الأحــد الـرابع الصيف !
2016.07.24
يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< مرقس 7: 1-16 >::-- ويتحَّدثُ عن العادات اليهودية والتقاليد التي حَلَّتْ محل شريعة الله ، وعن تمَّسُكِ الفريسيين بها وفرضها ومحاسبة من لا يتقَّيد بها.
كونُ اليهودِ "شعبَ اللهِ المختار" إعتقدوا أنهم يملكون إمتيازًا يرفعهم فوقَ مستوى بقية الشعوب، فأحاطوا أنفسهم لذلك بهالةٍ من القداسة جعلتهم ينعزلون عن بقية الناس ويعتبرون غيرهم " نجسين " فلا يتعاطون معهم. يعتبرون كل ما يمسه أولئك دنسًا يحتاج الى التطهير قبل أن يُستعملَ. فأقاموا شريعة بذلك ونظموا تقاليدَ تنفيذها، وحسبوا كل يهوديٍ لا يتقَّيدُ بها مخالفًا. وآهتموا بأمر حفظِها أكثر من إهتمامهم بالتقَّيد بشريعةِ الله نفسِه.
¨ ما أبرَعَكم في نقضِ شريعةِ الله !
وقد فضح يسوع مكرَهم. وكشَفَ إنحرافَهم عن الحق وميلهم عن الله. يدّعون أنهم ممثلو الله وأعوانه القائمين على حفظ شريعته وحمايتها. لكن يسوع إستنكرَعليهم ذلك وأكَّدَ لهم أنهم لم يعرفوا الله اصلا (يو16: 3) ولا عملوا بأحكام الشريعة (يو7: 19) بل جهلوا الكتبَ وقدرة الله معا (متى22: 29)، فأهملوا بسببها " أهمَّ ما في الشريعة : العدلَ والرحمةَ والصِدقَ " (متى23:23). يدَّعون أنهم من الله وأنه إلَـهُهم لكنهم لا يعرفونه ولا هم منه ولا يسمعون كلامَه (يو8: 47-55). ولذا أهملوا وصية الله وتمَّسكوا بتعاليم وضعها البشر(آيات 7 و8). أرادوا أن يكونوا هم " الله"، لذا نافسوا الله وشريعته بسُننهم وتقاليدهم ،" فأبطلوا كلام الله وتوارثوا تقاليد بشرية من عندهم (آية 13).
هكذا فعل آدم. أبطلَ أمرَ الله وتبعَ ما أملاه عليه فكرُه وأغوته به إمرأته. وهكذا فعل قائين رافضًا الأصغاءَ الى كلام الله مفضلا إتباع شهوته وفكره. وهكذا فعل شعبُ الله منذ أيام تكوينه الأولى فرفض سيادة الله عليه وطلب آلهة تسيرُ أمامه فعبد عجلا صنعوه بذهبهم (خر32: 1-6). وهكذا ما زالت تفعل الحكومات المُلحدة جارية وراءَ منطقها ومنفعتها معلنة الحروب ، مسيلة الدماء، محطمة الأبنية والمؤسسات ، مبيدة شعوبًا وأقوامًا برمتها ، جارية وراء طموحاتها الدنيوية من سلطان وجاه ومال ضاربة عرض الحائط كل قيمةٍ الهية أخلاقية أو مبدئية وساخرة من الأنسان وكرامته. وكم منهم يعلن ذلك بآسم الله، بل ويدعو بآسم الله مصَّرحًا أنه يبغي العدلَ والسلامَ والحرية والكرامة! ، وأنه جندي يُجاهدُ من أجل الله الذي أمرَ :" لا تقتل ! أحبب قريبَك كنفسك !". وكم حتى رجل دين مسيحي باعَ الضمير وأخرجَ الله عن دائرة حياته لينحدرَ الى مستوًى خلقي أدنى من أخلاق أعداءِ الله ؟. وما أبرَعَهم في نقض شريعةِ الله بآسم الله وبآسم حقوق الله!.
¨ شعبٌ يُكرمُني بشفتيهِ !
