الأحـد السادس للصيف !
~ 2016.08.07
يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< لوقا 17: 5-19 >::-- و يَدُّلنا على طريق الخدمةِ والتواضع و العرفان بالجميل. يقُصُّ أولا خبر الخادم الذي يفلح الأرض أويرعى الغنم وعليه أن يُكَّملُ واجبَه في خدمة سَّيدِه دون أن ينتظرَ شكرَ سَّيِده له على ذلك. لأنَّ ما هو واجبٌ لا يُشكَرُ عليه. وفي الخبر الثاني تنعكسُ الآية فيَروي عن بُرصٍ شفاهم الرب يسوع ولم يشكُرْه عليه غيرُ واحدٍ. وكان سامريًا غريبًا. بينما لم يُفَّكر الآخرون وهم من أهل البيت أن يعترفوا بجميل يسوع عليهم ويشكروه عليه. لأنه يجبُ الأعتراف بفضل الآخرين وتقديرُ موقفِهم.
• قولوا نحن عـبيدٌ بَطَّـالون ..!
أراد الله إيجادَ كائن يُشبهه ويشاركه الحياة والعمل. فخلق الأنسان على صورته ومثاله عاقلا ، حُرًّا وخالدًا. وكَّلفه بتطوير وتكميل ما بدأ به مُزَّوِدًا إيَّاهُ بكل ما يلزمُه من طاقةٍ و وسيلة تخدُمُه وتُسَّهلُ عليه مُهمَّتَه. أرسله يعمل في حقله، الكون الذي سبق و صنعه وهَيَّأه ليعيش فيه الأنسان ويصنع بدوره ويخلق مثل الله. كَلَّفَه الله بهذه المهمة التي من أجلها أوجده. فهل يكون للأنسان فضلٌ في تأدية واجِبِه؟ وهل يحق له أن يتباهى بموهبته ويتنَّكرُ لخالِقهِ؟. أو هل ينبغي لله أن يشكرَ الأنسان لأنه يعمل وينَّفذ هذا الواجبَ ويؤَّدي المطلوبَ منه، ويُحَّسنُ بذلك وضعَه ويُسَّهلُ حياتَه؟. بل كيفَ كان سيحيا الأنسان وماذا كان سيفعلُ لو لم يزوده الله بالعقل والقوة؟ كيف كان سيقضي أيامه لو كان كلُّ شيء جاهزا وكاملاً ؟. هنا جاءَ كلام الرب يسوع مُوَّضحًا للأنسان أنَّ ما يفعلهُ يعودُ بالخير على نفسِه. فهو لا يعملُ لله ، بل لنفسِه لكي يعيش حياة كريمة ومريحة. ليس الأنسان طفلاً حتى يخدمه الله. بل هو شبهُ إلهٍ مُصَّغر يقدر على كل شيء بالله الذي قَوَّاهُ. يقدرُ أن يخدمَ نفسَه بنفسِه. وهذا واجبٌ عليه إذا أراد الحياة !.
عليه إذن أن يعمل. وهذا يُكلفُه تعبًا. ولكن يوفر له بالمقابل راحة وهناء. وإذ يختبرُ الأنسانُ عظمة ما يقوى عليه قد يُصابُ بالغرور. قد يُصابُ ايضا بالكبرياء فيعتبرعمله مشَّقةً وإهانة لكرامته ، لأنه يصبو الى العلو والسمو مثل الله. وعندئذ يُجَّرَبُ برفض العمل و يحاولُ أن يبلغ مقام الله نفسِه. فجاءَ جوابُ الله للأنسان" لا تنسَ أني أنا عملتُ فخلقت الكون ونظمتُه لك وأوجدتُك فزَوَّدتُك بما يحملك على الفلاحة، على الرعاية، وعلى الخدمة التي أطلبها منك. جاءَ الأن دوركَ لتعملَ وتُثَّبتَ وجودَك. لقد إستخدمتُك لتُظهرَ فعلا هويتك وتبرهن على أنَّك عظيمٌ وكريم وجديرٌ بأصلكَ. فما أنتَ سوى خادم عاطل إذا جرَّدتُكَ مما أنعمتُه عليك. لا فرصة لك لتشتغلَ لو لم أخلق لك أنا تلك الفرصة. فعلى من تتعالى و بمن تستقوي؟. إنتبِهْ ألا تغريَك بعض نجاحاتِكَ ولا تدهشُك بعضُ بادراتِك الذكية. بل كن واقعيًا. كن أنتَ نفسَك ، المخلوقَ ثمرة محبتي و كرمي. وأدِّ الخير الذي أرجوه منك؛ أثمرِ العنبَ الذي أنتظره منكَ ولنفعِكَ. أنتَ لستَ سوى عبدٍ عطالٍ بطّال، وما تفعُلُه ليس سوى واجبٍ يُفَّعلُ كرامتَكَ و يُقَّدِسُ حياتك ويُسعدُ أيامَكَ. و إذا لم تُشغِل عقلك ولم تمارس حريتَك ولم تُثمرحُبَّكَ فلن تكون إلا شجرةً عقيمة تُقطع حتى لا تُعَّطلَ أرضي. أما إذا فعلت ذلك فأنت نديمُ حياتي وجليسُ مجدي للأبد".
• طوبى لكم إذا تعلمتم الدرس !
