المرأة وخدمة الشماسية !
2016.07.24
أهلا وسهلا بالأخ توما تومايي
يبدو أن قرار البابا بتشكيل فريق دراسة للتأكد من دور المرأة " الشماسة " في الكنيسة الأولى قد أثار ضجة وآستنكارا ذكوريا، وأحدهم الأخ تومي، هذا من جهة. ومن أخرى لقي إستقبالا أنثويًا وآرتياحًا لفكرة المساواة بين الذكر والأنثى. إنَّ نساءًا كثيرات يتمنين الكهنوت أسوةً بالكنائس البروتستانتية وبحجة أنَّ الكنيسة الكاثوليكية تمارسُ التمييز وتخالف مباديءَ الديمقراطية بعدم منح المرأة الكهنوت كالرجل.
قال الأخ تومي بأنه لا يرى صحيحًا رسامة المرأة شماسة ، رسائلية كانت أم إنجيلية. مع أنَّ أسقف سان دييكو سبق ورسم شماسات رسائليات!. وسبب رفضه عدم إختيار الرسل إمرأة شماسة (أع6: 3). ثم يطرح أسئلةً ، هي :
$ إذا سمحت الكنيسة برسامة شماسات، فهل هذا يعني أننا سنرى في المستقبل نساءً كهنة
كما هو الحال لدى الأنكليكان ؟
$$ هل تعتقد أنه لو قرَّرَ الفاتيكان مستقبلا السماح للمرأة بقبول الشماسية الأنجيلية ، يجب
أن نقبلَ بهِ ؟
¨ لو سمح الفـاتيكان !
الحديث عن الفاتيكان ، وكأنه سلطة وقيادةٌ لذاته ، مغالطة ويجب الأنتباه إلى عدم خلط الأوراق، والى تسمية الأشخاص أو الأشياء بمُسَّمياتِها. الفاتيكان ليس سوى إحدى تلال روما السبعة التي عليه بُنيت كنيسة مار بطرس، مكان ملعب روماني قديم، ويحوي المجامع أو الدوائر التي تديرُ شؤون الكنيسة الجامعة. هناك بُنيت أول كنيسة على عهد قسطنطين الملك وهناك حُفظت معا رُفاة القديسين بطرس وبولس. فالفاتيكان لا يُعلم ولا يقرر. الذي يُعلم ويقرر من الفاتيكان هو شخص البابا ، خليفة مار بطرس، نائب المسيح على الأرض لأدارة شؤون الكنيسة. الفاتيكان يُعتبر دولة مستقلة داخل مدينة روما وله كل مقومات كيان مستقل عدا الشرطة والجيش والنقد الخاص. لكنه لا يتعاطى السياسة والأقتصاد مثل بقية الدول. هدفه روحي وتعليمي، إيصال رسالة المسيح الى العالم بدون تشويه والشهادة عليها. فالبابا هو الذي يقود الكنيسة بآسم المسيح لا الفاتيكان فيتلمذ ويعمذ ويعلم (متى28: 19).
¨ نســاءٌ كهــنة !
إذا قررت الكنيسة الكاثوليكية يوما بأن تمنحَ المرأة رسامة الشماسية الأنجيلية فهذا يعني من كل بد فتح الطريق أمامهما لا فقط للكهنوت ولكن حتى للأسقفية. لأن الرسامة الأنجيلة هي درجة كهنوتية ، أي يشترك الشماس أو الشماسة الأنجيلية في كهنوت المسيح. لأنَّ الكهنوت ينقسم الى ثلاث درجات : الشماسية ، الكهنوت ، الأسقفية. وهذا ما حدث في الكنيسة الأنكليكانية وحتى اللوثرية وعامة الكنائس البروتستانتية. إنهم يرسمون النساء كهنةً وأساقفة بشكل إعتيادي. فإذا تقرر في الكاثوليكية أيضا منح الأنجيلية للمرأة يمكن بذات الفعل منحها الرسامة الأسقفية.
