الأحـد الثالث للصيف !
2016.07.17
يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< يوحنا 9: 1-38 >::-- يَروي لنا شفاءَ الأعمى منذ مولده. بينما إعتبر اليهودُ المرَضَ عقابا من الله لخطيئةٍ ما صرَّحَ يسوع بأنه خللُ في الطبيعة يسمح به الله ، ويقودُ الى مجده وخير الأنسانية. يأبى والدا الأعمى الأعتراف بمعجزة شفائه وبالتالي أنَّ يسوع هو المسيح المنتظر خوفا من ألا يُطردا من المجمع. وكذلك يُعلن الجيران شَكَّهم بشخص الأعمى ولا يشهدون بالحق خوفا من قساوة الفريسيين وطغيانهم. ويأبى الفريسيون أنفسهم الأعتراف بالمعجزة وبالتالي بمسيحانية يسوع خوفا على مصالحهم، وتَبَعًا لآرائهم في هوية المسيح القادم. يسوع لم يتعلم في مدارسهم ولم يترَّبَ على تعاليمهم فلا يريدون أن يؤمنوا به مسيحًا يتحَّكمُ فيهم. لقد ضاع الحق وتاه المنطق. الأعمى وحده الذي لم يسبق له أن إلتقى بيسوع، إنما سمع عنه فقط، آمن به وقالَ الحق وآلتزم به لأنه عرفَ أنَّه لو لم يكن يسوع من الله لمَا آستطاع إبراءَه. وما دام اللهُ يؤَّيدهُ بالمعجزات فهو إذا بلا أدنى شَّك المسيح المنتظر منقذ اسرائيل، لأنَّ أعمال الشخص دليلُ هويتِه.
¨ ليس هذا الرجل من الله !
كان هذا حكمُ الفريسيين على يسوع. وعلى أي دليلٍ إستندوا؟.على أنه لا يحفظ السبت!. وما هي مخالفته لشريعة السبت ؟. إنه يُشفي المرضى في ذلك اليوم ، والأحبار والفريسييون يرفضون ذلك (لو13: 14). وليست هذه المرَّةَ الأولى فيها يتهمونه بذلك رغمَ أنه سبقَ وأفحمهم بالحجة التي لا تُرَّد. هل عمل الخير مسموح في السبت أم لا؟. هل يَدَعون خروفهم يختنق إذا سقط في البئر يوم السبت أم يُخرجونه؟. ومَن الأفضل : الحيوان أم الأنسان ؟. لم يقووا على الجواب ! (متى12: 9-14). وأضاف " أما يستبيحُ الكهنة حرمة السبت في الهيكل بتقدمة القرابين ولا لوم عليهم" (َّمتى 12: 5-8؛ عدد 28: 9)؟. حجَّة الفريسيين أنَّ حججَهم تسقط وتفشل في حين تعلو حججُه ويكسبُ الناس (يو 12: 19)، لأنه " يُعَّلمُ كمن له سلطان"(متى 7: 29). الحسد والغيرة يدفعانهم (متى27: 18) الى التآمرِعليه لإهلاكِه (متى 12: 14). ولم يكن سبب قتله بعده سوى لأنَّ " اليهود كانوا ينصرفون عن الفريسيين و الأحبار ويؤمنون بيسوع "(يو12: 11). أن يكون يسوع يخالفَ إرادة الله تلك حجةٌ واهية لم تصمُد أمام الحقيقة.
¨ إنَّ الله لا يستجيبُ للخاطئين !
أما حجَّةُ عامةِ الشعب ومنهم الأعمى أن ما يعمله يسوع هوعمل الله نفسِه. ولا يقدر خاطيءٌ أن يُنجزَه لأنَّ الله " يسمعُ نداءَ الصّديقين ، أما من يفعلُ الشر فيقطع ذكرَه من الأرض (مز 34: 16-17). يبتعدُ الله عن الأشرار في حين يستجيب لصلاة الأبرار(أم15: 29). وقد كره الله عبادة شعبِه ولم يعُد يطيقُ إحتمالَ سوئِهم، فقال بفم إشعيا " إن أكثرتم من الدعاءِ لا أستمعُ لكم لأنَّ أيديكم مملوءَةٌ من الدماء... تطهروا وأزيلوا الشرَّ.. وكُّفوا عن الإساءَة ... و أُطلبوا العدلَ.."(اش1: 15-17).
