الأحــد الخامس للرسل !
 2016.06.12
يُتلى علينا اليوم إنجيلُ --::< لوقا 12: 16-34 >::-- يبدأ بمثل الغنيِّ الغبي الذي لا يعرفُ أن يستعمل ثروته بشكل جيد وصحيح، ثم يعبرُالى موضوع الثقة بالله بخصوص مستلزماتِ الحياة المادية والزمنية لأنَّ اللهَ أبٌ وقد دَبَّرَ حاجات أولاده قبلَ أن يسألوه. عليهم أن يهتموا بالحياة نفسها التي لا تفنى والتي تفوقُ الخيرات المادية والتي تحتاج، لضمانها أبديًا، إلى الله والى نشر معرفته والسمو في محبته والأجتهاد في بناءِ مملكته، مملكةِ الحق والبر، في كل العالم. لقد فاضَ الله فضلا تجاه الأنسان بخلقِه والكشفِ عن ذاتِه أنَّه أبٌ لهُ، يهتم به ويرعاهُ كمن يرعى طفله الرضيع. فلا داعيَ للأنسان أن يخافَ على نفسِه ولا أن يقلقَ على مستقبله . بل عليه أن يثقَ بالله من جهة ومن أخرى أن يُجاهِد لتثبيتِ أركان مملكة أبيه السماوي ، و يعمل بآرشادِه لتوفير كنوزٍ روحية لا تزول مع الجسد بل تخلُد مع الروح للأبد.
¨ لا تهتموا بالقوت أو الملبس !
يشعرُ الأنسان بلذة الحياة فيحاولُ أن يُطوِلَّها ما آستطاع، ولا سيما يهتمُ بأن يوفرَ ما يحميها فيقيها البرد والحر، وما يُقيتُها فيجْهَدُ نفسه في العمل من أجل توفير أفضل القوت وأرقى أماكن الراحة وأحدثَ سبلِ خدمتها. ويشحذ ذهنه ويستعمل أفضل التقنيات ليحققَ ذلك. لكنه لا يفلحُ دومًا في توفير كل شيء كما يتمناه هو، فيقلق ويهتم بالأمر حتى ينسى لأجله وبسببه كلَّ أمرٍ آخر. يصُّبُ كلَّ جهدِهِ في توفير حاجات الجسد المادية متجاهِلا الحياة في ذاتِها ، بل وناسيا أن حياته لم تأتِ من الخيرات المادية ولا وفرها الجسد بل هي نفخةٌ من حياةِ الله و روحٌ أبدي من روحِه لا تضمنه الخيرات المادية بقدر ما تضمنه القيم الروحية النابعة من الله : الحق ، الحب، البر وما يتبعها وينتجُ عنها.
فالأنسان يهتم بأمور كثيرة: بالأكل والشرب واللبس والراحةِ ، ويهتم أيضا بسلوك الآخرين، ويهتم بالغد، ويهتم بالسياسة، ويهتم بتكديس الثروات، ويهتم بالصحة، ويهتم بالحرية، ويهتم بالأخبار وبما تبثه الإشاعات والدعايات، ويهتم بالأجداد والأحفاد، ويهتم بالتراث وبالسمعة، ويهتم بالشهادات والأملاك، ويهتم بالمناصب والألقاب، ويهتم بالسفراتِ والسهرات ، ويهتمُ بالقصور والفِلاّت ، ويهتم .. ويهتم بألف حاجة زمنية مُهمِلاً كلَّ ما يخص معرفة الله والتقَّيدَ بشريعتِه الروحية. وإذا لم ينل مأربه منها قلق وحزن، أو خافَ وآضطرب وحتى يئس. وإذا حصلَ عليها وتمتَّعَ بلذتها أنسَته خالقَه و خالِقَها. وحتى إذا لم ينسَهُ كليًا إلا إنه يُهمِلهُ ويُبعِدُه عن دائرةِ حياتِه. وعندئذ يُسَّلِطُ نفسه حاكمًا على كل واحد وعلى كل شيء. وبما أنه " لا تسعُ الديرة لشيخين معا " فتحصل الصراعات السياسية والأقتصادية والفلسفية وحتى الدينية وتنقلبُ حياته الى جهنم من ضيق وقلق وألم وحسرة.
¨ لا تخَفْ أيُّها القطيعُ الصغير !
