الأحـد الثالث للرسـل !
2016.05.29
يتلى علينا اليوم إنجيل -::< لوقا 10: 23-37 >::- ويقُصُّ علينا خبر السامري الصالح. إنه مثلٌ إبتدعَه يسوع ليُفهمَ حقيقة حياتية ويلقي درسًا في الأخلاق، نقله الأنجيلي ليُبَّلِغَنا التعليم الذي يريد الله أن نتنوَّرَ به. إكليريكيون يهود يفَّسرون خطأً شريعة الله ويُقَّصرون في واجب المحبة تجاه الناس كما أراده الله وأوصى به من عهد موسى" أحببْ قريبَكَ كنفسِك" (أح 19 : 18). معلم للشريعة يحاول إحراج يسوع فيتظاهر بالأيمان وبرغبة الأجتهاد في الخلاص ويسأله عن وسيلة للبلوغ الى الحياة الأبدية ثم عن تعريف القريب. فأعطاه مثلاً عن سامريٌ ، ويعتبره اليهود كافرًا فيكرهونه، عرفَ من هو قريبُه وأَحَّبَه وأدَّى له الخدمة المطلوبة.
¨ الـذي رحِمَـهُ !
وكانت علامةُ المحَّبة أنه رَحِمَه. فالرحمةُ صورةُ المحبة والتعبيرُ عنها. ولم يُعَّبرْعن الرحمة بالدعاءِ للمجروح بالشفاْءِ العاجل والتام. لم يطلب له الرحمة من الله. بل هو رَحمَهُ فـتوقفَ عن سيره وآجتهد في إغاثته. فداوى جرحَه ما آستطاع، وحَمَّله على دابَّتِه وأخذه الى الفندق، وصرَفَ عليه مالا وكفَلَ أن يُكَّملَ المصروفَ إذا لم يكفِ ما دفعه لِتَوِّهِ. لقد أنقذه من ضيقِه ، و وَّصى أنْ يُكَمَّلَ علاجُه الذي لم يقوَعليه بنفسِه. مع العلم بأنَّ الجريحَ المسلوبَ يهوديٌ و منقذه سامريٌ. وبين اليهود والسامريين كُرهٌ وعداوة حتى رفض السامريون مرة ليسوع أن يبيتَ عندهم (لو9: 52). ولا يخالطون بعضهم (يو4: 9)، لأن ألسامريين كانوا دخلاء قدموا من " بابل وكوت وعَوَّا وآستوطنوا السامرة " (2مل17: 24). وكان اليهودُ يَنعِتون المجنون بـ " سامري" (يو8: 48). لكن صاحِبَنا تعَّدى كلَّ هذه السلبيات وآعتبرَ المضروبَ من الأهل والعشيرة وعامله كذلك. تحَدَّى العواطفَ والمشاعرَ ليتقَّيدَ بالتوجيه الألهي ويحترم الإنسان الآخر ويعامله كقريبٍ له.
وهنا الدرسُ. يتغَرَّبُ الناسُ عن بعضِهم لأسبابٍ عاطفية وحسّية كثيرة. أمورُ الدنيا كلُها : أمجادُها ومنافعُها، عاداتُها وتقاليدُها، مبادِئُها ومذاهِبُها تُفَّرقُ بين الناس وتُبَّعِدُهم عن بعضهم ،حتى تزرعُ أحيانًا بينهم الحقدَ والعِداءَ ، وأقلهُ اللامبالاة وعدم الإكتراث بأحوال الآخرين و لاسيما بمصائبهم. تستأصلُ الحُّبَ وترذلُ الإخاء وترفضُ البذل لتُحِلَّ محلَها الأنانيةَ والعنفَ والقساوةَ. وإذا سلكَ الأنسانُ سبيل الجسد والحواس فما أقساهُ وما أغباهُ. لأنَّ الجسدَ في كل إنسان يختلفُ عن غيره، وتتعارضُ رغباتُه ومتطلباتُه. لهذا نعتَ اللهُ شعبه ، الذي ركض وراء حاجات الجسد من الأكل والشرب والكبرياء، فوصفه بـ" غليظ الرقبة و قاسي القلب" (خر16: 3؛ 32: 9؛ 33: 3).
بينما يريدُ الله أن يسلكَ الناسُ سبيلَ الروح. الروحُ يُوَّحد لأنه واحد في كل البشر. إنه الروحُ الألهي الذي يُحيي كلَّ إنسان. وروح الله ينزعُ الى الحياة. و الحياةُ محبة وخير. وفي الروح والمحبة والحياة كلُ الناس أقرباءُ وأحباء. فأنا الحي لا أقدرُ أن أنكُرَ الآخرالحي مثلي. وأنا الذي يُحب لا أقدر أن أحتكرَ الحب فيَّ فقط. كلُ الناس تُحب. وحتى لو إنتمينا بأجسادنا الى أقوام ومذاهبَ وحاجاتٍ مختلفة إلا إننا بالروح والفكر كلنا صورة الله الناطقة المتشابهة بالقوى والطموح. لأنَّ اللهَ الواحدَ مصدرُنا وراعينا وقاضينا. فإذا كنا بالجسد أقرباءَ فقط ، إلا إننا بالروح إخوةٌ وأبناءٌ لأبٍ واحد، الله. لنا نحن روحُ المسيح. لأن" روحَ الله يسكن فيكم .. والذين يقودهم روحُ الله هم جميعا أبناءُ الله.. والله يعملُ مع الذين يُحبونه .. وهم إخوة الأبن البكر"(رم8: 9-29). والرحمةُ بين الأخوة لا تقبلُ جدالا و لا تطلبُ بُرهانا.
