الأحـد الأول للرسل !
عيد العنصرة 2016.05.15
تذكار مريم حافظة الزروع
يتلى علينا اليوم إنجيل -::< يو16: 1-15 >::- يُذَّكرُ يسوع تلاميذه بآضطهاد العالم لهم و سيكون ذلك قاسيا عليهم ويحزنون بشدَّة لاسيما وهو غائبٌ عنهم بالجسد. لكنه يُطَمْئِنُهم بأنَّ غيابه يؤول الى مصلحتهم، لأنه إذا ذهب فسيُعَّوضُ عن ذلك بإرسال الروح القدس اليهم. و وجود الروح القدس يُنصرُهم على أعدائهم فيُخزيَ العالم على سبله الملتوية وفساد آدابه. و يُخزيه لأنَّ الله رفضَ فكرَ العالم ومجَّدَ المسيح الذي رفضه العالم. ويخزيه لأنه يسلبُهُ سلطته ويدين سيده وحاميه ابليس. والروح يعملُ في الناس بحيث تكون البادرة والفعل منهم. فأبناء آدم سيسلكون سبيل الروح ، وهو يوحي اليهم ما لم يُكلمهم عنه يسوع لأنه لم يكن قد حان زمان كشفه وإيحائه. وبما أن الروحَ يرافقهم مدى وجود الكنيسة فسيُوَّجه رسلَ كل زمان و مكان، حسب الظرف الخاص والحاجة المحددة، لتطبيق تعليم الله الحَّي للبشرية جمعاء عبر العصور والأمصار. سيكشف كل حقيقة في أوانها عندما تطفو الحاجة إليها على السطح، و عندما يكون الناس مهَّيئين لآستيعابها والتفاعل معها.
¨ لا يزالُ لدَّيَ أشياءُ أقولها لكم !
يبدو يسوع وكأنه لم يكمل رسالته كلها. بقي منها أشياء أو تركها للروح حتى يكشفها. لكنَّ يسوع أكد، في صلاته الأخيرة أمام التلاميذ أن :" أتممتُ العملَ الذي وكلته إليَّ "(يو17: 4). وأعلن على الصليب أن :" تَمَّ كلُ شيء " ثم أسلم روحه (يو19: 29-30). لم يبقَ من الحقيقة الألهية شيءٌ، جاء من أجل الشهادة له، لم يُعلنه يسوع. كلُّ ما طلب منه الآب أن يقوله أو يفعله لقد قام به:" طعامي أن أعمل مشيئة من أرسلني و أن أُتمَ عمله" (يو4: 34)، فلا " أعمل شيئا من عندي، بل أقول ما علمنيه الآب"(يو8: 28)، و" لم أتكلم بشيء من عندي"(يو12: 49).
مع ذلك لقد شهد للحقيقة الجوهرية وكشفَ أنَّ الله واحد في ثلاثة أقانيم أو صفات جوهرية هي: القدرة والمعرفة والحياة. كشف أن الأقانيم متفقة في كل شيء وتعمل كواحد. فليس في الله سوى مشيئة واحدة وعمل واحد (آيات 13-15). ورأى الأنسانُ اللهَ في شخص يسوع : "من رآني رأى الآب"(يو14: 9) لأن يسوع مُرسَلَ اللاهوت هو صورة جوهر الله (عب1: 3)، الذي هو أبٌ ومحبةٌ ورحمة. هذا الله الأب تواضع فآنحنى برحمته على الأنسان، وحَّنَ عليه فداوى جرحه البليغ وشفاه وأعاده الى فردوسه، وأجلسه عن يمينه (مر16: 19؛ عب 1: 3) سيّدًا ومسيحًا (أع2: 36). هذه هي الحقيقة الأساسية التي لم يكن بوسع الأنسان أن ينال معرفتها بذهنه الخاص، وقد كشفها يسوع للعالم، وعلى هذه الحقيقة ستقوم العلاقة من الآن وصاعدا بين الله والأنسان. الله الخالق والسيد أبٌ يحب يعين ويرحم، والأنسان إبنٌ شريك و وريث في المجد والحياة سالكًا سبيل الروح.
¨ لا تطيقون الآن حملَها !
