الأحـد السابع للـرسـل !
2016.06.26
يُتلى علينا اليوم إنجـيل-::< لوقا 13: 22-35 >::-- يُجيبُ يسوع إلى أسئلة الناس عمن يخلص ويدعوهم الى الدخول من الباب الضيق، أى كبح الشهوات الشخصية وسلوك طريق الكمال الذي هو حفظ وصايا الله وآتّباع شريعته. وإلا نُعَّرضُ أنفسَنا لخطر أن يتنَّكرَ لنا المسيح و يرفضنا في ملكوتِه. يخلصُ إذن من يعرفُ الله ويُحِبُّه ويسمع كلامه ويُطَّبقُه. وليس من يَدَّعي الأيمان بهِ. ثم يُحَّذِرُه الفريسيون من نية قتل هيرودس له ، لكنه يُعلن أنَّ تهديده لن يمنعه من الأستمرار بعمله حتى النهاية وهي مدة ثلاث سنوات. وعن أورشليم يبدي يسوع بمرارة أسفَه لرفض أبنائِها الأصغاءَ إليه ، فيُعلنُ أنه يَدَعُهم يذهبون الى هلاكهم ما زالوا يرفضونه ويرفضون عونه وخلاصَه.
¨ كم مرَّةٍ أردتُ أن أجمع أبناءَكِ !
إنه إعلانٌ خطير يُدلي به الله الى شعبِه المختار. كَوَّنَه الله بمحبتِه ، وحماهم من أعدائهم و من غوالي الطبيعة وكوارثها برحمتِه، ومَجَّدهم بين الشعوب فكَوَّن لهم إسمًا وشهرةً وقوة برأفتِه وأراد أن يكونوا في العالم نورًا وفخرًا لكنهم تحَّولوا ظلامًا وخِزيًا لأنهم رفضوا أن يسيروا في طريقه وفضَّلوا سُبل أهل العالم ومبادِئه. منذ أيام " جنة عدن" أرادَ الله للأنسان حياة المحبة والإخاء. لكن الأنسان إختار الكرهَ والحسد والعنفَ والغدرَ. ومع ابراهيم ، ومع موسى ، ومع داود أراد الله للأنسان أن يسلك طريق الحق والبر ولا يقتديَ بطُرق أهل العالم طرقِ الفسادِ والضلال، لكن الشعبَ عاند وتمادى في غَيِّه وتمسَّك برغائبه وشهواته وأبى أن يسمُوَ فوقَ بقيةِ الشعوب بأخلاقٍ حميدةٍ وحياةٍ كريمةٍ. وها هو الآن بنفسه يدعوهم الى التعَّقل ويًصرح لهم انه وحده السبيل الى الحياة، لكنهم ليسوا مستعدين للعودة عن جهلهم وخططهم ولا حتى للأيمان به.
فأبراهيم الذي تفَّرَد بإيمانه، وموسى الذي سما بثقته وطاعته، وداود الذي تفَوَّقَ ببراءَته و نقاوة قلبه حتى دعاه الله " قلب الرب"، كل هؤلاء القادة رماهم الشعبُ في سَّلةِ النسيان حتى يُبرزوا مجدَهم الخاص لا مجد الله ويفتخروا بأنفسهم لا بأعمال الله ، فتقوقعوا على ذاتهم ، و بنوا أسوارًا بينهم وبين الحق الألهي، وغلقوا على أنفسهم ِكلَّ مداخل نورالحق الألهي، و قطعوا كلَّ قناةٍ تربطهم بالنبع الأصيل فلم يعرفوا طعم ماء الحياة. تَمَّردَ الشعبُ المختار و رفض أن يلتَّفَ حول خالقِه وتحتَ خيمتِه، مثل فراخ الدجاج تحت جناحيها، بل حاولوا حتى أن يهدموا خيمة الله ويمَّزقوها، وأن يبنوا لأنفسهم و حسب ذوقهم أبراجًا وهياكل، و يتبعوا سُنَنَهم الخاصة وشرائعَهم. وقد أثبَتَ عليهم يسوع هذا الأنحراف وهذا التمسُّكَ الأعمى فقط بالتقاليد البشرية مقابل تركهم سنة الله ورفضهم مشيئته (متى15: 3؛ مر7: 6-9). وما يزال البشر يسلكون طريق الألحاد هذا ناكرين الله ورافضين الألتزام بشريعته.
