الأحـد الرابع للرسل !
2016.06.05
يُتلى علينا اليوم إنجيلُ -::< لوقا 6: 12-46 >::- ويبدأ بصلاة يسوع على الجبل، وآختيار الرسل الأثني عشر، وقوة الشفاء الخاصة به، ثم التطويبات الأربع مع الويلات الأربع و يعبر الى وجوب تفوُّق فضل المسيحيين على غيرهم ليظهروا حَّقًا أنهم" أبناء الله العلي" و ليس أبناء العالم وذلك بالوصول الى مستوى محبة الأعداء والأحسان الى المبغضين وبركة اللاعنين وإبداء الخير والنية الحسنة تجاه المسيئين، وبمختصر الكلام ،كما قال مار بولس، بـ" التخَّلق بأخلاق المسيح" (في2: 5) الذي يحيا في داخل من يؤمن به ويحبه (غل2: 20).
وينتهي بلقطات نيّرة من حياة تلاميذ المسيح، منها: على التلميذ أن يكون صورة لمعلمهِ، و أن يعالج أخطاءَ نفسه قبل التنديد بعيوب الآخرين، وأنَّ المؤمن الحقيقي المثالي يُعرفُ من أعمالِه لأنَّ " كلَّ إناءٍ بما فيه ينضح".
¨ إختارَ 12 تلميذًا دعاهم " رُسُلاً " !
نتوَّقفَ اليوم في تأملنا على أمورٍ نعبرُ عليها عادة عبور قُرّاءٍ كرام دون إعارتها إهتماما تستحِقُه. لو دقَّقنا قليلا في الخبر لربما إندهشنا أمام الغنى الكبير الواسع لعبارات الأنجيل القليلة والقصيرة. هل توقفنا مرة عند العدد 12 إثني عشر مثلا؟. لقد قال الكتاب في بدايتهِ أنَّ الله نظم الحركة الكونية والزمان يتحدد بدوران الأرض حول الشمس وتمُرُّ الأرض بإثني عشر برجا تحدد وتفصل بين أربعة فصول مختلفة وذلك خدمة لضمان حياة الخلائق وفي قمتها الأنسان. فالكون هيكلُ الله والنيّراتُ والأبراج أدواتُ تحقيقِ مجدِ الكون وروعته. وفي هذا هيكل سيحيا شعبُ الله ويعبده ويمجده. ولما كوَّن الله شعبه الأول النموذجي ثَبَّتهُ على إثني عشر سبطا خرجوا من صلب أبراهيم (عدد26: 55) وقسم عليهم أرض الميعاد (عد34: 13-15). وعلى مثالهم وتكملة لمشيئة الله فيتحقق تخطيطه للحياة سيقوم شعب الله الجديد والحقيقي على إثني عشر رسولا يحملون الى العالم بشرى الخلاص مخبرين عن يسوع وحياته وممارسين سلطانه الألهي (لو9: 1). أرسل يسوع الى العالم إثني عشر نفَرًا مزَّودين بعلمه وسلطانه ليُنيروا دربَ الحياة للبشر، ويُنظموا عبادتهم لله.
فالرقم 12 إثنا عشر هو رقم الكمال و آمتدادٌ للأسباط الـ12. وسنجده في أعمال الرسل 1: 15 حيث الكلام عن عدد المؤمنين من زمن يسوع وهو 120 مائة وعشرون مؤمنا، أى 12رسول×10مؤمنين =120 وهو العدد المطلوب لبناء مجمع وتكوين جماعة يهودية، وبتعبيرنا الكنسي اليوم لإقامة " خورنة" !. و سيُثَّبتُ سفر الرؤيا قدسية هذا الرقم عندما يتحدث عن أورشليم السماوية، في المجد النهائي، فيقول:" للمدينةِ سورٌ عظيمٌ شامخٌ له إثنا عشر بابا. وعلى الأبواب إثنا عشر ملاكًا، وأسماءٌ مكتوبة هي أسماء عشائر بني اسرائيل الأثني عشر ... وكان سورُ المدينةِ قائمًا على إثني عشر أساسًا، على كل واحد منها اسمٌ من أسماء رسل الحمل الأثني عشر"(21: 12-14).
¨ سمعان الذي سَمَّاه " بطرس" !
