الأحـد الخامس للصيـف !
2016.07.31
يُنلى علينا اليوم إنجـيل -::< لوقا 16: 19-31 >:::-- ويروي لنا مثل لعازر والغني. لعازر رجل فقير ومُصابُ بالمرض، قادته الأقدار أمام دار رجل غني معافى يلبس أفخر الملابس ويقيمُ كلَّ يوم ولائم ومآدب. أملَ الفقير أن يمُدَّه الغني بالطعام ويُسعِفَه في معالجة مرضه. لكن الغني لم يُبالِ به ولم يساعِدْه في شيء. ترك الكلابَ وحدَها تلحسُ قروحَه. مع ذلك لم يتشَّكَ لعازر حظَّه التعيس، ولا تذمَّر لأهمال الغني له، ولا إعترضَ على الله لأنه لم يُشفِهِ. ظلَّ مؤمناً يحتملُ ألامَه وضيمَه بهدوءٍ وسكينة. ولما ماتَ كلاهما، لعازر والغني، نالَ كلُّ واحد جزاءَه. نالَ لعازرُ الراحةَ والهناء مع إبراهيم والمُخَّلصين، بينما نال الغنيُّ العذابَ و الشقاء في الجحيم. ولم تنفعْ توَّسلاتُ الغني المُحَّطم لمساعدته وتخفيف عذابِه، ولا حتى آراؤُه في تحذير ذويه على الأرض كي يرعووا فيُصلحوا سلوكهم لئلا يهلكوا مثله. لم تنفعه لأنَّ مع الموت تبطلُ قوة الأنسان في تغيير وضعه ، فلا يتحَّسن ولا يسوء. ولكل إنسان نور الحق ليسير في ضوئه فيتجنب الهلاك.
¨ الغنيُّ الفقـير !
لقد وصفَ الرَّبُ الغني في مظهرهِ المادي المحسوس الذي يميلُ إليه عادة كل إنسان لكي يمدَحَهم الناس، وقد حَذّرَ منه الرب (متى5: 2؛ 23: 5، 25-28)، بل ولامه (لو6: 25)، وترك لنا الرب لنلاحظَ بالمقابل فقرَ الغني الروحي. إنه مُجَّردٌ من كل إحساسية وآنعطافٍ نحو الآخر. إنه يبدي قساوةً للقلبِ قلَّ نظيرُها في تأريخ الأنسانية. حتى باتَ من الحَّقَ أن نسألَ عن أمثالِه: هل هؤلاء بشرٌ أم وحوش؟. أ يعقَلُ أن يُعاينَ أحدٌ فقيرًا مُلقًى على باب دارهِ مضروبًا بالمرض ولا يتحَّركُ قلبُه نحوه حنانًا ورأفةً فيترَّحم عليه وهو يفيضُ طعامًا بل يُضَّيعُ منه فضلات كثيرة؟. وُحوش الغابةِ تعملُه لأنها تجهلُ المحبة أو الرحمة فلا تهتم إلا بنفسِها فقط. أما الأنسان فقد بَنَتِ المحبةُ قلبَه وملأ الحنانُ رحِمَه، والمحبة والحنان ليسا إحساسًا بالذات بل إنعطافًا نحو الآخرين.
ولو كان الفقير بعيدًا عن أنظار الغني لكان للغني حجَّةٌ في عدم الأكتراث له. كما يقول المثل : "البعيدُ عن العين، غريبٌ عن القلب "!. لكن الله جعلَ الغنيَ يلتقي كلَ يوم مع ذلك الفقير من الصباح حتى المساء. لا يغيبُ عنه لحظةً. أعطى الله الفرصة للغني أنَّ يرَ مآسيَ الحياة فيتذكرَ أنه لربما تصيبُه هو يوما ما فماذا يتوقعُ من الذي يكون في موقعه أن يتصَّرفَ تجاهه؟. سهَّلَ له الرب وقدَّم له فرصة ثمينة وسهلة ليبديَ حُبّه نحو الآخرين ويعيشَ الرحمة فيشاركَ المعوزين والمساكين بخيراتِ الله له وتنَّعمِهِ. لقد قال الرب :" أطلبوا أولا ملكوت الله وبِرَّه والباقي يُزادُ لكم " (متى6: 23). وقد أكدَّ الرسول " بأنَّ الله يُفيض عليكم مختلفَ النِعَم ، فيكون لكم كلَّ حين في كلِ شيءٍ ما يكفي مؤونتكم كلها ، ويفضُلُ عنكم لكل عمل صالح "(2كور9: 8).