وعليه قالُ الله لآبنِه :" لا تخف". أنت صغيرٌ في ذاتك وضعيفٌ في قدرتك وغريبٌ في بيتك ولا حول لك ولا قوة في تحقيق كل رغائبك حتى الأبسط منها كزيادةِ قامتك. أما أنا فقادرٌ على كل شيء. أنظر الطبيعة وتأمل الطيورومتَّع ألحاظك بجمال الزهور، لا " تزرع ولا تحصد.. لا تغزل ولا تنسج .. لا تقلق ولا تهتم ". ومع أنها تزول لكن جمالَ هيأتها وفيضَ قُوْتِها لا يصيبُه لا نقصٌ ولا لوم. فكم بالأحرى أنتَ يا إنسان وقد خلقتُ من أجلكَ كلَّ تلكَ المعجزات ، أنتَ لن ينقصك أبدًا ما تحتاجُ اليه لحياتِكَ على الأرض. كل ما تحتاج اليه لسكناك وقوْتك وراحتك فقد وفَّرته وأضمنه لك. أنتَ قد أعطيتُك ما هو أفضل من تلكَ وما لم أعطه لها. لقد أعطيتك جزءًا من حياتي أنا الله. أعطيتك حياة ناطقة عاقلة وخالدة. وهي أغلى بكثير من خيرات الجسد. تلك الحياة غاليةٌ ولا أحد غيري يستطيعُ أن يحميها لكَ أو يضمنها للأبد. أما إذا خرجتَ عن دائرة فلكي فلن أقدر أن أحميها ولا أن أضمن سعادتها لأنها تسبح خارج مملكتي وخلافا لطبيعتها فلن تنال راحتها. لأني لا أقدر أن أعارضَ نفسي . لقد كونتها من ذاتي وأسقيتها بحبي وغذوتها بالحق والبر. وهذا ضمان الراحة والسعادة. أما إذا كانت خارجَ هذه الحلقة فلن تتمتع براحتي بل ستضيع للأبد كما خسرها شعبي الأول (عب3: 15- 4: 11)، لأني سحبتُ عنهم ملكوتي (متى21: 43)، فتاهوا خارجا عنه في الظلمة البرانية (متى8: 12؛ 25: 30) حيث العذابُ الأبدي (متى25: 46).
¨ حيثُ يكون كنزكم هناك قلبكم !
لا يفرضُ الله إذًا شيئًا على أحد، حتى ولا الخلاص. يُخَّيرُ الأنسان ويحترمُ قراره حتى الخاطيء. ليس لله وجهان أو قلبان حتى يقول" ساعة لحبي وساعة للأنسان". لقد أعطى كل حياته للأنسان، فينتظر منه أن يستفادَ منها ويرُدَّ له الجميل لا لأنه هو الله بحاجة الى تمجيدنا له. الكون كله يمجدُه. بل الأنسان يحتاجُ الى أن يبرهن على هويته ويُحَّققَ بسيرته الصورة التي جبله الله عليها : صورة الله الحق والبر. فالحق والبر، والخير والعز، والمجد والهناء في الله. ومن يحب الله ويحب مثله الآخرين يكون قد وفر لنفسه كنزا روحيا يضمن له الحياة مع الله. الله هو كنز الأنسان. وإذا كان قلب الأنسان عند الله يكون قد نال أعظم كنز. أما إذا كان قلبه وفكره متعَّلقا بالماديات والأرضيات فعندئذ يجهلُ الله. لأنَّ التعلق بالخيرات المادية يقلل من المحبة لله ، ومن الثقة به. والتفكير الأناني الزائد بالذات يُنَّسي الإخاءَ ويرفضُ محبة القريب.
لذا دعا الرب أولاده الى عدم جهلِ هويتهم ، وعدم التوقف على الأمور الزمنية و إهمال القيم الروحية ، والى تعلم الدرس من الطبيعة فالثقة بالله والأهتمام بنشر معرفة الله ومحبته بين الناس. بلادنا و وطننا هو السماء. ملكنا ومعلمنا هو الله. نورنا و قوْتُنا هو كلام الله الموحى الينا. ودليلنا وقائدنا هو يسوع المسيح. هذا هو ملكوت الله وبِرُّه الذي يجب على المؤمن أن يطلبَه قبل كل شيء. دستور ملكوت الله هو الحق ، ورايته هي المحبة، وجيشُهُ هو الأعمال الصالحة من صلاة وصوم وصدقة. وسلاحه الخدمة والغفران.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com