إنها عبادةُ المرائين والمنافقين. إنه إيمانُ المُلحدين المنفعيين. الله لا يُرى ولا يُحاسبُ حالا أعمال البشر. أما البشر فإنهم يراقبون دوما ويُحاسبون بلا رحمة ويدينون بلا خجل و يعاقبون حالا. إنهم " حُّكامٌ لا يخافون من الله ولا يستحيون من البشر". ويُبررون سوءَ أفعالهم مُدّعين أنَّ تلك هي مشيئة الله. ذلك تطلبه شريعة الله. هكذا علَّمهم آباؤُهم والأجيال السابقة ومن الواجب متابعة تعاليمهم وسلوك سبيلهم. تقاليدُ الأولين مقدسة لأنها نابعة من مشيئة الله حتى لوكانت تعارضُ شريعتَه. هذا هو منطقهم ، وقد قفل عليهم يأبون التراجع عنه. فلو تراجعوا خسروا مقامهم ومنافعهم. وكم تشَّكى الله من هذا السلوك النفاقي المهين لكرامتِه وقداستِه. لقد طلب من شعبه أن يكون قدوسًا مثله (أح9: 2). ويكون نورا يحمل الخلاص للأمم (اش42: 6؛ 49: 6). ولامه لأنه لم يحترم وعده ولم يلتزم بدعوته. تظاهر بها لكن قلبه مال الى غيره(اش29: 13). إدعى الأيمان بالله لكنه لم يؤمن إلا بنفسِهِ. إدّعى المحبة لكنه إحتقرَ غيرَه.
لقد جدَّد اللهُ نداءَه لأبناء شعبه الجديد فدعاهم الى الكمال (متى5: 48). وأقامهم نورا وملحا للعالم (متى5 : 13-14). ولكن هل كان تجاوبُهم أفضل وسلوكهم أمثل؟. لا يبدو كذلك. إنَّ الشعوب التي قامت على الحضارة المسيحية نكرت الله وآستبدلته بإلَـه إقتصادها وسياستها وملذاتها. وقد تشكت عذراء فاتيما من ذلك وأسَّرَت الى الرؤاة الثلاثة سنة 1917م برؤياها المعروفة بـ " سر ظهورات فاتيما الثالث"، والذي كُشف النقاب عنه سنة الفين 2000م ، فعاينوا رؤيا إضطهاد أهل العالم للكنيسة محاربين الحق والبر، جارين وراء الكذب والحيلة ، ساحقين المسكين والضعيف ، فهددهم ملاك الرب بالأبادة فشهرعليهم سيفه البتار، إلا إنَّ ذراع مريم أوقفت السيف فصار الملاك يصرخُ : " التوبة، التوبة، التوبة ". وكأنه يقول : كفاكم دجلا ! كفاكم نفاقًا ! كفاكم عبادة المال والسلطة!. كفاكم حروبا ودماءًا ! كفاكم سحق البائس واليتيم !. كفاكم لؤمًا وخباثةً. كفاكم المظاهر والمباجل. أدخلوا الى باطنكم. إسبروا غورَ الحياة الى ما بعد الممات.
¨ من الداخل تخرج الأفكار الشريرة !
نَّـقوا داخلكم. وصَّفوا قلوبَكم ونياتِكم. أحبوا بعضكم. إرحموا المعوزين. أسندوا الضعفاء. آمنوا بالله وآحفظوا كلامه. لا يكن إيمانكم بالكلام فقط. لا تكن محبتكم بالأحساس فقط. لا تكن عبادتكم بالشفاه فقط. إرفعوا أفكاركم الى الله. طهروا قلوبكم من محبة المال. شددوا رجاءَكم بالحياة الأبدية. إنزلوا عن فرس كبريائكم وآخرجوا عن قوقعةِ أنانيتكم. لا تخافوا العالم ولا تهابوا الشرير. ليكن ما في قلبكم على شفاهِكم. وما تنطقون به يشهد لأيمانكم. وما تفعلونه يُجَّسدُ محبَّتكم. إعتذروا عن سوئكم وأغفروا لغيركم. تنازلوا عن آرائكم وحتى عن حقوقكم لتقَّدروا حَّقَ الآخرين وتحترموا آراءَهم. بَطِّلوا أن تهتموا بالمظاهر، وجَّربوا أن تغوصوا في الأعماق ثم أن ترتفعوا فوق الصليب ، ولا يكون لكم حياة أخرى سوى حـياةِ يسوع وحدَه فتقدروا أن تصرخوا مع الرسول :" لست أنا الحي. بل المسيحُ يحيا فيَّ " (غل 2: 20).
هذه رسالة السماء إلينا نحن الذين قد غرقنا في المظاهر. هذه دعوة السماءِ لنا نحن الذين قد إلتحفنا بعادات اهل العالم وتقاليدهم وتبعنا منطقهم في السلوك. لنتذكر أنَّنا لسنا من العالم. نحن في العالم لا لنتبعه ويخنق بشوكه ودغله إيماننا. لا ليُشَّوه فيفسدَ بماله وجاهِه حُبَّنا. بل لنقدِسَه بروح يسوع المسيح وفكره وتعليمه. ونُزَّينُه بفضلهِ وأعمالِه. نحن أبناء السماء ، و شهودٌ لأخينا البكر يسوع ، لنُصغِ اليه ولنسمع له ولنتبَعْ مبادِئَه.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com