الأحـد السادس للرسل !
2016.06.19
يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< لوقا12: 57 ـ 13: 9 >::- يبدأ بتوجيه يسوع اللوم الى الناس لأنهم لا يحكمون بما هو حق. وطالبهم بالتراضي مع الخصم وإعطائه حَقَّه وإلا يخضع للقضاء و يتحملُ نتائجَ الحكم في حقِه: وهي عذابُ السجن وإهانته ، بالإضافة الى دفع المُتَرَّتَبِ عليه كاملاً. ثم يعبُر الى أنَّ جميعَهم يحتاجون الى التوبة. لأنَّه ليس بالضرورة أن يكون من يهلكون بالكوارث الطبيعية أوعلى يد الإرهاب الدولي هم وحدَهم خاطئون أو أنهم أخطأ من غيرهم. البشر كلهم ولدوا في خطيئة الأبوين الأولين، وكلهم مدعوون الى أن يُثمروا ثمارا جيدة. فمن يتخلف عن ذلك أو يخالف يقطعه الله من شعبِه ويُلقيه خارج مملكتِه. من لا يسلك في البر لا يحق له أن يفسد حقل الله ويُعثرَ خلائقه. الله صاحبُ الحياة وعلى المخلوقات أن تحترمَ نظام الحياة.
¨ أُحكموا بالحق !
ميَّز الناسُ علامات الأفق في الفضاء وقرأوا فيه الأنواء الجوية للأيام التالية. لكنهم لم يسموا في فكرهم فلم يحاولوا أن يقرأوا علامات الله في الأحداثِ التأريخية. لمْ يهتموا كثيرا بقراءة ما تكتبه الأوبئة والكوارث الطبيعية ، وهي إشارةٌ الى وقوع عقوبةِ حتمية للآثام والأخطاء التي تتآكلُ الأنسانية. وتوالي تلك الكوارث سيؤول الى زوال الحياة. فالإنسان يضع نفسَه في منافسةِ اللهِ تعالى، ويتجاهلُ إثمَه بمخالفة نظام الحياة ، و يُبَرّرُ ضعفَه بقساوةِ عدوه وعُتُوِّهِ؟. إلى متى سيتحملُ الله خيانة إبنِه و وارثِه الأنسان؟. كم ينتظرُ الله بعدُ حتى يستفيقَ الأنسانُ من حلمِه ويتفاعلَ مع الحياة كما ينبغي ويردَّ لخالقه الحُبَّ والكرامة؟.
الحروب، الدماء، الإرهابُ، الحقد، العنفُ، الصراعات، التنافس، الغش، الأنانية ، الدجل، التمييز، الأستغلال، الأوبئة، الأمراض، الزلازل، الفيضانات، الحرائقُ، التصَّحُر كلها ثورة الطبيعة وأصوات صارخة ضد خطيئة الأنسان الذي يُطَرِّشُ آذانَه، ويهمل الحَّقَ والعدل و الإخاء، ويجري وراء شهواته وملذاتِه. لقد أهملَ الناسُ صورتهم الروحية لله وتمادوا في طلب الخيرات الأرضية وأمجاد العالم. لذا دَقَّ يسوع، بقُوَّة، ناقوسَ الخطر المحدق بالأنسان لإهلاكِه ، وقرع أجراسَ الإنذار والتحذير، ونبَّهه الى علامات زوال الحياة الزمنية. فدعاه الى قراءة علامات الأزمنة والأسراع في تحسين أوضاعِه لئلا تداهمَه النهاية وهو غافلٌ عنها. لا يليقُ بكرامة الأنسان وسمو طبيعته أن يستسلم لشهوات الحياة الزمنية فقط ويهملَ مصيره الأبدي. أما الله فيُطالبُه بذلك ويذكرُه به.
¨ بادر الى إرضاءِ خصمِك !
كان هذا نداءَ يسوع وألَّحَ عليه. وقد ذكره متى ضمن المبادئ الأساسية للدستور المسيحي. وكاد يكون حرفيا. ويُثيرُ المبدأ ظاهريا حيرةً تُقلقُ. إذا كان خصمي معتديا خاطئًا وظالمًا فهل عليَّ أن أرضيَه مهما كلفني الأمر؟. صحيحٌ أن الرب دعانا إلى تحَّدي العاطفة و الغريزة فلا نقلعُ عينًا بعين بل نسامح ونغلبُ الشر بالخير. أما أن نوافقَ على الخطا أوالظلم فلا يبدو من تعليم الرب. لأنه هو علمنا ألا نغَّير نعم بلا ولا نُبَّدلَ لا بنعم. ثم إعترضَ هو نفسُه على تدنيس الهيكل (متى21: 13)،وعلى ظلم الحرس الذي لطمه من دون حق(يو18: 23). إذن إرضاءُ الخصم لا يعني التنازل عن الحق والأعتراف بالباطل. وإذا كان الخصمُ ظالمًا فإرضاؤُه يُصبح تواطؤًا مع الشر. في هذه الحالة من هو خصم الأنسان؟.
