الأحـد الثاني للرسـل !
2016.05.22
يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< لو7: 31-50 >::- وينقلُ لنا خبر الخاطئة التائبة على أقدام يسوع في مأدبةِ في بيت أحدِ الفريسيين. إنتقدَ الفريسيُّ، في قلبه، سكوتَ يسوع وآستقباله للخاطئة. وآستدَلَّ بذلك أن يسوع ليس نبيا، لأنه لم يكتشف سوءَ المرأةِ ولم يرُدَّها عنه. لكن يسوع ، الذي لا يحتاجُ الى أن يسأله أحدٌ لأنه يعلم ما في القلوب (يو16: 30)، والذي جاءَ" يبحثُ عن الهالك ليُخَّلِصَه" (لو19: 10)، لم يُفَّوِت الفرصة ليُخَّلِصَ الهالكَ الأصلي والتائبَ معًا. نعم كانت الزانية تسلكُ دربَ الهلاك فمسك بيدها الممدودة نحوه وأنجَدَها فأنقذَها. و لكنه أنجدَ كذلك الفريسَيَّ نفسَه الذي أكرمه ، رغم تقصيره في واجب الضيافة اللائقة بمقام الضيفِ و المضيف، عندما كشفَ لهُ لاهوتَه مُبَّيِنًا له أنه فعلا نبيٌّ، بل وأكثر، لأنه يعرفُ عن الخاطئة كلَّ شيْ ، بل ويعرفُ أكثرَ مما عرفه عنها الفريسي ، لأنه يعرفُ ما في داخل الأنسان. فإذا كان الفريسي عرف ظواهر حياة المرأة إلا إنَّ يسوع عرف حتى ما في فكرها وقلبها. عرفَ عمقَ محبتها لله وحقيقة توبتها وتصميمها على تغيير سلوكها.
¨ غُفِرَتْ لكِ خطـاياكِ الكثيرة !
عرفَ يسوع أنَّ المرأة التي بكت على قدميه وغسلتهما ودَهنتهما بالطيب هي خاطئة. و لم يكن فِعلُها هذا سوى دليلٍ على إعترافها بأنها خاطئةٌ، وأنها نادمةٌ على إثمِها، وتائبةٌ من كل قلبها. وما ركوعُها عند قدميه إلا تلاشيًا أمام جلاله وطلبًا للرحمة والغفران.لابد وبلغها خبرُ دعوته الناس الى التوبة وتصريحُه " ان المرضى والخطأة يحتاجون الى طبيب، وأنه يريد رحمةً لا ذبيحة "(متى9: 12-13). وها هي فرصَتها وهو متكيءٌ في بيت فريسيٍّ ينكرُ عليها حَّقها في الحياة. وهي متشبثة بالحياة. تجازفُ ُوتُخاطرُ من أجل الحياة. إنها مستعدة لدفعِ أغلى ما لديها ولا يغلو شيءٌ في عيونها أكثر من الحياة و من أجلها يرخصُ كلُّ شيءٍ لديها: وهل أغلى عند المرأةِ من " دموع العين، وزينةِ الشعر، وعِطرِ الطيب، وقبلةِ المحبة "؟. لقد مَلَّتْ نظرات الناس المزدرية بها. إنها مائتة لا محالة : إن لم يكن برجم الحاقدين فبنارعدالة الله. وتتطلعُ الى رفع رأسها أمام الناس وعينيها الى الله. وقد سمعتْ أنَّ يسوع لم يحكم بالعدل، حسب شريعةِ الفريسيين،على المرأة الزانية التي مُسكتْ بالجرم المشهود، بل رحمَها وغفر لها ، فتشَّجعت وتقدمت الى منبرهِ مُقِرَّةً بذنوبها وواثقةً برحمتِه. لأنها أحَسَّتْ أنه صادقٌ في كلامهِ وأصيلٌ في دعوتِه. آمنت به ، و أحَبَّتْهُ و وثقتْ به.
¨ حيث تكاثر الأثم فاضت النعمة ! رم 5: 20
جاءَها جوابُ يسوع واضحا صريحا لا يقبل الشك: غُفِرَتْ لكِ خطاياكِ الكثيرة، لقد أحبَبْتِ كثيرًا. إيمانكِ خلَّصَكِ (الآيات 47-50). قالها على مسمع ودهشةِ الحضور ومنهم الفريسي الشَّكاك. لم ينظر يسوع الى كثرة خطاياها والى قباحةِ نوعها. بل إستكبرَ فيها حُبَّها العظيم. هذا هو الله. لقد خلقَ الأنسان من عظمة محبته، وجبله بالحب صورةً له، ويفرح عندما يراهُ يعيش في الحب، ولاسيما عندما يتطهرَ من نجاستِه بقوة حبٍ عارم له. هذه هي رحمةُ الله تجاه ابنه الأنسان.لا يعاقبه حالما يخطأ بل يتأنَّى عليه ويعطيه مهلة الرجوع اليه. مهما عظمَ إثم الخاطيء إلا إنَّ المحبة التي جُبِلَ عليها تفوقه، لأنها من بذرة الله، لا يقوى شر الأنسان على محوها. ومهما قبُحَ إثمُ الأنسان أوقَلَّتْ محبته لله إلا إنها لا تزول من قلبه الذي يستمرُّ و يصبو دوما الى الحب الأصيل. لذا ينتظر الله عودة الخاطيء ويُشَّجعه على المحبة التي تقوده الى التوبة كما تقودُ المحبَّةُ اللهَ الى الرحمة والغفران. وقد إختبرها داود النبي حتى صرخ :" إرحمني يا الله بحسب عظمة رحمتِك" (مز51). وقد برهنت المرأة الخاطئة على حبها الكبير فنالت رحمة الله العظيمة. لقد سمعت عن يسوع وتابعت أخبارَه وآلتذَّتْ بكلامه فآمنت بتفوُّقِهِ وقداسةِ سيرته وأنه وحده طبيبُها الشافي، فقصدته ونالت رحمته.
