الأحـد السابع للصيـف !
2016.08.14
يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< لوقا 18: 1-14 >::-- ويُخبرُنا بمثلين ليسوع ، عَلَّمَ في الأول وجوب الأستمرار على الصمود في الحَّق والمطالبة به والثقة بالله في نيله. في حين يكون الأنسان قاسيًا وظالمًا يبقى الله رحومًا، لطيفًا ومتجاوبًا مع حاجات الأنسان. لا يطلبُ اللهُ من الأنسان سوى أن يكون مؤمنًا ومُتَّكِلاً عليه. لأنَّ اللهُ أبٌ يتفهم ويُحّب ، بينما يسلك الأنسان طريق المنفعة لأنه يعتبر نفسه غريبًا غير مُلزَمٍ بغيره، فيستثقلُ خدمة غيره ويماطلُ حتى لو كان ذلك واجبًا عليه. أما في المثل الثاني فُحَّذرُ من الناس المتكَّبرين ، الذين يتعالون على غيرهم ويحتقرون الآخرين. ويُثني بالمقابل على المتواضعين الذين يعترفون بضعفهم مقابل عظمة الله ورحمتِه الواسعة، ويلتجئون إليها.
¨ لا يخافُ الله ولا يخجل من الناس !
خبر القاضي الظالم نموذجُ الأنسان الذي لا يعرفُ ذاتَه وبالتالي يتصَّرفُ خلافًا لطبيعتِه. لا يخافُ الله لآنه لا يعرفُه، ولأنه لا يؤمن به فلا يحترمُه ولا يُحّبُه ولا يسمعُ كلامَه. ولا يخجلُ من الناس أمثالِه لأنه لا يجد علاقةً بينه وبينهم لذا يستغِلُّهم لمنفعتِه فيقتنصُ الفُرّصَ ليظلمَهم وحتى يُسيءَ إليهم إذا لم يُلَّبوا رغبته ومطلبَه. يبني راحتَه ويتمتَّعُ بخيرات الدنيا على حسابِ حقوقِهم. ويأبى أن يُسَّببَ له الضيقَ أو الألم كائنٌ من كان. لا يؤمن بحَّقِ غيرِه ولا يعترفُ بواجبه تجاه الآخرين. يؤمن بنفسِه فقط. فإنَّه مُجَّرَدٌ من كل شعورٍ إنساني. لكنَّ الأنسان صورة الله، وشبيهُ الناسِ أمثالِه وجزءٌ منهم. يرتبط بهم بالمحبة كما ترتبط أقانيمُ الله الثالوث ببعضها. ليس الفردُ كاملاً. بل يكتملُ الفردُ بالجماعة. يكتملُ الرجل بالمرأة ، وهذه بالرجل. ويكتملان معا بالأطفال. الطفل مرتبط بوالديه وإخوته. والعائلة مرتبطة بالمحتمع الذي تعيش فيه. هكذا الحياة نفسُها يتقاسمُها الناسُ مع بعضهم، و تتكاملَ وتتحَّققَ عندما يتحَّملُ كلُّ واحدٍ حِصَّتَه من المسؤولية والمهمةَ الملقاةَ على عاتقِه. فمن يتهَّربُ من واجبِه يجري جُرحًا في المجتمع لأنه يُقَّصرُ في أداءِ دورِه ويُسيءُ بذلك الى غيرِه.
ومن يتصَّرفُ هكذا يجهلُ أنه ليس قائمًا بذاتِه بل هو جزءٌ من الآخرين. يجهلُ بأنه من نَفَسِ حياة الله نفْسِها. فحياته لن تكتمل ولن يرتاحَ اليها إلا إذا عاشَها مثل الله ومع الآخرين. والله هو الحَّق وهو المحبة. والله بسبب حبه إمتَّدَ نحو غيرِه فأعطى و خلقَ الأنسان. ولأنَّه حَّقٌ لمْ يُفنِ الأنسان عندما عصا أمرَه فأخطأ. بل رحِمَه فأنقذه من ورطتِه. أعادَه الى رشدِه و جَنَّةِ راحتِه. هكذا على الأنسان أن يُحَّققَ طبيعتَه، ويعرفَ أن ينعطفَ نحو الآخرين وينفتحَ عليهم فيُحِبَّ، ويُعطيَ، ويشُّعَ حياةَ الله ، ويرحمَ الآخرين في ضيقهم فيُنجِدُهم. وإذا أهملَ ذلك يكون يُسيءُ الى نفسِه قبلَ غيرِه. هكذا لام الله القاضيَ ونعتَه بالظالم لأنه لم يلتزم بأداءِ واجبه تجاه الأرملة ولم يُنصفها في إعادةِ الحق اليها. وبلومه إيَّاهُ أدانَ كلَّ سلوكٍ مُشابِهٍ له. أدانَ أيضًا كلَّ تقَصيرٍ في محبةِ القريبِ أو محاولَةِ إستغلاله و الأنتفاع به.
¨ أريدُ رحمةً لا ذبيحة !