¨ يُترَكُ لكم بيتُكم خرابا !
أمام رفض البشر القاطع لسماع الله لم يكن بوسع الله سوى أن يحترمَ حرية الأنسان لأنه هو من كرَّمه وحباه بها. " ما أردتم أن تجتمعوا حولي في الحب ، ها أترككم مفَّرقين مشتتين و متصارعين في الكره والتنافس والمغالطات ". وبأمثال عديدة بيَّن يسوع أنَّ الله ليس ضعيفًا ولا يسكتُ عن الشر بقدر ما يدعُ الخروفَ الضال العنيد ، الذي يرفض العودة الى القطيع ، أن يجاهد ويُكافح ويخاطر إلى أن يضطره الزمن للعودة بنفسه نادمًا طالبا رحمة الله مثل لص اليمين. ومن جهة أخرى لم يُخفِ يسوع أنَّ الأمتيازات الممنوحة سابقًا قد سُحبت عنه :" سيَأخذ الله منكم ملكوتَه "(متى21: 43). ليس ذلك قصاصا بقدر ما هو إستجابة لحرية الأنسان وآحترامًا لكرامتِه. أ لم يَلُم يسوع يهوذا الأسخريوطي على خيانته، ومع ذلك إحترم قراره بالأنفصال عنه أبديًا. أما أنبأ عن نكران بطرس، لكنه سامحه لأنه ندم وتاب فقبل اللهُ توبته وثَبَّته في مركزه رئيسا لقطيعه على الأرض. كرر الله بيسوع تماما ما فعله منذ البداية مع قائين وآستمر مع بشرية الطوفان، وسيستمر يمارسه مع البشرية الى نهاية العالم لأنه لا يريد موت الخاطيء وهلاكَه بل أن يتوبَ ويحيا أمامه.
الأنسان لا يحترم حرية غيره حتى أولاده بل يفرض عليهم مواقفه. أما الله فلأن حُبَّه أصيل ولأنه كريم ولأنَّ رحمته لا تُقاس بميزان بشري، وكل صفاته وأعماله كاملة وغير متناهية، فهو يحترم حياة أبنائه ويُقَّدسُ حرّيتَهم ولا يقللُ من كرامتهم حتى عندما يخطأون. وفي نفس الوقت يُحَّذرهم من مغبة الأبتعاد عنه ومن مأساة السوء ويُنذرهم من وخامة تجاوزاتهم على أنفسهم وعلى خالقهم :" هل تقول الجبلة لجابلها: لماذا جبلتني هكذا ؟". ما زال عبر الأجيال يسمح للشر أن يذُرَّ قرونه و ينفثَ سمومه القتالة ويُكَّشرَ عن أنيابِه البتارة، والهدف توضيح الدرس فيستفيق الناس عن أوهامهم وعن مخاطر مخالفة سنن طبيعتهم، ولاسيما عن تغافلهم عن الدعوة الى السمو في الحياة على غرار الله ابيهم حتى يتمكنوا من الحفاظ على صداقته وخيراته وأمجاده.
ولكي نتذكر تحذيرات الرب لنقرأ الأنجيل ولنُصغِ بآنتباه الى كلام يسوع ، ولنضع أنفسنا مكان أشخاص الأنجيل ونقتنع بأن ما كتب من أخبار يسوع وأقواله كتبت درسًا لنا، عبرة و تحذيرا (رم10: 11). كتبت لنا لنؤمن بيسوع. لا أن نتعرفَ على سيرته فقط. بل لنشُّـدَ معه أواصر المحبة فنكون معه أحَبَّ الأصدقاء يحيا في فكرنا وقلبنا ويُصبح حياتنا (غل2: 20) أمَّا نحن ففي فكره وقلبه ، في أقصى وأقوى مستوى من الحب ، حتى بذل حياته عنا (يو13: 1)، ليفدي الأمة كلها ، بل ليجمع شمل أبناء الله (يو11: 51-52)، في وحدة كاملة سداها ولحماها اللهُ الثالوث نفسُه (يو17: 20-21).

القس بـول ربــان
 

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com