الأحـد الأول للصيف !
2016.07.03
عـيد مار توما الرسول شفيع البطريركية الكلدانية
يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< لوقا 14: 1-14 >::-- ويتحدث عن الضيافة والتواضع. يبدأ أولاً بالدعوة الى التواضع لأنه لاحظ أن المدعوين يتبعون غرائزهم ويقدسون آراءَهم الشخصية فيعتبرون الكرامة بتصدر المجالس أوآختيار أقرب مكان أو منصب قرب صاحب الشأن فيمدحهم الناس ويحسدونهم. أما الرب فأكدَّ بأن الكرامة ليس في أن يعتبر الواحد نفسَه كذلك . الكرامة في أن يُقَّدرَه الآخرون، لاسيما الله، ويعتبرونه كذلك. وعن الضيافة دعا الرب أن من يقيم وليمةً لا يدعو اليها من يرتبط معهم بصلة الصداقة، أو القرابة، أو المنصب، او المصلحة. هؤلاء سيعاملونه بالمثل. بل دعا الرب الى إطعام الفقراء والمحتاجين والذين لا يقوون على توفير حاجاتهم، وكم بالأحرى لن يتمكنوا من رد الجميل له بالمثل. عندئذٍ تأتي المكافأة من عند الله مباشرة. ومكافأة الله تكون ثابتة وأبدية.
¨ تُكافَأُ في قيـامةِ الأبرار !
يُحكى عن مار توما أنه إشتهر إسمه كنجار باهر وبنَّاءٍ بارع. طلب منه ملكَ الهند أن يبني له قصرًا فخمًا فريدًا من نوعِهِ. قبل توما العرضَ وطلبَ الى الملك أن يمَّوله بالمال. أعطاه الملك رغبته. وأمر بأن يُزوَّدَ بالمال متى شاء وكم شاء. حسابٌ مفتوحٌ بلا رقيب. سحبَ منه توما ما شاءَ من الأموال وآحتاجها لرسالته السماوية لاسيما لإغاثة المعوزين. إنتظر الملكُ طويلا. حتى سئم الآنتظار. أرسلَ من يستطلعُ الأمر وآندهشوا بأنهم لم يجدوا أثرا للقصر. بدأ الشكَّ ينخر في عُـبِّ الملك. فآستدعى توما وآستفسر منه الخبر. لم يُنكر أنه صرف المال على المحتاجين. غضب الملك وألقاه في السجن وأمرَ بتعذيبه. ثم رأى حلما وشاهد فيه قصرا رائعًا لا تفي العبارات بوصفه. هذا ما حلم به طوال عمره. وإذا ملاكٌ يتظاهر بأنَّه مُكلفٌ ببيعه. وإذا بالرب يسوع يقول "كلا هذا القصر بناه توما لملك الهند". وفي الصباح باكرا إستدعى الملك توما من سجنه وآستفسر منه الأمر فقال له:" هذا هو القصرالذي طلبتَه
وبنيتُه لك في السماء لا أحد يأخذه منك ولا يصيبُه نقصٌ أو خلل للأبد". لقد أولم الملك دون أن يدري المحتاجين وخزن لنفسه عند الله كنزًا لا مثيل له في الحياة الأبدية. أفهَمَه الله بالحلم أنَّ مكافأته هي عنده في قيامةِ الأبرار. القصرالأرضي كان سيخسره لأنه هو يموت ويُصبح القصرُ لغيره ثم ينهار يومًا. أما هذا فيُؤَّبدُ والملك فيه.
لما وزَّعَ زكا نصفَ أمواله على الفقـراء نعتَه الرب بـ" ابن ابراهيم"، أى أنه تصَّرفَ بإيمان (لو19: 8-9). ومساعدة الفقراء والمحتاجين برزت منذ البداية كعنصر أساس للأيمان في الأخلاق المسيحية. لقد وصَّى يسوع :" بعْ ما تملكه و وَّزعه على الفقراء، فيكون لك كنز في السماوات.."(متى19: 21). سمع المؤمنون الوصية فكانوا يتقاسمون الخيرات ويبيعون أملاكهم، حقولا أو بيوتا، بغية مساعدة المحتاجين (أع4: 32-37). وكان لويس التاسع ملك فرنسا يدعو كل سبتٍ الى قصره عددًا من الفقراء والمحتاجين يُطعمهم على مائدته ويخدمهم بنفسه ويزودهم بهدايا و مساعدات عند مغادرتهم. وإشتهرت عالميًا الطوباوية الأم تريزا، التي ستُعلن قديسة في الخريف القادم ، بما فعلته لأيواء المساكين، وإطعام الفقراء، وبناء المساكن للمُهَّمَشين ولاسيما المسحوقين. لم تخدم الأغنياء ولا إعتنت بالأقرباء ولا إقتصرت على خدمة الأصدقاء، بل أطعمت وكست وآوت من لا يقدر أن يوفيَ خدمتها بِأيِّ شكل من الأشكال. كانت مكافأتها عند الرب في السماوات!.