قد لا تقول لنا لائحة الرسل شيئًا إذا إهتممنا فقط بمعرفة الأسماء. أما إذا دققنا فيها، ولاسيما إذا قارناها بلائحة الرسل لدى مرقس (3: 16-19) ومتى(10: 2-4) لجلبَ إنتباهَنا ترتيبٌ مُوَّحدٌ يدلُ على نظام مقصود وهدف منشود. فأولا: تنقسم اللائحة الى ثلاثة أجزاء من أربعة أسماء تتفق في اللوائح الثلاث. 1- سمعان ، أندراوس، يعقوب ويوحنا أبناء زبدى ؛ 2- فيلبس ، برتلماوس، متى وتوما؛ 3- يعقوب بن حلفى، سمعان الغيور، يهوذا أخ يعقوب ويهوذا الأسخريوطي. وأول شيء يلفتُ النظر: سمعان الناكر لكن التائب في رأس القائمة. ويهوذا الخائن اليائس في آخرها. للرسل منصبان فقط : القيادة وهو سمعان، والمالية وهو يهوذا. وكل اللوائح تنعُت يهوذا بـ" المُسَّلِم"، بينما تذكر أن يسوع سمَّى سمعان "بطرس". التسمية في ذاتها دلالة التملك. الأب يُسَّمي إبنه. اللهُ أعطى لأبرام إسمًا ، فقد أختارَه إبنا له من خلاله يبني شعبَه. فيباركه الله ويضمن له كل العون. وهنا يسوع يُعطي سمعانَ إسمًا جديدًا يبني من خلاله شعب الله الجديد المؤمن والمحب، ويضمن نجاحه. فبطرس وكنيسته ملكُ يسوع، ومن سفينة بطرس يبدأ يسوع ويُبشر الناس ثم يجري بأمره الصيد العجائبي الأول (لو5: 3). وفي سفينة بطرس، حيث كانت الكنيسة مجتمعةً، يحدثُ الصيد العجائبي الثاني بعد القيامة بأمر يسوع أيضا (يو21: 3-6). ورسل كل الأجيال سيظهر بينهم ناكرٌ وخائنٌ لكن سفينة المسيح بقيادة بطرس لن تنحَّلَ ولا تغرق. ولا سفينة للمسيح غير سفينة بطرس. وكنيسة المسيح تحتاج حتى النهاية الى من يقودها بأسم المسيح، كما سيظهر فيها أيضا من يستغلون اسم المسيح لمصالح خاصة دنيوية، لكن من يصبر الى النهاية يرى فشل الأخيرين كما و يعاين مجد الأولين. رسل المسيح عبر التأريخ لن يُرَّشحوا أنفسهم ولا يختارون الكهنوت بل المسيح هو الذي يستمر فيدعو صيادين لخدمة البشارة.
ثانيا : الأسماء الأربعة الأولى هم: بطرس وأخوه أندراوس مع أولاد زبدى يعقوب وأخيه يوحنا. إنهم تلاميذ يسوع الأوائل الأربعة (يو1: 40-42). وكان اولاد زبدى شركاءَ بطرس وأندراوس في الصيد (لو5: 7 و 10). كانوا المهتمين الأكثر بمجيء المسيح المخلص و المترقبين ظهورَه ، والأوائل إلى الإستجابة لدعوة يسوع في إتباعه (متى4: 18-22). وكان بطرس مع إبني زبدى الرسلَ الثلاثة المفضَّلين ليُعاينوا ثلاثة أهم مشاهد حياة يسوع، وهي : إقامة ابنة يائير(لو8: 51)، التجلي (لو9: 28)، والنزاع في بستان الزيتون (مر14: 23). بين فريقي بطرس ويوحنا علاقة عمل جماعي مشترك مبنية على تفاهم وتعاون ولذا يختار يسوع بطرس ويوحنا ويرسلهما لتحضير مستلزمات الفصح (لو22: 8)؛ و بطرس ويوحنا يركضان الى القبر للتأكد من خبر إختفاء جسد يسوع (يو20: 3) وخبر قيامته (لو24: 22-24) ؛ بطرس ويوحنا ويعقوب سيدعوهم مار بولس" عمداء الكنيسة "(غل2: 9) أى دعائم سندها وإدارتها بقيادة بطرس (أع15: 7). ولهذا لهؤلاء الأربعة الصدارة في كل اللوائح و بنفس التسلسل، بدءًا ببطرس ، عدا مرقس يُحَّولُ أندراوس الى الرقم الرابع. ربما ليحتفظ بتسلسل الثلاثي المتمَّيز!.
ثالثا : يأتي في المجموعة الثانية فيلبس، برتلماوس (وهو نثنائيل)، متى وتوما. يبدو أنَّ تسلسلهم يتبع أسبقية إيمانهم بيسوع وآستجابة دعوته لهم لتبعيتِه. ففيلبس هو الخامس في الدعوة يليه برتلماوس (يو1: 43-50) ثم متى (متى9:9). أما توما فلم يذكر الأنجيل متى دعاه الرب. ولكنه أحد الستة الذين رافقوا بطرس الى صيد السمك بعد القيامة مع ابني زبدى وآثنين آخرين(يو21: 2). ويبدو مقامه أرفع من رفاق آخرين بدليل أن يوحنا سجَّلَ له موقفين آخرين متمَّيزين: الأول عند وفاة لعازر (يو11: 16) والثاني بعد قيامة يسوع (يو 20: 24-29).
