر، قيل له أنه موكب يسوع الناصري يمُّرُ من هناك. فآستنجدَ به طالبًا منه الرحمة. إنتهرته الجموع المرافقة ليسوع بغيةَ إسكاتِه وإبعادِه عن الطريق. لكنَّه إشتَّدَ صياحًا " يا آبنَ داود إرحمني". إستجابَ يسوع لندائِه ولبَّى مطلبَه فشفاه مادِحًا إيمانَه. مجَّدَ المُبصرُ الله وتبعَ يسوع.
ثم دخلَ يسوع أريحا وهناكَ إلتقي أحدَ رؤساء العَّشارين الأثرياء وقد تسَّلقَ جُمَّيزةً ليراه و عرفَ يسوع رغبته وإيمانه فحلَّ ضيفًا عليه لتناول الطعام. تذَمَّرَ مرافقوا يسوع ولاموه على هذا التصَّرف لأنَّ زكا كان خاطئًا يظلمُ الناسَ ويسرقُ أموالَهم. تابَ زكا عن سيرته السيّئة على يد يسوع وعَوَّضَ عن مظالمِه بأربعة أضعاف، و وَزَّع على الفقراء نصفَ أموالِه. فمدحَ يسوع إيمان زكا وتوبتَه وتصَّرفَه لأنه سلكَ طريقَ الخلاص.
¨ إيمانُك أبرَأكَ !
كان هذا جوابَ يسوع للأعمى الذي طلبَ رحمتَه. لم يقُل له " أنا أُبرِئُكَ". بل أكَّدَ له بأنَّ إيمانَه وشجاعتَه في إعلان هذا الأيمان هما اللذان نالا له بصر العين. رأى في عين ذهنِه بأنَّ يسوع هو المسيح الآتي لخلاص العالم. كان صياحُه إعلانًا عن أن ما وعد الله البشرية قد تحَّقق، وما أخبرعنه لداود الملك قد تَّم. تبِعَتْ يسوع جموعٌ غفيرة " ظنًّا منها أنَّ ملكوتَ الله سيظهر في ذلك الحين"(لو19: 11) مُبَّطِنةً الآمل بأنَّ يسوع "هو الذي سيعتقُ اسرائيل" (لو24: 21)، لكنها لم تؤمن بأنه هو فعلا المسيح المنتظروأنه يُجَّسدُ حضورَ الله بين البشر. لم تتعَّدَ الجموعُ صدى أحاسيسها الأنسانية وآمالَها الدنيوية. لم تتعَّمَقَ في معرفةِ يسوع حتى ترى فيه وجه الله. لم يمتَّدَ نظرها الى أبعد من قامتها الجسدية لتغوص روحيًا في أعماق حياة يسوع، أقواله وأعماله، لتكتشفَ من ورائها أنَّ من يجول في وسطها هو،"عمانوئيل" نفسُه، اللهُ معنا ليُداويَ كلومَ الروح قبل أوجاع الجسد.
تباهت الجموع بوجود يسوع بينها بسبب سمعته ، كلامهِ اللطيف المريح الفاضح لآدّعاءات الفريسيين المزعجة والمكروهة، وأعمالهِ الفائقة والمُدهشة، فهو يسير في خط الأنبياء الذين آختفوا منذ زمن طويل عن مسرح الحياة الدينية، ويجترح المعجزات ويدين القادة المُعَولمين ويفضحُ التعاليم المزَّيفة، فيتحَّلقون حوله حتى خططوا مرَّة أن يخطفوه وينصبوه ملكًا عليهم (يو6: 15). رغم ذلك لم يتعَدَّ إيمانهم عن أنه " يوحنا المعمدان أو ايليا او ارميا أو أحد الأنبياء"(متى16: 14) المشهورين بطيبهم وآستقامتهم وغيرتهم. حتى تلاميذ المعمدان شكوا
أنه المسيح الآتي الى العالم، فآنتظروا غيرَه (متى11: 3). فلم يكن إيمانهم به إلا ظاهريًا و عاطفيًا. إنتظروا مسيحًا ملكًا زمنيًا وقائدًا مُحَّرِرًا من نير الأجنبي. فكروا بنير الرومان ولم يخطر قط ببالهم نير ابليس الذي قيَّدهم من مئات آلافِ السنين والذي أصبح سببًا ودافعًا لنير البشر.
أما أعمى أريحا وزكا العَّشارفقد آمنا. لقد سمعا عن يسوع ولم يروه. طلبا الحَّقَ والعدل في حياتهما ولم يجداها في العالم وخيراتِه. الأعمى ظلمه العالم وقست عليه الحياة ولم يتذَّمر و لا تشَّكى ولم يقوَ حتى ولا على الأعتراض على ذلك. والعَّشار خنقه دغلُ التعاليم الفاسدة و طغت عليه الشهوة، وتألم من طغيانها ولم يجد أحدا يسنده ليتحَّررَ منها. لم يجدا غير يسوع الذي إشتهيا من عمق كيانهما أن يلتقيا به ليُلقيا حملهما عليه. ولم يُخَّيب ظنَّهما ، ولم يُفشَل محاولتهما. بل لَّبى رغبتهما ورحمَهما كليهما فشفى الأعمى من داءِ جسدِه والعَّشارَ من بلاءِ روحِه.
