التناول باليد أم بالفم : تعقيب !
2016.08.18
أهلا وسهلا الأخ نزار
بعد ردّي على سؤالهِ عَقَّبَ عليه الأخ نزار بأنه " لم يقتنع " بجوابي، فكتبَ ما يلي :
1. البابا سكتس الأول (115-125) حَـذَّر لمس القربان والتناول باليد !
2. مجمع ترنتو، الجلسة13، الفصل 8، القانون 1 (11/10/1551) يتناول العلماني من الكاهن والكاهن يتناول بنفسِه !
3. علمنا الكهنة السابقون، من مئات السنين، التناول بالفم لأنَّ اليد وسخة وغير لائقة بمس جسد يسوع. وغالوا في التعليم فمنعونا من النظر الى القربان عند رفعه وعلمونا بإحناء الرأس
4. تلتصق ذرات القربان باليد كما بالكأس. لماذا تُغسل هذه ولا تُنَّظف اليد ؟
5. التناول بالفم من آلاف السنين هل كان ذلك شعوذةً ؟
6. لم يقصد نزار إفشال التجديد الكنسي كما تطلبه السلطة الكنسية !
7. البطريرك أعلن عدم بتولية مريم بعد ولادة يسوع. ما الفرق بين المعنى المادي للبتولية والمعنى الروحي ؟
لم يقـتـنـع !
أبدأ بإيضاح لإحساس عبَّرَ عنه السائل الكريم وهو أنَّ ردّي موَّجهٌ اليه فقط وكأنه يتهمه هو بمقاومةِ تعليم الكنيسة أو بالتفسير الخاطيء لأرشاداتها. لا. أنا عندما أرد أكتب وكأني ألقي درسًا فأحمل للسائل وللقراء أجمعين تعليم الكنيسة بخصوص ما بحثَ عنه السائل الكريم. عليه لا أوجه الكلام الى شخصٍ مُعَّين حتى لو جاءَ ردّي أحيانًا بصورة المُخاطِب. أما إذا كان لجوابي صدى في حياة السائل أو القاريء، حتى لو كان لومًا أو تحذيرًا وآعتبرَ بذلك ، فخيرًا على خير.
أما أنَّ السائلَ لم يقتنع بالجواب فهذا أمرٌ يعودُ اليه. أنا واجبي أن أنقلَ اليه تعليم الكنيسة أو رأيي الشخصي. وهو حُرٌّ أن يقبل بالجواب أو لا يقبله. مار توما أيضا لم يقتنع بإدّعاء الرسل أن الرَّبَ قد قام وأنهم رأوه. لكن عدم إقتناعه لم يُغَّير الحقيقة. وإذا كان الرب تراءَى من جديد للرسل وثبَّتَ إيمان توما إلا إنه لم يتراءَ لقادة اليهود ليُجبرَهم على الأقتناع بقيامتِه. ورفضُهم للقيامة لم تُغَّير الحقيقة التأريخية. كذلك يوم تكلَمَ يسوع عن تناول جسده ودمه لم يقتنع به تلاميذُه كلهم بل "توَّلى عنه كثير من تلاميذه وآنقطعوا عن مصاحبتِه" (يو6: 66). وهذ لم يُغَّير شيئًا من موقف يسوع ولا تراجعَ عن تعليمه إرضاءًا للتلاميذ. ولا أجبرهم على القبول به. الحقيقة تُعرَضُ ولا تُفرَض. وقبولُ البشر لتعليم الكنيسة أو رفضهم له لا يُغَّير شيئًا في موقف الكنيسة. لأنَّ الرافضَ كالقابل ليس مُؤَّهًلا ولا مسؤولا عن إعلان الحقيقة، بل هو سامعٌ لها ومدعُوٌ ليتفاعلَ معها كالأرض التي تقبل البذر من يد الزارع و هي تنميه فقط أو تقضي عليه.
تعليم الكنيسة هو نقلٌ وتفسيرٌ لتعليم المسيح وشهادةٌ على حياتِه. فالكنيسة تدعو الناس الى الأيمان بيسوع المسيح أنه الأله المخلص للبشرية، والى التجاوب معه لتفعيله في الحياة اليومية لضمان الراحة والسلام بين البشر. لا تلقي الكنيسة درسًا ليناقشَه المستمع بقدر ما أن يتقَبَّله. أمور الروح لا تخضع لمقاييس الجسد، وكلام الله لا يحتاجُ الى تزكية البشر. إنما يتطلبُ الأمرُ إفراغ الذات من القناعات الدنيوية للأرتفاع الى مستوى الروح الألهي. الأيمان بالله وبكلامه هو أساس الحياة لا الفكر الفلسفي البشري. ولهذا لم تقم البشارة على أساس المنطق البشري " كي لا يستند إيمانكم الى حكمة البشر، بل الى قدرةِ الله" (1كور2: 5). و
القربان تتحكم فيه الكنيسة لا مقالات هذا أو ذاك من المؤمنين.