¨ أما أنتَ فلم تُقَّبِـلني !
الفريسيُّ أيضا لم يُحرمهُ يسوع من رحمتِه. إنما عاتبَه بلطفٍ لتقصيره بالقيام بواجبِ الضيافةِ، وبعدم إيمانه وحبه لله. ربما أهملَ عن بُخلٍ أو عن عدم معرفة. لقد تظاهر بتقدير المعلم ولم يحترمْه كما يلزم، بينما قدمت له الخاطئة أغلى ما ملكتْ: الدموع ، والزينة و العطر الطيب. تظاهر وكأنه يعرف المرأة جيدا، لكنه لم يعرف منها سوى المظهر الخارجي وقد جهَلَ كليا ما في فكرها وقلبها ونيتها. إدّعى أنه يعرفُ شريعة الله ويحفظُها ويحميها لكنه لم يعرف " أنَّ الله ، وإن كان لا يُبريءُ الأثيم ويعاقبُ آثام الأنسان حتى في البنين و الأحفاد ، رحيم رؤوفٌ، بطيءُ الغضب وكثير المراحم والوفاء،.. يغفرُ الأثم والمعصية و الخطيئة "(خر34: 6-7). تعالى على غيره الخاطيْ معتبرا نفسه قديسا بينما نسيَ هو أداءَ واجبه حتى تجاه ضيفه. وكم بالأحرى أهمل واجباته تجاه الله ؟.
لقد شهرَ يسوعُ يوما حكمه في وجه الفريسيين والكتبة :" أنتم لا تعرفوني ولا تعرفون أبي" (يو8: 19)، ونعتهم بـ" القادة المرائين العميان"(متى23: 13-16)، وأضاف : " لو كنتم عميانا لما كانت لكم خطيئة. لكنكم تقولون الآن إننا نبصر، فخطيئتكم ثابتة"(يو9: 41). أما الذين منهم آمنوا وتابوا فقد نالوا رضى الرب وبركاته مثل نيقوديمس ويوسف الرامي (يو 19: 39). ومثلهم عشارون : متى (متى9:9) وزكا (لو19: 9) والعشارالنموذج (لو18: 13). وقد فضل أمثال هؤلاء والخاطئة على أولئك (متى21: 31-32). مع ذلك لم يحرمهم عنايته و حبَّه ورحمته. فبينما هم يسخرون منه وهو على الصليب (مر15: 31) طلب هو لهم غفران الآب (لو23: 34). بينما سبق ودعاهم الى التوبة ولم يرعووا :" إن لم تتوبوا فجميعكم تهلكون "(لو13: 3). لذا لم تقتصر رحمة الله وتحل فقط على المرأة الخاطئة، بل إتجهت ايضا الى الفريسي المُضَّيف رامزا الى أنه هو أيضا مديون لله ولو { خمسين دينارًا } فقط مقابل الـ {خمسمائة دينارا } للخاطئة (آية 41)، وبالتالي أنه هو أيضا { خاطيء }. وإذا أحب مثلها سوف يغفر له الله مثلها ذنوبه كلها حتى لو كانت قليلة، أي أقل من خطايا المرأة (آية 47).
¨ أحَبَّتْ كثيرا.. إيمانك خلصَك !
من المؤكد أنَّ المرأة خرجت وهي تطيرُ من فرحها وراحتها لأنها نالت ما طلبته بسكوت. نالت الرحمة والغفران. نالت حياة الروح برضى الله عنها. لقد أعطاها السلام :" إذهبي بسلام"!. يبدو أنَّ الذي سكت حزينًا ولعقَ جراحَ غباوة تصَّرُفِه كان الفريسي نفسه. لقد فشل في فكره. وتلقى لومًا لتقصيره في واجب الضيافة. وبدا جاهلا إذ قاسَ الأمورَ على شريعته وليس على شريعة الله. فقد تبعَ مثل كل الفريسيين سُنَّةَ الشيوخ مهملاً شريعة الله؛ وقد قالها يسوع يوما للفريسيين والكتبة :" ما أقدرَكم على نقضِ وصيةِ الله لتقيموا سُنَّتَكم" (مر7: 8). بدا هو الأخطأ ولم يقدر أن يدفعَ عن نفسِه التُهَم. مع ذلك طمأنه يسوع وقدم له العلاج الشافي. وكأنَّ يسوع يُلَّوِحُ اليه عندما قال:" ومن يحبُ قليلا يغفر له القليل"(آية47). المرأة التائبة نموذجٌ له ودعوة للأقتداء بها. إنها أمنتْ، وأحَبَّتْ، وتواضعتْ فأقرت بإثمها وسألت الرحمة. لم تنتقد أحدًا. لم تَدِنْ أحدًا. لم تنافقْ. لم تتعالَ على أحدٍ. لم تزدَرِ أحدًا. لم تحسُدْ أحدًا. لم تخجل من الآخرين بل من نفسها. وبادرت الى إخراج الخشبة من عينها حتى ترَ غيرَها على حقيقته. بهذا الوجه النقي والفكر المستقيم الذي أبرزته أمام الرب إستَحَّقتْ أن تنالَ رحمة الله وحظيت بالسلام والخلاص.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com