رابعًا : تأتي المجموعة الثالثة التي يبقى تسلسلهم ثابتًا لا يتغَّير، وهم : يعقوب ابن حلفى ، سمعان الغيور، يهوذا ابن حلفى ويهوذا الأسخريوطي. أمام هذه الحقائق لابد وللباحث أن يتساءل: لماذا هذا التقارب الى حد التشابه حتى يقدر الواحد أن يظن بأنَّ الأنجيليين نقلوا عن بعضهم؟. يوحنا لم يذكر قائمة الرسل إنما إنفرد بذكر أسماء من كانوا الأوائل في الألتقاء بيسوع. لوقا لم يكن لا رسولا ولا تلميذا من الأثنين والسبعين. بقي متى وهو رسول و مرقس وهو تلميذ. ومعروف أنَّ مرقس هو الأول في كتابة الأنجيل. يليه لوقا ثم متى. ومن المفروض أن متى أجدر من غيره بإعطاء القائمة الصحيحة كما عاينها أثناء وجود يسوع معهم. ولاسيما عند إختياره هؤلاء الأثني عشر لمرافقته بآستمرار. ربما كان مرقس أيضا حاضرا ما دام هو تلميذ من البداية. على أية حال يبدو التقيدُ بتسلسل الأسماء مقصودًا و منظما، وربما بارادة يسوع نفسه!. خالف متى فقط بتقديم توما على نفسِه، وربما تواضعا. كما يبدو أن المراتب أعلنها يسوع منذ بداية دعوته لهم كما جاء على لسان مار بطرس : " تعرفون أنَّ الله اختارني من بينكم من زمن بعيد ليسمع غير اليهود من فمي كلام البشارة " (أع15: 7).
¨ حدث ذلك ليكون لنا مثلا ! 1كور10: 6
ورُبَّ قائل:" وماذا تنفعنا كل هذه التفاصيل ؟. نعم قد لا تزيد من إيماننا ولا تُنقِص، ولكنها مفتاحٌ لما لا فقط ينفعنا بل ونحتاج اليه. لذا قال بولس "حدث كلُ ذلك ليكون لنا مثلا " (1 كور10: 6). قال الله لموسى "إحرص أن تصنع كلَ شيء على الطراز الذي أريك إياه على الجبل" (عب8: 5؛ خر25: 40). فما يحدث على الأرض لشعب الله تنطلق جذوره من السماء. وبكلام آخر يعمل المؤمن بالله كل شيء على الأرض بالعلاقة مع الله، لأنَّ حياته منه و اليه تعود. فحياتنا تعبيرٌ عن إيماننا. حياتنا لا تكتمل الا في الله. والكنيسة جسدُ المسيح ابن الله. والله بالمسيح أصبحَ ابنَ الأنسان. فصارالأنسان شريك الله في صقل الكون وتجميله. فيعمل الأنسان مثل الله ومعه وبقدرته، ولاسيما بفكره ونظامه. لذا قال الرسول " أما نحن فلنا فكرُ المسيح" (1كور2: 16)، وأضاف فطلب من مسيحيي كورنثية أن يكون بينهم " كل شيء بلياقةٍ ونظام "(1كور14: 40)، لأنَّ الهنا " ليس إلهَ فوضى، بل إلهَ السلام" (1كور 14: 33).
فكرٌ وأدبٌ ونظام هذا هو إيمان الشعب المسيحي. لقد عاش المسيح وعمل " بنظام". ونظم كنيسته من بعده لتسير على النظام لتضمن البقاء على خط الله الروحي. إذا كان موسى قد عمل بما إستوحاه من الله والسماء فالمسيحُ لم يقل ولم يفعل إلا ما رآه وسمعه من الله ، لأنه هو نفسه الله. وعَـلَّمَ كنيسته أن تقتدي به وتعمل مثله. ولا يتردد بولس من تأكيد ذلك:" إقتدوا بالله على مثال الأبناء وسيروا في المحبة سيرة المسيح" (أف5: 1)؛ ويضيف : " وتخَّلقوا بأخلاق المسيح" (في2: 5). وأعطى الرسلَ نماذج للأقتداء بهم، وبالمسيح عن طريقهم:" إقتدوا بي كما أنا أقتدي بالمسيح" (1كور 11: 1). نقتدي فنتعلم أن نسلك في النظام، وأن نرفعَ دوما فكرنا وألحاظنا الى السماء لنتعلم منها كيف نُسِّلطَ الروحَ على أعمالنا وسلوكنا وحيانتا كلها.
والأناجيلُ كتبت لنا لنؤمن ونحيا (يو20: 31) مع المسيح وبه وله، لأننا " سواءٌ حيينا أو مُتنا فإنَّ للرب"(رم14: 8). والكنيسةُ أُسِسَّتْ لأجلنا، لتلمذتنا، وتعميدنا، وتعليمنا (متى28: 19). من فم رئيس الكنيسة نتقبلُ الحقيقة، ومن كهنوت الرسل ، على أيدي الاساقفة والكهنة ، ننال خدمة النعمة والمواهب الروحية. ونؤدي دورنا بنظام في المجموعة التي يشاؤُها الله لنا في أداء رسالة الخلاص.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com