الأحـد الثاني للصيف !
2016.07.10
يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< لوقا 15: 4-32 >::-- ويُخبرنا بآنتقاد الفريسيين يسوعَ لأنه "يُرَّحبُ بالخاطئين ويأكلُ معهم "!. ردَّ عليهم يسوع بإظهار محبةِ الله لأولاده، لاسيما ذوي الحاجة، وأهتمامه بهم والرأفةِ بهم لأنهم قد ضَلوا طريق الحق والحياة وتاهوا في بيداءِ الضلال ولا قدرة لهم للوصول الى درب الحياة. إنهم سائرون نحو الهلاك. وإن كان البشر لا يهمهم ذلك ولا يجهدون أنفسهم بالبحث عنهم وإعادتهم الى جادة الصواب، إلا إنَّ اللهَ لا يُهملهم بل يهتم بإنقاذهم من ورطتهم فيبدي لهم محبته وحنانه ليثقوا به ويسمعوا له ويقبلوا عنايته فيخلصوا. وبأمثال الخروف الضائع والدرهم المفقود والأبن الضال يبين لهم يسوع كيف يجب الأهتمام بهؤلاء الخاطئين، وكم تُفَّرحُ توبتُهم السماءَ
¨ تكلم الفريسيون متذَّمرين !
تذَّمرَإذن الفريسيون وآنتقدوا يسوع لأنه يتصَّرفُ بلطفٍ مع من يعتبرونهم خطـأةً و ينبذونهم ويحرمونهم من الخدمة الكهنوتية. بل وصلت بهم الوقاحة الى إقرار طرد يسوع وكلَّ من يعترف به ويؤيده من المجمع (يو9: 22)، لأنهم لم يعترفوا به لا هم ولا الرؤساء (يو7: 48). وكل ذلك لكونهم يعتبرون أنفسهم دعاة الشريعة الألهية وحماتها. لكن إدعاءَهم ذلك لا أساس له من الصدق، لأنهم يراؤون وينافقون أكثر من أن حتى يتقيدوا هم أنفسهم بالشريعة. وقد صفع يسوع ذلك بوجههم:" أما أعطاكم موسى الشريعة؟ ولا أحد منكم يعملُ بها" (يو7: 19). يعلمون الشريعة ولكن لا يعملون بها، وقد أهملوا أهم ما فيها :" العدلَ والرحمة و الصدقَ " (متى23: 3و 23). لقد تمسكوا بمظهر قشورها وأهملوا لُبَّ التعليم فيها.
لقد فسَّروها عبر التاريخ حسب رغبتهم وفكرهم البشري فأفرغوها من روحها الألهي حتى قال عنهم اشعيا :" ليس ما يعلمون من المذاهب سوى أحكام بشرية "(اش29: 13). بل منذ البداية رفضوا أن يهضموا جوهر الشريعة ويسموا بأفكارهم الى العلى حتى نعتهم الله بـ" شعب قاسي الرقاب" (خر32: 9؛ 33: 5 و9). واكَّدها يسوع من جديد لما قال:" لقساوة قلوبكم أذن لكم موسي أن تطَّلقوا نساءَكم" (متى19: 8). بما معناه أن حتى شريعة الله حَوَّرها موسى ليتماشى مع رغائب البشر الرافضين للحَّق. ولما رفضوا نور الحق إنطفأت نار الحب في قلبهم فصار الناسُ لا يرون في المقابل سوى الخطأ والسوء، وأصبحوا يحكمون على غيرهم ويدينونهم ويستعملون العنف ضدهم بحجة القضاء على الشر والفساد وحماية المجتمع إصلاح الأحوال وتطبيق العدالة بالسيف لردع الأشرار.
¨ تفرح السماء بخاطيءٍ يتوب !
أما الله الذي هو أب فهو يحُّنُ على أولاده البشر. أما قال يسوع :" أُشفقُ على هذا الجمع. فهم من ثلاثة أيام يلازمونني. وما عندهم ما يأكلون. ولا أريد أن أصرفهم صائمين، لئلا تخور قواهم في الطريق"(متى15: 32؛ مر8: 1-3). لا ينظرُ الرب الى أخطاء الناس، بل الى حاجاتهم، ولاسيما الى إستعدادهم الباطني. عليه لا نستغربُ أن نرى اليوم الكنيسة تفتح أبوابها للخطأة وتظهر المحبة والرحمة والأحترام نحو الشاذين والخارجين عن شريعة الله. دون أن تؤيد سلوكهم الخاطيء الشاذ ودون أن تدين الأفراد، لا تحتقر الكنيسة ولا تنبذ مَن مِن أجلهم مات المسيح. تفتح أمامهم كنز الرحمة، وتدعوهم الى التوبة. تترك أمامهم بابَ الحياةِ مفتوحا منتظرة عودتهم باسطة يديها نحوَهم لتساعدهم.