¨ البابا سكتس والقربان !
نعم يذكر التأريخ بأنَّ هذا البابا القديس أصدر تعليمات ليترجية/طقسية منها إدخال ترنيم الـ "قدوس" في القداس. لكنه لم يتحدَّث لا عن التناول باليد ولا عن عدم مس القربان. ما طلبه أن لا يمَّسَ أحدٌ غير الكاهن " الكأس والبيلاس" اللذين سيستقبلان الجسد والدم. كان ممكنا أن يأمر أيضا بعدم لمس القربان لأيٍ كان. لم يفعله لأن هذا أمرٌ بديهي. لا تخص التعليمات التناول بالذات بل الآواني المستعملة. ولا تخص نظافة اليدين بل الشخص المُكرس لخدمة الله من غيرالمُكَّرَس. كانت البدعة الغنوصية تتفـاقمُ في الدعاية لأفكارها المسمومة. ولحماية المؤمنين من هرطقاتها درجت الكنيسة في إتخاذ تدابير" إدارية " في ممارسة طقوسها كما في إعلان تعليمها. والتعليمات بذاتها هي وقتية، وليست عقيدة ثابتًة ، تتبع الظرف الخاص وتبطل عند زوال أسباب إصدارِها.
¨ مجمع ترنتو !
إبتدأ إنعقادُ هذا المجمع في 13 /12 / 1545 وآختُـتِمَ في 4 /12 / 1563. وفي جلسته الـ 13، ناقش سرَّ الأوخارستيا، وفي الفصل 8 منه تطَّرقَ الى كيفية إستعمال هذا السر وأصدرَ 11 أحدَ عشرَ قانونًا في ما يجب أن يؤمن به المسيحي عن القربان. وجاءَ في القانون رقم 10 ما يلي :" إذا قال أحدٌ إنه لا يجوزُ للكاهن المحتفِل أن يُناولَ نفسَه: فليكن محرومًا". أما القانون رقم 1 فجاء فيه : " إذا قال أحدٌ أنه في سِرِّ الأفخارستيا المقدَّس لا يوجدُ في الحقيقةِ والواقع جوهريا جسدُ سيدنا يسوع المسيح ودمُه، و في الوقتِ نفسِه نفسُه ولاهوتُه ... فليكن محرومًا".
وأما عن قبول العلماني التناول من يد الكاهن فقد تطرقت اليه مقدمة الفصل وليست القوانين وجاءَ فيها: " في التناول السّري (أى تناول سرالجسد والدم) جرت العادة دائمًا في الكنيسة الكاثوليكية أنَّ العلمانيين يتقبلون المناولة من الكهنة، وأنَّ الكهنة المحتفلين يتناولون بأنفسِهم (ق. 10). وبما أنَّ هذه العادة تقليدٌ رسولي وجبَ التقَّـيدُ بها بحَّـق ".
حتى هنا لا يخُّصُ الأمرُ تقديس القربان. بل يعودُ الأمر الى نظام إداري عند التناول : من يتناول بنفسِه ومن يتناول من يد غيره، وهل الكاهن المحتفل بالقداس يتناول بنفسِه أم يُناولُه غيرُه؟. لا دخل لآحترام قدسية القربان في هذه التعليمات. قدسية القربان عالجها القانون رقم 1. ولم يتطَّرق ذلك القانون ولا المجمع كله مطلقًا الى التناول باليد أم بالفم. ثم إذا كان مجمع ترنتو إتخذ تدابير إدارية بخصوص القربان ألا يقدر مجمع آخر أن يُغَّيرَ تلك التدابير، وهي ليست عقيدة بل تعليمات نظامية محضة ، إنتفت الحاجة اليها وظهرت الحاجة الى إتخاذ تدابير جديدة تتماشى مع الظرف الجديد وتخدمه؟. من هذا المنطلق دعت الكنيسة الى التناول بهذا الشكل أو بآخر حسبما قَدَّرَتْ أنَّ ذلكَ ينفعُ المؤمنين. وأعتقد أنَّ السلطة الكنسية التعليمية أولى من أي جهةٍ أخرى بأنْ توجِّهَ المؤمنين بشكل صحيح.