كان من واجب القاضي أن يُنصفَ الأرملةَ ويرحمَ حالَها ولا يُتعِبَها بالمجيءِ والذهاب. كان بيدهِ أن يساعِدها ويُغنيها الهمَّ والقلق. لم يشأ الله العذاب والضيق للأنسان، وخَفَّفَ من عذابِه عندما أخطأ فوعدَه بمنقذٍ. لم ينظر إلى كرامتِه الألهية وعدلِهِ بل إعتبرَ ضعفَ الأنسان وقِلَّةَ خبرَتِه فأشفقَ عليه ومنحه فرصةً جديدة ورجاءًا مُنعِشًا، فآستعملَ رحمته رافضًا أن يذبحَ خليقتَه بحجةِ إصلاحِها أو الدفاع عن الحق. لم يكن الله مُلزَمًا بالرحمة لكن حُبَّهُ دفعه الى ذلك. وكان ينبغي للقاضي أن يتعلمَ الدرسَ، لاسيما وأنه مُلزَمٌ بأداء تلك الخدمة. ونحن علينا ألا نتشَّبه بالقاضي فلا نُصَّعبُ الأمورَعلى الآخرين المحتاجين ونضايقٌهم، بل أن نقتديَ بالله ، لأنَّه مصدرُ حياتنا ونحن صورتُه وإليه مصيرُنا، كما يُعَّلمُنا ايماننا.
¨ من وَضَع نفسَه رُفِعَ !
أما فريسِّيُ المثل الثاني فآعْتَّدَ كثيرًا بنفسِه فتكبر أمام الله وتعالى على الآخرين بل إحتقرَهم. بماذا إفتخر الفريسي؟ إفتخر بأنه ليس مثل بقية الناس وخاصَّةً المُعتَبَرين خطأةً، وما معناه أنه يعتبرُ نفسَه صالحًا بل قدّيسًا مقارنة بالآخرين لأنه يصوم حسب النظام ويُصَّلي و يدفعُ الجزية المفروضة. وكأني بذلك يُعلن لله أنه مَديونٌ له بالمدح. إفتخر الفريسي وتكَّبر لبعض أعمال قام بها إرتاحَ اليها أو فرضتها عليه الشريعة. لكنه لم يتساءَل: هل يرضى اللهُ عنه؟. هل قام بتلك الأعمال لأنه مؤمن بالله ويُحبُّه؟. لم يُفَّكر أنَّ مئات ألوفِ المؤمنين يصومون مثله ويُصَّلون و يدفعون الضريبة؟. فما فضله هو؟. لم يفَّكرْ أنه بآزدرائِه الآخرين يخالفُ إرادة الله الذي خلقَ كلَّ البشر متساوين بالطبيعةِ والروح الناطقة. نسيَ أنَّ كلَّ إنسان صورة الله، بغض النظر إذا ساد عليها لونٌ مختلفٌ عن الثاني. نسيَ شريعة الله التي قالت:" أحبب قريبك كنفسك". فكَّرَ قليلاً فآنتفخ، وعمل قليلاً فآفتخر، و خضع قليلاً فتمَرَّد وآنفجرَ كبرياءًا. ماذا كان سيفعلُ لو أشغل منصبًا إداريا عاليا ، وآغتنى فآكتنز أموالا وخيرات فوق حاجته؟.
يقول المزمر" أنا دودة الأرض". كلُّ ما يمتلكه الأنسان من طاقةٍ وطيبٍ هو منحة من الله، فبماذا يفتخر؟.
الله الذي هو خالقٌ وموجِدُ كل الكائنات والطاقات والجمال لا يتفاخر لا بذاته ولا بعمله؛" لم يعُّدُ مساواته لله غنيمةُ بل أخلى ذاته وتواضع فأخذ صورة العبد". الله الخالق نفسُه لا يتعالى حتى ولا على خليقتِه. الله لا يحتقر شيئًا ولا أحدًا بل "رأى أن كلَّ ما صنعَه حسنٌ". فكيفَ يتجاسرُ الأنسان ويحتقر ما قال الله عنه أنه حسنٌ؟. أما قالَ الله :" ما طهَّره الله لا تُنَّجِسُه أنتَ "(أع10: 15). وحتى لو شَوَّه خاطيءٌ صورة الله إلا إنه يبقى مِرآةً لبقية الناس يرون فيه كل واحد صورته ويتعلم منه كيف يحافظ هو على قداسة أصل الصورة، وفيها يُكْرِمُ و يُبَّجلُ الخالقَ نفسَه. إحتقارُ إنسانٍ هو آحتقارُ عملِ الله وهذا من فعل الشيطان، وآحترامُه هو آحترامُ عمل الله وهذا ما عَلَّمنا إيَّاهُ الربُ يسوع. وكلنا معًا عملُ الله. فإذا آحترمنا أو إحتقرنا نكون نُوَّقرُ ذاتنا أو نُهينها. ما دُمنا صُنعَ الله لا يليق بنا أن نتصَّرفَ كعملاءَ لإبليس. يدعونا الرسول أن نتحَّلى بأخلاقِ المسيح لأننا نملكُ فكرَه (1كور2: 16). لنقتدِ بيسوع الذي لنفسِه تواضع وخدم ، وأما لغيره فأحَّبَ وآحترم وأشفقَ فرحم.

القس بـول ربــان
 

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com