¨ ماذا أعمَــلْ !
هذا كان سؤالُ عالم الشريعة الذي أرادَ إحراجَ يسوع. ثم أتبَعه بسؤال ثانٍ هو" ومن هو قريبي"؟. وبمثل السامري الصالح بيَّنَ له يسوع ماذا يعمل ليرثَ الحياة الأبدية ومن هو قريبُ الأنسان. أما عن ماذا يعمل، فهو أن يعمل للآخرين ما يريدُ أن يفعله الآخرون له. و آختصرها بمحبة الله ومحبة القريب. لأنَّ المحبة هي مصدرُ كل شريعةٍ ، تختصرُالشريعة والأنبياء (متى 22: 40). لأنها تُصَّورُ مبدئيا مشيئة الله و شريعته. وشريعةُ الله هي أعماله. والمؤمن بالله مدعو أن يسلكَ مثله (متى7: 21). واللهُ يحب ويرحم. أما عن من هو القريب، فالمثال واضحٌ وصريح : إنه كلُ إنسان ، ما دام هو أخٌ في الأنسانية، ولاسيما الذي نتعاملُ معه أو نلتقي به ولو صدفةً، يحتاجُ الى خدمةٍ ومساعدة حتى لو لم يطلبها، وقبلَ أن يطلبها. لا يتعاملُ الأنسان مع مثيله وأخيه الأنسان بناءًا على مظهره أو مذهبه أو آرائه، حتى ولا بناءًا على سلوكه الإعتيادي، بل بناءًا على إنسانيته وبُنُـوَّتِه لله وأُخوَّته له. لا يخدمُ المؤمن غيرَه بناءًا على تصَّرفاته وتعامله، سَّيئًا كان أم جَّيدًا، بل ينطلقُ من حبه الشخصي وإيمانِه ودعوتِه الى خدمةِ غيرِه.
¨ إعمَــل مثلـه !
يقول أهلُ العالم : نحبُ من يُحبنا ونعادي من يُعادينا. وسبق يسوع فقال : سمعتم أنه قيل :" العينُ بالعين.. أحبِبْ قريبَك وآبغِض عدوَك. أما أنا فأقولُ لكم: أحبوا أعداءَكم "(متى5: 38-44). ويقول يسوع الآن :" إعمل مثله". أعطانا السامريَ الصالح نموذجًا نتعلم منه ونقتدي به. لم ينطلق السامري من خلافاته مع اليهودي ولم يتصرف على ضوئِها. بل قدَّر الحالة و تصور لو كان هو المنكوب ماذا كان يتمنى أن يفعله الآخرون له؟. فتصَّرفَ كما تمَّنى. مثله لا ينطلقُ المسيحي في تعامله مع الآخرين بناءًا على ما هم عليه، بل بناءًا على حياته كتلميذ للمسيح ولاسيما بناءًا على المسيح الذي يحيا فيه (غل 2: 20)، فيشُّعُ المسيحَ بأعماله الى الخارج ليؤمن به العالم. لا يوقفه بُغضُ الآخرين له والمسيئين اليه بل ذلك يدفعه إلى إبداءِ حبه وغفرانه ، والى عرض خدمتِه على كل الناس. يتعاملُ مع غيره كما يتمنى أن يُعاملَه غيرُه. لا يعرفُ أو يرى فكرُه الآخرين سَّيئين ولا يحُّسُ قلبه بكدر أو غشاوةٍ تمنعُه من حب الآخرين. إنه يمثلُ فكرَ الله وقلبَه وينظر الى غيره، أيٍّ كان، بعين الله وحرارةِ حبه غير المحدود.
فبسلوكٍ من هذا القبيل يكون المؤمنُ قريبًا لجميع الناس ، ويكون كل الناس أقرباءَه ، ويقدر أن يحيا حياةً يرضى عنها الله. وتلك هي الحياةُ الأبدية أى يتمتعَ الأنسان بحياة الله نفسه وهو أبديٌ ، فيكون مع الله و" يشاهدُ وجهه ويكونُ اسمُه {الله} على جبهتِه... ويكون الربُ الأله نورَه وهو سيملك الى أبد الدهور"(رؤ22: 4-5؛ اش60: 19؛ دا7: 18).
القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com