الكنيسة مؤسسة حَّية لا تتحجَّر مع حرف التعليم والتدبير. إنما تتكَيَّفُ مع ظروف الزمن و المكان لتعيش إيمانها وتعلنه بشكل فعَّال. ولها سًلطان الحل والربط في الشهادة ليسوع. و هذا السلطان تتمتع به جيلا بعد جيل لأنَّ الروح القدس هو الذي يقود الكنيسة ويُرشدها الى الحق كله (يو16: 13). والكنيسة تسهرُ دومًا على حياة أبنائها وتحاولُ أن تُسَّهلَ لهم دربَ الخلاص بتوجيههم وإرشادهم الى عمل ما هو أفضل لخلاصِهم. عليه فتَح المجمع الفاتيكاني الثاني الدرب أمام العلماني لا فقط أن يتناول باليد بل أيضا أن يوزع القربان على غيره، في مناسبات وأمكنة لا يمكن توفيرعدد من الكهنة كافٍ للخدمة. و ليس هذا ضد العقيدة الأيمانية ولا جديدًا في تأريخ الكنيسة التي كانت في فترة الأضطهاد تكلف علمانيين لحمل القربان الى السجناء. و آستشهد ترسيسيوس وهو حامل القربان الى السجن. بل كان الحاضرون في القداس يحملون القربان الى أعضاء الأسرة الغائبين لسبب أو لآخر.
¨ عَلَّمنا الكهنة الســابقون !
نِعِمَّ ما فعلوا إذ أدّوا رسالتهم وخدموا المؤمنين بنية سليمةٍ مستقيمة. ولكن ليس الكهنة مقياسَ
الحقيقةِ ولا هم معصومون من الخطأ. مع ذلك أوصلوا الشعبَ تعليمات السلطة الكنسية التي حكمت في سالف الأيام بأنَّ التناول بالفم أفضل بسبب ظروف تلك الأجيال. إنما لم تقل الكنيسة أبدًا أنَّ تلك الطريقة هي الوحيدة ، و وحدَها الصحيحة. بدليل أنها لم تحرم التناول باليد الذي مارسته كنائس أخرى، وبعضٌ منها كاثوليكية. كما لم تقُل اليوم أنَّ التناول بالفم أمرٌ خاطيءٌ أو مرفوض. بل ما زال التناول بالأسلوبين مقبولا ومُمارسًا. فلا مُبَّرر بعد لا للتشكي ولا للتذمر ولا لتفضيل طريقةٍ على أخرى بحجج واهية كمظاهر الوسخ أو إستنادًا إلى تعليمات قديمة عافَ عليها الزمن وغَيَّرتها الكنيسة بغيرها. أهمُّ ما في الأمر هو الثقة بالكنيسة، الأم والمعلمة، التي تواكب مسيرة أولادها عبر الأجيال والخضوعُ بإيمان ومحبة لتوجيهاتِها أو تحذيراتِها.
وأما التحريضُ على إحناءِ الرأسِ أمام القربان عندما يرفعه الكاهن الى الأعلى فلم يكن مغالاةً في منعنا حتى من النظر الى القربان بل دعوةً لأبداء السجود للقربان. إنَّ المصاطب في الكنائس الشرقية لا تحملُ مراكع مثل الكنائس اللاتينية. وقبل إستعمال المصاطب كان المؤمنون يترَّبعون على الأرض أو ينتصبون على رُكبهم عوض الوقوف. ولا سجود في القداس على الركب للطقس الكلداني، بل السجود بإحناء الرأس الى منتصف الجسم. فلما حرَضَّنا آباؤُنا وكهنتنا في الماضي على إحناءِ الرأس فعلوا ذلك لتشجيعنا على السجود للقربان. وعلينا نحن أن نفهم أسباب عاداتنا وتراثنا لا أن نجهلها ونتشَّبثَ بها رغم ذلك حد العبادة، ومن ثم آنتقاد الكنيسة.