أولا: يُدعى خصمًا من يُنازعُ حَّقًا يدَّعيه لنفسِه يُصارعُه عليه آخر. فإذا كان لي حَّقٌ هل أتنازلُ عنه لأنَّ ظالمًا يريد أن يستوليَ عليه؟. لا يبدو أن يسوع يدَّعي ذلك وهو الذي أثنى على الأرملة في المداومة على مطالبة حَّقها لدى الظُّلام!.
ثانيًا: تحَدَّثَ يسوع عن الحاكم وعن الطريق أى السير نحو المحكمة ولم يتحدث عن مادة
الخلاف. فهل يقصد خيرا ماديا يُنازَعُ عليه؟. لا يبدو ذلك ويسوع صَرَّح :" من أخذ رداءَك فلا تمنع عنه ثوبكَ. ومن طلب منك شيئًا فأعطِهِ. ومن أخذ ما هو لكَ فلا تطالبه به "(لو6: 29-30). هكذا سبق يسوع ورفضَ النزاع حول أمور دنيوية فلا يحتاج الى تكرارها.
إذن لابد وأنَّ الخصومة واقعةٌ على شيءٍ أهم. شيء يخص الحياة التي هي أسمى من حياة الزمن. وفعلا جاءَ في مبادئ الدستورالمسيحي ما يلي : " إقتنوا أموالاً لا تبلى وكنزًا في السماواتِ لا ينفَدُ ، حيث لا لصٌّ يدنو ولا سوسٌ يُفسِدُ " (لو12. 33؛ متى6: 20). ومن صاحبُ الحياة الأبدية ويطالب بها غير الله؟. ومن ينازعُه عليها ويَدَّعي حرية التصَّرفِ بها غير الأنسان؟.
الخصمُ إذن ليس سوى الله. والطريقُ ليس سوى فترة الحياة الزمنية على الأرض. فالحياة نفسها مُلكُ الله. والأنسان يتصَّرفُ بها على هواه، من دون حق. سيحاسبُه الله عليها ويطالبُه بآحترامها وعدم الأساءة اليها. الله الحاكم الذي يحاسب كل فرد سَلَّم القضاء الى المسيح ، بكر الأنسانية و رأسها،: " الآبُ لا يدين أحدًا بل جعل القضاءَ كله للأبن ... وأولاه سُلطة القضاء لأنه ابنُ الأنسان" (يو5: 22-27). فحَذَّرَ يسوع من مغبة الأعتداد بالذات أكثر من اللازم لأنَّ الواحد لا يقدرحتى ولا على أن يزيد على قامته ذراعًا واحدة (لو12: 25) فكيف يقدرأن ينازع الله على الحياة. إنه خاسرٌ لا محالة. فالأفضل له أن يتجاوبَ في حياته الزمنية مع مشيئة الله ويرضيَه بالسلوك الصالح. إنَّ أيوبَ يدعو اللهَ في شكواه المرة خصمَه وحاكمَه : " أقول لله: لا تحكم عليَّ. أخبرني لماذا تخاصمني"؟ (أي10: 2؛ 9: 15؛ 23: 6-7). مع أنَّ أيوب واثقٌ من أنه على حق في دعواه (أي13: 18) وأنها "هي الرابحة ، لأني خصمٌ مستقيم.. سارت قدمايَ على خطاه ولزمت طريقه وما حادت "(أي23: 7-11). أما الإنسان فأيَّ ضمان له بأنه يقدر أن يربح القضية ضد الله ؟ حياة الأنسان نفسه صادرة من الله. كيف يقدر أن يتفرد بها ويكون صحيحا وهو يُخالف ما سَنَّه لها الله ؟.
على الأنسان أن يكون إذن حكيما وأن يقرأ علامات الأزمنة على ضوء الأيمان ويرى فيها تذكيرا وتنبيها بأنَّ الحياة أقدسُ وأثمن من أن يلعب بها ويدوسها ويُدَّنسها. عليه أن يقبل الحق الألهي ويتفاعل معه، لا أن يعارضَه أو يهمله. فلا ينصبُ نفسه خصما ينازع اللهَ على الحق بل إبنا يحترم نظامَ الله ويفاخر به ويتبعه. عليه أن يتفقَ معه ما دام هو في مسيرة الحياة الزمنية.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com