هكذا ليس الفائضُ في الخيرات للبذخ أو للتباهي بل هو لمساعدة من هم في الحاجة. حتى إذا آنقلبت الآية يوما وآنعكست الحالة يضمنُ كل إنسانٍ العون والرحمة و تقوم مساواة بين الناس. فقد قال الرسول : " إذا سَدَّتِ اليومَ سَعَـتُكم ما بهم من عوز، سَدَّتْ سَعَـتُهم عَوَزكم غدًا، فحصلت المساواة"(2كور8: 14). لكن الغنيَّ أبدى رغم ذلك أنه عديم الرحمة ومجَّرَدٌ عن المحبة وأنه قاسي القلب وأنانيٌ معزولٌ عن غيره وغريبٌ عن الله. إنه هوالأفقر لأنه لا يملكُ الله. وإنه هوالأمرضُ لأن الداءَ قد أصابَ عقله وقلبه فلا دواءَ له. لقد خسرَ الأرضَ والسماء. وكم منا فقيرُ الروح يسلكُ مسلكَ هذا الغني إذ يحرمُ غيرَه مما وهبه الله من نِعمٍ و مواهب وخيرات ؟. كم واحدٍ يغُّضُ الطرفَ عن مآسي البشرية ليتقوقعَ في أنانيتِه ويُبَّررَ تقاعُسَه عن أداءِ واجبِه الأنساني تجاهَ من هم في ضيقٍ وحاجة ؟!.
¨ الفقـيرُ الغني !
أما لعازرُ المنبوذُ لفقرهِ ومرضِهِ، الذي لابد وآعتبرَه الغنيُ وغيرُهُ عقابًا من الله على ما
آقترفَه من إثمٍ وذنب (يو9: 2)، فقد وصف الرب هدوءَه وسكونه رغم مأساتِه المؤلمة، و ترك لنا أن ندخل الى عمقِ حياتِه للوقوفِ على سبب عدم تذمره وتشكيه لنكتشفَ أنَّ هذا الحقيرَ والفقيرَ بعين البشر هو غنيٌّ بالله. إنه رأى الله في ضيقِه، رآه على الصليب ضحية الحق والمحبة وذبيحة الأثم والفساد، وآمن بوعده وقبلَ نصيبَه في الحياة ورفضَ أن يلومَ الله أو يدينَ الغنيَّ. هذا الفقيرُ المريض يتحَّلى بمحبةِ الله وبصبرِه ، مثل أيوب، بحيث يرفُضُ أن يخلطَ بين ما هو نتيجة التفاعل الحتمي بين حياة الأنسان والطبيعة، وبين ما هو مشيئة الله و فعله المباشر. يعرفُ أنْ لا يدَ لله في ما يتألمُ منه. يعرفُ أيضا أنَّ التشكي والتذمرَ ليسا أبدًا علاجًا بل هي زيادةُ الطين بِلَّةً. وآمن بأنَّ الحياة لا تتوقفُ على الملبس والمأكل، ولا يُقاسُ مجدُها بخيراتِ الزمن، ولا تقتصرُ على هذه الأرض فقط، بل إنها تمتَّدُ في الأبدية. وليس غذاءُ الحياة الأبدية ومجدُها طعامَ الأرض وزينة الجسد. بل " إنَّ آلامَ هذا الدهر ومآسيها لا تقاس بالمجد المزمع أنْ يتجَّلى في الأنسان المؤمن بالله (رم8: 18)، وأنَّ " الشدة الخفيفة التي نحن فيها تُعِّدُ لنا قدرًا عظيما من المجد الأبدي لا حدَّ له " (2كور4: 17).
لقد حُرم لعازر ملذاتِ الأرض ونعمَها لكن السماءَ زرعت فيه بذورَ الحياة الأبدية وعرفَ أنَّ السُبُلَ اليها تكمن في الصبر والقناعة والتجرد والغفران وكلها تنبعُ من محبة الله ومحبة القريب التي أوصى بها الكتاب (تث6: 5؛ لو10: 27). عرفَ أنَّ كل خير هنا على الأرض يزول، أما الذي يبقى للأبد فهو " الحُّبُ " وحدَه (1كور13: 8). والحبُ ينفي الكُرهَ ويُبعِدُ الدينونة. ولأنه تحَّملَ مأساتَه محَّبَةً بالله لقد حظيَ أن يكون في حضن ابراهيم المؤمن في راحةٍ ومجد، عكس غريمِه الغني الذي لم يقبل به سوى نارِ العذاب الأبدي. أعطى الله كليهما فرصة المحبة و آستجاب لها فقط لعازر فلذا أُستُقبلَ في رحاب خيمةِ محبة الله الأبـدية.
وكم متألم في الدنيا ومُعوَز يُقابلهُ أصّحاءُ وأغنياء يقدرون لو شاؤوا أن يُخَّففوا عن شدائدهم بل ويزيلُوها بإبادةِ أسبابها لكنهم لا يريدون أن يهتموا بما يرون وما يحيطُ بهم، بل يسُّدون عنها ألحاظهم ويتسترون وراءَ أنانيتهم وقساوةِ قلوبهم ويتمتعون بمآسي الناس ويتاجرون بفقرهم ، لا همَّ لهم سوى أن يُشبعوا ملذاتِهم!. وكم عظيم وغني بالروح أيضا يختفي وراءَ آلامه وضيقاته حاملا صليبه سالكا مع يسوع طريق الجلجلة!. ليس الفقر والمرض ما للجسد بل الفقر الحقيقي والمريض الخطير هو ما في الروح. فعندما نجهل الله والمحبة ، و نرفضُ الرحمة والرأفة، نتيه في غابة رغائبنا نكون عندها قد خسرنا الحياة.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com