¨ أين الشــعوذة ؟
ومن قال أنَّ التناول بالفم شعوذة؟. الشعوذة ليست في التناول بالفم أو باليد. بل هي في التشبُثِ حدَّ العبادة بعادات وتقاليد وتعليمات دون أن نفهم فحواها ولا قيمتها بل فقط لأننا ورثناها عن آبائنا وأجدادِنا، ودون أن نقيم حسابًا لأمر المسيحِ كنيستَه بأن هي" تتلمِذُ وهي تعَّمِدُ وهي تُعَّلمُ "(متى28: 19)؛ ودون أن ننتبِه إلى أمر المسيح بالخضوعِ إلى تعليم الكنيسة وإرشادِها بحيث من يخالفُ السلطة الكنيسة يكون يخالفُ المسيحَ نفسَه (لو10: 16) !. هنا الشعوذة بأننا نتمسك بآرائنا وقناعاتنا الشخصية خلافا للكنيسة وللمسيح ونَدَّعي بأننا مسيحيون؟. و الشعوذة أننا لا ننتبه بأنَّ في الدنيا ألافُ المسحاء الدجالين والأنبياء الكذبة ، و قد حذرنا منهم المسيح (متى24: 4-27)، وننجرفُ وراءَهم دون شعورنا ونتبعُ تعاليمهم، ونتغَرَّبُ عن الحق الذي تعلنه لنا الكنيسة!. فالشعوذة أن نقَّدِسَ طريقة للتناول وندين غيرَها دون مُبررٍ ولا وازع ، ونهملُ توجيهات الكنيسة. أما السؤال والأستفسار فلا فقط هو حَّقٌ بل علامة عافية إيمانية لأننا نبحثُ في تنوير إيماننا.
¨ ذرَّات القربان !
أما عن ذرات القربان فإذا إلتصقت واحدة منها كفَّ اليد تكادُ لا ترى. أما الكأس فلآحتكاك أقراص كثيرة ببعضها تُخَّلِفُ ذراتٍ كثيرة بل فُتاتٍ وقِطعًا بحجم صغير تتجمع مع بعضها فتظهرُ للكاهن فليس معقولا أن يتركها محَّلها. وأين سيتركها؟. هل تبقى في الكأس لتتراكم فيها على مدى الأشهر؟. لا طبعا. أما حال اليد التي توضع فيها قربانة واحدة فنادرا مع تُخَّلفُ الذرات. وإذا تركت واحدة فيمكن للمتناول أن يتناولها بدورها. ولم تأمرُ الكنيسة على الأجيال تنظيف اليد وغسلها. كما لا أحد يمنعُ المؤمن أن يفعلَ ذلك. موضوع التناول باليد أو بالفم يعود إلى الأدّعاء بقذارةِ الكف وليس إلى الذرات التي لا يحُسُّ بها حتى ولا الكاهن. ولقول الحق مراتٍ عديدة تتوسخ أصابعي بمساحيق شفاه النساء لمناولتهم بالفم ولا ألاحظ أيَّةَ ذرةٍ للقربان متناثرة وملتصقة بيدي!. أ ليس هذا سببًا آخرَ كافيًا للتناول باليد؟.
¨ إفشال التجديد الكنسي !
قدَّمتُ هذا أحدَ أسباب إنتقاد التناول باليد، ولم أقصد جهةً معَّينة ولا شخصًا. كما أفعل الآن أيضا في نقد بعض الأعتراضات. إنما ليس هذا خيالا. يقوم اليوم صراعٌ شديدٌ مُعلَنٌ ضدَّ الكنيسة الكاثوليكية، والكلدانية ضمنها، ويدَّعي كثيرون أنهم مؤمنون والأيمان بَّراءٌ منهم ويدَّعون إعادة إيمان الكنيسة الى نقاوته الأولى ولكنهم ليسوا سوى فرّيسيين أعداءٍ للمسيح و كنيسته يفعلون ذلك ليُشَّوهوا الأيمان ويزرعوا البلبلة ولاسيما " ليحرجوا الكنيسة ويتهموها " (يو8: 6). وإذا كان السائلُ الكريم وغيرهم بَرَّاؤون من هذه التهمة لكن كثيرين" يبشرون بالمسيح عن حسد ومنافسة.. يبشرون بدافع الكيد وبنية غير صالحة "(في1: 15-16). و يقول عنهم بطرس :" لهم عيون مملوءَةٌ فِسقًا، منهومة بالخطيئة، يفتنون النفوسَ الضعيفة، و لهم قلوبٌ تعَّودت الطمع. إنهم خلقٌ ملاعين حادوا عن الطريق المستقيم وضَّلوا.."(2بطر2: 14-15). ويُنعِتهم يهوذا الرسول بـ " الخاطئين المنافقين الذين يتذَّمرون ويشكون ويُشبعون شهواتِهم، تنطِقُ أفواهُهم بالعباراتِ الطنّانة ويتمَّلقون الناس طلبًا للمنفعة "(يه 1: 16).
القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com