الله الذي أعطى الشريعة للبشر لم يجعلها فخًا يصيدُ بها الناس ليعاقبهم. كلا. بل أعطاها عونا تساعدُهم في معرفة الحق وسط ضبابية سلوك أهل الشهوة واللذة. لم يُعطِ الله الشريعة ليُمَّيزَ بين الأبرار والأشرار فيدين هؤلاء. بل أعطاها محبَّةً ليُساعد الضعفاء والبسطاء منهم فلا ينخدعوا بمظاهر الحياة الدنيوية وخيراتها. أعطى الشريعة سراجًا تنير طريق الحق و سياجا تحمي من أعتداء الشرير ولاسيما ميزانا بها يقيس المرء سيرته ويحكم على نفسه ويعدل سلوكه فلا يُحكمُ عليه ولا يفقد حياته. لذا يتبعه في ضلاله من بعيد ملوحًا له إتجاه النجاة. وإذا عاد مخالفُ الشريعة أدراجه يفتح له الله أحضان الرحمة ويدفئه بقبلة المحبة مشجّعا إياه على مبادرته في تحَّدي ذاتِه وتغيير مساره ومُسَّجلا رجوعه إنتصارًا للحق و الخير والكرامة.
¨ كان مائتًا فعاش وضالا فوجد !
إنَّ موقف الأخ الكبيرالرافض للرحمة ، في مثل الأبن الضال، هو صورةٌ ونموذجٌ للسلوك الأنساني العام. العالم لا يعرف المحبة ولا سمع بخبر الرحمة. الرحمة ضعفٌ في مفهومه والمحبة دلعٌ وتدليل. والغفران مفسدة للمجتمع. التوبة مقبولة لكنها مشروطةٌ. لا بد من دفع الثمن. من ضلَّ يُنبذُ ومن أخطأَ يُحكَمُ عليه. العالم يؤمن ويتعاملُ بمبدأ " الحياةُ أخذٌ وعطاء. فالعينُ بالعين والسن بالسن. والحبُ بالحب والعِداءُ بالعداء. العنفُ يُعَّدِلُ الأعوجَ والسيفُ يستردُ الحقَ والكرامة". هذه سُنَّـةُ أهل الأرض. أما الله فنبعُ عطاءٍ مستمر بالتَدَّفُق لم يأخذ من خلائقِه شيئًا أبدًا. وهو كنز غفرانٍ لا ينفدُ لأنه حُبٌّ يستميت، ولطفٌ لا يكُّلُ وصليبُ بذل لا تُمحيه الأنانية. فوق الصليب أعلن غفرانه، وتحت الصليب عَزَّى المتألمين، ودارى قبل الصليب الخاطئين وأغاثَ المعوزين، وبعد الصليب وَشَّحَ بالبر والقوة جمعَ المؤمنين.
فالله يُريدُ رحمةً لا ذبيحة (متى9: 13). ويفيضُ البهجةَ والفرح ويرفُضُ الغم والهم والحزن . يُريدُ التوبة لا الأبادة، ويعرضُ عونَ الأخاء لا السيادة. يرى الأثمَ داءًا فيصفُ له الدواء. ويرى الفسادَ بلاءًا فيَعرضُ التراجعَ عنه حماية ً وشفاءَ. الخطيئة موتٌ يقود الى الفناء و الربُ يريدُ الحياة ويدعو الى البقاء. الشَّرُ ضلالٌ وتيهٌ بلا رجاء والربُ نورٌ يرشد الى درب الهناء. يرفضُ الناسُ سبيلَ الله وتعامله الكريم مع من ينبذونهم لأنهم يريدون أن يُسيطروا على غيرهم. وإذ لايقوون على ذلك بالكلمة، وإذ لايُغَّذون تجاههم أي شعور بالمحبة أو الرحمة، يرفضون أن يختلفَ اللهُ عنهم بالسلوك. يريدون أن يكونوا آلهةً لا ليتزينوا بالمحبة ويتكللوا بالرحمة بل ليقضوا على إلـه المحبة والرحمة. لكنهم يفشلون لأنهم ليسوا سوى خلائق لا خالقون. فمن يَدَّعي الأيمان بالله والتَزَّيُن بمكارم الأخلاق والآداب ليَفِضْ، على مثال الله، رحمـةً ومحَّبة.
القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com