¨ يبحثُ عن الهالِك ليُخَّلِصَه !
حاولَ مرافقوا يسوع أن يُسكتوا الأعمى ويُبعدوه عن الأنظارلأنه خاطيٌ (يو9: 34) وذليلٌ منبوذٌ لا يليقُ بموكب كبار القوم والأنبياء. وتذَّمروا على يسوع عندما حَّلَ ضيفًا على" رجلٍ خاطيءٍ"، كما قالوا عن زكا، لأنه عَشَّارٌ مُزدَرًى ومنبوذ(لو18: 9-11). كانا هالكين حسب تقييم القادة. ليست أول مرة ينتقدون فيها يسوع على مثل هذا التصَّرُف. لقد سبق الفريسيون وآنتقدوه لأنه تناول الطعام عند متى مع"عشارين وخاطئين"(متى9: 15). أما يسوع فصَرَّحَ أنه "جاءَ ليبحثَ عن أمثالِهم "، ويُخَّلِصَ الهالكين. سبقَ وأعلنَ للقادةِ والجماهير أنه لم يأتِ ليدينَ الناسَ وينبُذَهم (يو12: 47)، ولا ليدعو الأبرارَ أو يُعالجَ الأصّحاء، بل ليُعالجَ الخطأةَ ويشفيَ المرضى (متى9: 12-13).
إعتادَ اليهودَ أن يُحاسبوا، مثل كل الناس، ويُعاقبوا من يعتبرونهم خطأةً ومخالفين (يو8: 4-5). لم يكن في نيتهم ولا في تعليمهم أن يسامحوا أو يُعالجوا الذين يُعانون من آفات أو يكسرون الشريعة. لم يكن في رغبتهم ولا في تهذيبِهم أن"يرحموا" من كان في حاجةٍ أوشِدّة . لم يتربوا على أن يخدموا غيرَهم فيتعبوا ويبذلوا جهدَهم لأنقاذ غيرهم عند ضيقِهم. خليَ قاموسُهم من المحبةِ رغما عن دعوةِ الله لهم الى" محبة القريب" (أح 19: 18). و فرغت " الأرضُ من أمان و رحمةٍ ومعرفةِ الله " (هو4: 1) مع أنَّ الرَّبَ جذب شعبَه اليه " بحبالِ الرحمةِ وروابطِ المحبة. وكان له كأبٍ يرفعُ طفلا على ذراعِه، ويحنوعليهِ و يُطعِمُه "(هو 11: 4).
أما يسوع فرفض مثل هذا السلوك وأكَّد أنه لا يريدُ عذابَ الناس ولا يفرحُ بآلامِهم ولا يتشَّفي بضيقهم ونبذِهم. شقاءُ الأنسان هو ذبحُه وموتُه. والله لا يريد موتَ الخاطيء وهلاكه بل أن يتوبَ فيحيا أمامه (حز18: 23؛ 2بط 3: 9-10). هذا ما جاءَ يسوع من أجلهِ. تلك رسالتُه. لذا سبقَ يسوع و صَرَّح بأنه يريدُ " الرحمة لا الذبيحة "(متى9: 13). الله محبة و رحمة. ويريد من صورتِه أن يشُّع محَّبةً ويُجَّسدَ الرحمة بالفعل تجاه الناسِ الخطأة والمذنبين فيُصلِحُهم لا أن يُهلِكَهم. من يؤمن بيسوع يلزمه أن لا فقط لا يحتقرَ الآخرين بل أن يخُّصهم بآهتمامه ورحمتِه. لقد ذاق يسوع طعم العذابِ وآبتُليَ بالضيق والأزدراء (عب2: 18؛ 4: 15). فلا يريدُ أن يتعَذَّبَ الناسُ ولا أن نُسَّببَ نحن لهم ذلك بأي شكل كان، ولأي سبب كان. بل سَنَّ لنا القاعدة الذهبية " إرحموا مثل أبيكم " مُفَسِّرا إياها بـ" إفعلوا للناس ما تريدون أن يفعَله الناس لكم. هذه خلاصة الشريعةِ وكلام الأنبياء" (متى7: 12).
ليس الأيمان كلامًا معسولًا نُطلقُه من الشفاه. ولا إدّعاءًا نفتخرُ به ونتعالى على غيرِنا. بل هو حياة تتجَّذرُ في الفكر والقلب. يجب أن يُصبح الأيمان نورًا يهتدي به عقلنا وفكرنا، وقُوَّةً تعضُدُ قلبنا في جهودِه لتجسيدِ يسوع في أفعالنا وسلوكنا وفي جهادِه لتحَّدي الأحاسيس العفوية. الأيمان هو أن نُحَّققَ صورةَ الله في حياتنا اليومية ، فنكون اللهَ لكل من لا يزالون بعدُ بشَرًا محضًا.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com