هكذا فعل المسيح نفسُه: تواضع وخدم. فمع أنه مساوٍ لله إلا إنه تجَرَّد من ذاته وأخذ صورة العبد .. فوضع نفسَه و أطاع .. لذلك رفعه الله (في2: 7-8). ومع أنه الرب والمعلم إلا إنه غسل أقدام تلاميذه (يو13: 17). ومع أنه إليه سُلِمَ حكمُ الكون(لو5: 22-26) لكنه لم يتوقف عن أن يعمل(يو5: 17). ليست الخدمة إهانة بل عظمة (متى20: 26). كذلك ليس التواضعُ ضُعفًا بل قوة وآستقامة وراحة (متى11: 29). و" كلُّ تلميذٍ متعَّلِم يكون مثل معلمه" (لو6: 40). وبما أنَّ يسوع قد أعطانا القدوة، يُصبحُ التواضع والخدمة موضع إحترام وإكرام والعمل يكون قداسة ً وآفتخارا.
• أكَّبَ على قدميهِ يشكرُه. كان سامريًا !
كانوا عشرة شفاهم يسوع من برصهم. تسعةٌ يهود يؤمنون بالله ويحفظون وصاياه، و واحد سامري غريب الأمة والأيمان. ولما شفوا إعتبروا الأمر إعتياديا ولم يفكروا أن يعودوا و يشكروا يسوع ، مع أنهم إسترحموه ولبَّى طلبهم فشفاهم. السامريُّ وحدَه قام بذلك. إعترفَ بفضل الله فمَجَّدَه، وقدَّرَ جميل يسوع وإحسانَه فسجد له حامدًا شاكرا. وكانت ليسوع إلتفاتة تحُّزُ في النفس قائلاً بأسىً وأسف :" أ ليس العشرة قد بُرئوا؟ فأين التسعةُ "؟. وكم أحسنَ الله الى البشرية؟ وكم مريضًا شفى ومَيِّتًا أقام؟ وكم مُعوَّزًا أغاث، وكم حَزينًا سَّلى؟ لكن الأنسان
هو إبنُ اللحظة و ينسى بسرعة أفضالَ الله عليه وخيراتِه له. ينسى أن الله يحميه لسبب شدَّةِ حبِه ، ولكثرةِ رحمتِه ينَّجيه.
يقول المثل :" إتَّقِ شَّرَ مَن أحسنتَ إليه". يسوع شفى المرضى وأطعمَ الجياع وأقامَ الموتى، وعوض الأعترافِ بجميله حاربوه الى أن صلبوه حسدًا وتخَلُّصًا من توبيخِه ضمائرَهم. و الكنيسة تُعَّلَّمُ العالم كيف يحيا الحب والحق فتُكثرُ من مشاريع الرحمة وتُفيض في إقامةِ المؤسسات الخيرية والثقافية. ورَدًّا على إحسانها رفع عليها العالم سيف الدم أو التهجير أو التكفير.
وإذا غادرنا الإطار العام لندخل الى البيت الخاص لكل واحد منا لاحظنا سريعًا كم يعظمُ جميلُ الله علينا ويزداد فضله يوما بعد يوم. بينما يُشرقُ اللهُ شمسَه علينا نختبيءُ نحن عن الأنظار بسبب سوادِ أعمالنا وقبحِ سلوكنا. بينما يسكبُ اللهُ علينا مطرَه ويُكثرُ غَّلاتِهِ وأثمارَه نحبسُ نحن أحشاءَ الرحمة والمحبة عن المعوزين والمتألمين والمتضايقين. بينما يفتح لنا الله ذراعيه ليستقبلنا في أحضان دفئه وحنانه ويغفرَ لنا إثمَنا وسوءَنا نرفض نحن القريبَ ونسُّدُ في وجهه بابَ كلِ معرفةٍ أوتعاون أو تسامح أو رأفة. نرفضُ أن ننظر الى الله ونتعلمَ منه. نرفضُ أن نستمع الى الله ونحفظ كلامه. نرفضُ أن نُقَّدِرَ موقفَ الله ومسلَكَه ونقتديَ به. نرفضُ أن نرَ فضل الله علينا وننكرُ جميله. وعوضَ أن نشكرَه ونُمَّجدَه ننساهُ ونهملهُ. عند الضيق نُسرعُ فنقرع بابه متذمرين متشَّكين، أما عند الراحةِ فنبتعدُ عنه ونكادُ لا نعرقُه. لقد تقوقعنا على أنانيتنا وآنغمسنا في رغبات حواسنا حتى بتنا نستثقلُ ظلَّ الله علينا.
• يا رب زدنا إيمانًا !
إن كان السامريُ قد إعترف بفضل الله ومجَّدَه وشكره عليها فلأنه آمن. لذا قال له الرب " إيمانُك أبرأَكَ". وإذا كنا نحن اليوم ننكرُ فضل الله وحَّقَه علينا أن نُمَّجِدَه فلأننا "لا نؤمن". وقد إبتدأ إنجيل اليوم بطلب الرسل من يسوع أن يُزيدَهم إيمانًا. لِنتعَّلم من السامري ألا يكون إيمانُنا سطحيا فقط ومعلوماتيًا بل حيويا فعَّالاً. لنتقتدِ بالرسل فنعترفُ بضعفِ إيماننا ونسألُ الرب المزيد منه حتى نقوى على مجابهةِ شَّك عالم اليوم وإلحادِه وفسادِه.
القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com