أما إذا مُنحت المرأة حق الشماسية الرسائلية فقط عندئذ لا أمل لها بأن تشترك في كهنوت المسيح فتصبح أسقفا ولا كاهنا ولا حتى شماسة إنجيلية. لأنَّ الرسامة الرسائلية ليست درجة كهنوتية. هي خدمةٌ تنظيمية طقسية أو إدارية لتنسيق الخدمات في الكنيسة.
¨ ما تربطه أو تحُّله ! متى16: 19
لقد خَوَّل المسيح سُلطانه لبطرس وحده بأنَّ يتخذ الأجراءات التي يراها جيدة ، صحيحة، و ضرورية لحياة الكنيسة والشهادة لتعليم المسيح. ثم خوَّلها للرسل معا وتحت إدارة بطرس (متى18:18). وقد منحه وحده ، أو مع الرسل مجتمعين، العصمة عن الخطأ في الشؤون الأيمانية. أى لن يسمح الرب لأبليس أن يوقع الكنيسة في غلطةٍ إيمانية ما دام يقودها بطرس وخلفاؤُه. والبابا هو خليفة بطرس ويتمتع بنفس المواهب. لذا إذا أعلن البابا يوما، بقراره الشخصي أو بآستشارة وآتفاق مع بقية أساقفة الكنيسة، عندئذ على المؤمنين أن يخضعوا للقرار كما يخضعون للمسيح نفسِه، لأنَّ القرار صادرٌ بقوة الروح القدس (أع15: 28) ممن أقامه المسيح نائبا عنه لرعاية الكنيسة (يو21: 15-17). وقد قالها يسوع صراحةً :" من سمع منكم سمع مني. ومن رفضكم رفضني "(لو10: 16؛ متى 10: 40). فما يعلنه البابا تعليما رسميا للكنيسة وقرارا إداريا يجب الألتزام به وإلا يكون خارجَ الكنيسة من يتمَرَّدُ عليه. وليس الأنقسام في الكنيسة إلا صورة من رفض الطاعة لتعليم خلفاء بطرس. وهل يرضى المسيحُ عن الأنقسام ؟.
¨ لتكن النساءُ كذلك .. !
إن كان البابا قد طلب إجراءَ دراسةٍ مُعَّمقة عن دور المرأة في الكنيسة الأولى وبنوع خاص عن رسامتها الشماسية فلأنَّ مار بولس يتحَّدثُ عن أدوار أدتها نساءٌ كثيرات في الجماعة الأولى. فهو يتحدث عن " خادمة كنيسة قنخرية"، وعن " معاونيه في المسيح"، وعن " من أصبحت دارها كنيسة فيها يجتمع المؤمنون" (رم16: 1-6). وكما كانت بعض النسوة يخدمن يسوع (لو8: 2-3)، كانت كذلك نساءٌ يرافقن الرسل، منهم بطرس، لخدمة الرسالة (1كور9 : 5). وفي معرض كلامه عن رسامة الشمامسة، وتعداده مواصفاتهم، يقول مار بولس :" لا يقامون شمامسة إلا إذا كانوا ممن لم ينَلهم لومٌ في شيءٍ. ولتكن النساءُ كذلك من أهل الصلاح، غيرَ نمّامات، متقشفاتٍ أميناتٍ في كل شيء. وعلى الشمامسة ألا يكونوا متزوجين غير مرة واحدة "(1طيم3: 10-12). ويذكرُ أيضا ألا تسجَّلَ إمرأةٌ في سجّل الأرامل الا التي " بلغت 60 عاما ، ولم تتزوَّج غير مرةٍ واحدة، وشُهدَ لها بالعمل الصالح ، .. ، وأضافت الغرباء ، وغسلت أقدام القديسين ، وساعدت المحزونين ،.." (1طيم 5: 9-10).