يدعي الفريسيون أنهم يحفظون الشريعة ويتمسكون بها حرفيًا. لكنهم في الواقع قد حرَّفوا الشريعة وحوَّلوها الى عاداتٍ معَّينة وسلوكٍ تقَّلدوه من الأولين (مر7: 3-5). وآحتلت هذه التقاليد مقام الشرف في حياتهم حتى أصبحت دستور الأيمان ومرآتَه. وبالغوا في تقديسها حتى أهملوا شريعة الله نفسها مقابل التمسُّك بما إستنبطوه من نُظمٍ وسُنن (مر7: 8-13؛ متى 15: 3). ولاموا يسوع لأنَّ تلاميذه بطَّلوا التقيدَ بها (متى15: 2). بل حاربوا كلَّ من ، تَبعًا لتعليم يسوع، خالفهم الرأيَ وخالفَ الشريعة. كبرياؤُهم قادهم الى عمى الفكر والقلب حتى صاروا لا يبصرون الحق. مع أنهم لا فقط يسمعون نصَّ الشريعة بل ويقرأونها، ورغم ذلك أصبحوا غرباءَ عن كلام الله وشريعتِه. في حين كان الأعمى يتكلُ فقط على سماعه ما يُقرأُ
من الكتاب في المجامع أيام السبت.
عرفَ الأعمى ما لم يعرفه الفريسيون أنَّ الله يستجيبُ لمن علاقته به حميمة وصادقة. لا ينفعُ المظهرُ والنفاق. الله يفحصُ الكلى والقلوب (رم8: 27؛ رؤ2: 23). أما أنقياءُ القلب فالطوبى لهم لأنهم يعرفون الله ويرونه في فكرهم وقلبهم (متى5: 8). لم يعرف الأعمى يسوع ولا إلتقى به قبل هذا اليوم. ولم يرَ وجهه حتى عند نيله البصر. إنما سمع عنه وعن معجزاته. وعوضًا عن أن يتهمه أو يُكَّذبه عمل العكس فتأملَ فيما سمعه عنه وفحصه على ضوء إيمانه ومعلوماته عن الله وتصَّرفَ على ضوئِها فخاطر وتنَّقلَ على الطرقات لعله يصادفه مرَّة ويطلبَ عونه. براءَته حقَّقت له أمنيته. وقبل أن يبادرالأعمى بالطلب بادر يسوع بإبرائِه. وعلى نياتكم تُرزقون !(1كور 4: 5؛ لو9: 47؛ 1: 51).
¨ إنه بالغ الرشد فآسألوهُ !
بينما شاغبَ الجيرانُ على الأعمى بعد شفائه وقادوه عند الفريسيين ليُعاقَبَ وكأنه مخالفٌ لشريعة السبت بسبب تحركه الزائد ، وبحثوا أيضا عمن سمح له بذلك ليُحاسَب، حاول والداه التمَّلصَ من الشهادة بالحق إرضاءًا للفريسيين والتخَّلصَ من تعَّسفِهم غير مهتمين لا بالحق ولا بالضمير. لقد ضاع الحق وآنقلبت الموازين. المصلحة أولاً أما الحَّقُ فيُلقى وراءَ الظهر. من يتبعُ الحق أصبح شّاذًا وجاهِلاً. أما الكذبُ والنفاقُ فصار سيّد الموقف.
وما أشبه اليوم بالأمس!. لقد بيع الضميرُ في سوق النخاسة. لقد تاهت المباديءُ في غابةِ الأنانية. لقد ضاعَت القيم بين القناعات الشخصية والمنافع الدنيوية. أصبح الحق لمن لسانه أفصح وسيفه أمضى وباعه أطول. العالم لم يعرف الله ويأبى أن يحفظ كلامه. والمؤمنون حوَّروا كلام الحق بما يتماشى مع منفعتهم حسبَ ظروف الزمن. أصبح فّريسيو العصر أعنفَ وأقسى في فرض آرائهم ومصالحهم. أصبحت المراعاة والنفاقُ السلوكَ العام اليومي. ومن كان يجب عليهم أن يكونوا نورا وملحًا أصبحوا ظلمة وتفاهةً، وكادوا أن ينكروا ربَّهم. ومن كان عليهم أن يقودوا الناس الى الله أصبحوا بسلوكهم عـثرة وسبيلا الى الهلاك.
لم تعد مملكة الحق تغري البشر، حتى ولا من يتظاهر بسلوك سبيل الحق. البروز الشخصي وإقصاءُ المنافس والتحَّكم في مسالك الحياة، السياسية والأقتصادية، أصبحت هي الأهداف التي تُبَّررُ السلوك الفردي والعام. قلَّ من يرى الله، مثل الأعمى، من خلال الأحداث اليومية ويتفاعلُ معها. وندُرَ من مثله أيضا يتجَّرأُ ويقول الصدقَ في وجه الأقوياء والأشرار إلا من كان في صراع معهم. وأصبح الصراع الخفي والعلني، من أجل المال أو المجد أو الشهرة ، هو شعارُ الحياة. بينما أعطى الربُ الطوبى لمن يعمى عن مظاهر الحياة المادية فيخترقُ بصرُه ، المُنَّـور بالأيمان، الحَّقَ الألهي ويتقبلُه ويخضع له ، مُرَّددًا مع الأعمى ومقتديا به :" آمنتُ يا سَّيدي. و سجد له " (أية 38).

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com