¨ إجلس في المقعد الأخير !
لاحظ يسوع أن المدعوين الى الوليمة يبحثُ كلُ واحد منهم عن مكان في صدارة المجلس. لأنهم يعتقدون أن ذلك يولي شرفًا وكرامة فيعظمون في عين الحاضرين. هكذا دأب البشر حتى صار كل واحد يعتبرُ نفسَه أفضلَ من غيره. أما بولس الرسول فلم يوافق على هذا المسلك بل قاومه وعلم عكس ذلك: " على كل واحد منكم أن يتواضع ويَعُّدَ غيرَه أفضل منه...تخَّلقوا بأخلاق المسيح.. فهو تجَرَّدَ من ذاتِه .. و وضع نفسه وأطاعَ ...لذلك رفعهُ الله.."(في2: 3-11). ليست الحكمة في أن يَدَّعيَ الأنسان الرفعة والمجد لنفسه، ولا هو عدلٌ أن يُطالبَ غيره بتوقيره ورفع شأنِه. الحَّقُ في أن يحكم الآخرون ويُعطوا الكرامة لمن هو أهلٌ لها. لأن الحق ليس في أن يوافقَ سلوكُ الأنسان رأيه في نفسِه. الحق في أن يرى الآخرون تطابق أفعال الناس مع إرادةِ الله. لأنَّ الله هو مصدر الحق ومنه كل مجد و وقار.
لقد قال إرميا :" من أراد أن يفتخر، فليفتخر بالرب" (إر9: 23) و أيَّدَه الرسول فقال : " ليس صاحبُ الفضيلةِ المُجَّربة من عظَّمَ نفسَه، بل من عـظَّمه الرب"(2كور10: 18). أما البشر فيخطأون في تقييم الحق والعدل، وأما الله فهو وحده " الحق والحياة". كثيرون طلبوا المجد والكرامة بالقوة والعنف فآرتفع شأنهم. لكن عِزَّهم لم يدم طويلا حتى " بدَّد الله أفكارَ قلوبهم وأنزلهم عن عروشهم فسقطوا، ورفع عوضهم المتواضعين"(لو1: 51-52).
إنَّ نبتة البنفسج صغيرة وقصيرة يغَّطي عليها الدغل والأعشاب الطويلة. لامتها الأزهارُ والورود على عدم رفعتها. رَدَّت عليهم :" أنا أرتفع على موائد الملوك"!. على مائدة الملك الألهي ترتفع النفوس المتواضعة مثل مريم التي دعت نفسها أمة الرب ، والرب صنع فيها العظائم حى إتخّذها أُمًّا له.
التواضُعُ لا يعني المَذّلة، ولا هو ضُعفٌ. بل يعني أن المتواضعَ يعرفُ ذاتَه كما هي، لا كما يشتهيها أو يَدَّعي عليها. الأنسان مهما سما وآغتنى أو تجّبَّر فهو يبقى خليقة عرضةً للمرض والأهانةِ والزوال. حياتُه لا يقدر لا أن يضمنَها ولا أن يحميها ولا أن يُسعدَها. لا مفَرَّ من الموت. ولابد من الشدة والضيق. له دربُ واحدٌ به يضمن حياته ، أن يتفقَ مع الله خالقِه مُعترفًا مع الرسول بضعفه ومؤمنا أن ذلك الضعف نفسه يتحول الى قوة هائلة بقدرة ونعمة الله الذي يقود حياة الأنسان ويضمنها للأبد (2كور12: 8-10؛ في4: 13). مع الله يشعر الأنسان بالراحة والهناء إذ يتحول جهاده من اجل الحق والبر وينتهي ضيقه الى اكليل المجد بعد الموت.
كل الناس متساوون في طبيعتهم البشرية فلا إنسان أفضل من إنسان. وفي سلوكهم مدعوون كلهم الى التصرف بمحبة لأنَّ الأنسان مجبول على المحبة على مثال الله. فالعلاقة بين الناس يجب أن تقوم على أساس أن البشرية عائلة واحدة، وكل الناس إخوة فيما بينهم يحيون في مودة وإخاء وتفاهم وتعاون وتسامح ولاسيما في آحترام وآهتمام. والأحوج فيما بينهم ينال النصيب الأوفر من العناية حتى لا يشعر أحد لا بغبن ولا بإهمال ولا بتعالٍ. والأفضل حظًا والأعلى موهبةً أو مرتبة يكون خادما للآخرين.

القس بـول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com