إذن في معرض كلامه عن رسامة ذكورٍ شمامسة إنجيليين لماذا حشر الرسول النساء في النص وكأنَّ الحديث يخصُّهن أيضا؟ ولاسيما يطلبُ منهن نفس المواصفات المطلوبة من الرجال؟. وماذا عنى بـ " خادمة الكنيسة " و" معاونة الرسول" و" مرافقته " ؟. لقد أدَّت المرأة بالتأكيد دورا رسوليا في الكنيسة الأولى فيريد البابا أن تُظهر الدراسة التأريخية ماذا كانت بالضبط المهام التي أدتها المرأة؟. والهدف منها الأستفادة لتكليف النساء بمهام رسمية في رسالة الخلاص التي يريدها الروح أن تشترك بها المرأة. بعضُ تلك المهام مذكورة. لكن أهمها مجهولة. ولم يُذكر هل نالت تلك النساء الرسامة مثل الرجال أم كُلِّفنَ فقط بالمهمات دون رسامة كهنوتية. إنَّ طقس الرسامات في الكنيسة الكلدانية مثلا يذكر نصًا بآسم رسامة الشماسات ولكنه يذكر ايضا أن تلك الرتبة هي بمثابة بركة ولا تنال المرأة درجة الشماس حتى ولا الرسائلية. بينما يبدو أنْ كان للشماسة دورٌ قياديٌّ في التحضير لعماد النساء وعند العماد الفعلي.
إذا كان الله قد ولد من إمرأة، وإذا كان أول شاهد ومُبَّشر بالقيامة هي المرأة، فهل يكون غريبا أو مخالفًا أن يريدَ الله من كنيسته تكليفَ المرأة معاونة الرجل في الكهنوت أيضا؟. ربما لن ترَ الكنيسة أبدًا شماسات كهنوتيات ، وربما ترى فقط شماسات رسائليات، ليس الأمرُ متعَّلقًا بالمؤمنين حتى يتدخلوا فيقبلوا أو يرفضوا، بل يعودُ الأمرُ الى تدَّخلِ الروح القدس الذي وحده " يُرشد الى الحق كله "(يو16: 13). ومن نكون نحن حتى نقف مانعا في
وجه الروح القدس لقيادة كنيسته؟. أ لم يُشر الروح الى الرسل أن يقيموا بولس وبرنابا رسولين/ أسقفين ونفَّذت الكنيسة الأمرَ حالا؟. أ لمْ يوح ِ الروح الى بولس ألا يتأخر في تركيا بل يعبر الى اليونان والتبشير بمقاطعة مقدونية فآمتثَّلَ الرسول لأمره؟. أ لمْ تُشِر اليه الجماعة في عدم الصعود الى اورشليم لأنَّ الروحَ أنبأ بسجنه فرفض بولس أن يذعن لهم لأنَّ الروح لم يمنعه عن الصعود، ولأنه كان مستعدا لا أن يسجن فقط من أجل المسيح بل أن يموت أيضا؟. والجماعة كلها أذعنت لقرار بولس قائلين :" فلتُقضَ مشيئة رَّبِنا "(أع21: 13-14). هكذا نحن مدعوون أن نتقَّبل إيحاءات الروح وقيادته للكنيسة على يد البابا و بقية الأساقفة معه.
لا يتعَّلقُ الأمرُ بالتأريخ، ولا بمباديء المساواة بين الرجل والمرأة، ولا بالديمقراطية، بل بمشيئة المسيح في قيادة كنيسته. نحن شهود للمسيح. والكنيسة هي تنور دربنا في كيف نشهد للمسيح ونحملُ بشارته الى العالم. والكنيسة يقودها البابا وليست الصحف والقنوات الفضائية أو وسائل التواصل الأجتماعي. ولسنا نحن معصومين من الخطأ الأيماني ، ولا نحن مكلفون بإدارة شؤون الكنيسة وقيادتها. بل يعود الأمر الى الخدمة الكهنوتية الموكولة الى الأساقفة والبابا، وهؤلاء يُقيمهم ربنا ويدعوهم الى مهمتِه. والطوبى لنا إذا عرفنا أن نسلك طريق الأمان في عهدتهم، دون التفاضل في ما لا يعنينا.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com