يسوع كشف الحقيقة شاهدا لحياة الله. الحقيقة تخص الله فلن تتبدل أو تتغَّير. أما الشهادة فيؤديها الأنسان المؤمن بالله. والأنسان ليس واحدا فقط. ولا يؤَّبدُ على الأرض. ولا يتواجد في كل الأمصار. ولا يتفق في كل الأخلاق والآداب. فلم يكن بوسع الرسل أن يحيوا للأبد على الأرض حتى يستمروا ويشهدوا للحقيقة التي تلقوها. ولم يكن بوسعهم أن يتواجدوا في كل بقعة من الأرض لينقلوا الحقيقة الى سكانها وبلغتهم وحضارتهم. ولم يكن صحيحًا أن ينعمَ جيل من البشرية فقط بحضور الله بينه يرشده ويقويه وينصره على الشرير وتُحرَمُ ملايين غيره وأزمنة وأمكنة مختلفة عن معاينة الشهادة. عرف الله بأن كلَّ جيل وكل بلد و كل شعب يحتاجُ الى رسل لأداء الشهادة. ويحتاجُ أولئك الرسل الى إرشاد الله وعونه. فشاءَ الله وخطط في حكمته الأزلية أن يتابعَ حضوره وعمله في البشرية بنوع جديد. وقد وعد الآبُ يسوعَ بأن يرسلَ الروحَ القدس للكنيسة، و" إن لم أمضِ لا يأتيكم المُؤَّيد. أما إذا مضيتُ فأرسلُ إليكم(آية 7) المُؤَّيد.. روحَ الحَّق المُنبثق من الآب" (يوحنا 15: 26). فهذا الروح سوف يرشدُ البشرية، من خلال رسل الكنيسة، كيف يقبلون الحقيقة ويحيونها كما شهد لها يسوع، وكيف يؤدون شهادتهم. وعندئذ تتم الحقيقة كلها عندما يعين الله كلَّ الأجيال لتصلهم الشهادة وعندما يوصلها رسل كل زمن، وبحضارتهم وعقليتهم ولغتهم، الى آخر إنسان يوجد على الأرض.
¨ الروحُ يرشدكم الى الحَّقِ كله !
ليتنا إفتهمنا ماذا يعني أن الروحَ يُرشدُنا الى الحق كله. يعني أنه عندما نجد أنفسنا في مأزق أو شِدَّةٍ، أو حدثٍ مختلف عما ذكَرَتْه كلُ الأجيال السالفة و يترددُ المرء في أي موقف يتخذ وكيف يتصرف، عندئذ يأتي الروح الى نجـدتنا ليُذكرنا بتعليم يسوع ، وليُفهمنا كيفَ ينطبق في هذه الحالة الشاذة، والروح كفيل بأن يرشدنا الى ما يجب إجراؤُه أو قوله. أ لم يقل يسوع :" لا تقلقوا ! ستُلهمون في ذلك الوقت ما تتكلمون به.. روح ابيكم ينطقُ بلسانكم"؟ (متى10: 19-20). أ لم يكشف الروحُ لبطرس كِذبَ حننيا وسفيرة ؟. أ لم يُرشد الروحُ الرسل لإقامة بولس وبرنابا رسولين؟ أ لم يُرشد الروح بطرس ليُلَّبي طلب القائد الروماني لتنفتحَ البشارة على الوثنيين؟. أ لم يُرشد الروحُ الرسلَ الى إلغاء الختانة وتثبيت المعمودية بدلا منها ؟. أ لم يَمنع الروح بولس من التبشير في آسيا داعيا إيّاه الى العبورالى مقدونية في بلاد اليونان؟. أ لم يشجعه الروح في البقاء في كورنثية وأكد له أنه معه؟.
وهكذا ألهمَ الروح البابا يوحنا الـ 23 في عقد المجمع الكنسي الفاتيكاني الثاني سنة 1962، فغَّير وجه العالم، وأنهى الحرب الباردة بين الشرق والغرب!. وألهم البابا بولس الـ 6 كي يكسر قيد سجن الفاتيكان ويسافر سنة 1964ليلتقي بالبطريرك المسكوني أثيناغوراس الأول وتأخذ الحركة المسكونية منحى وبعدًا جديدين ونشاطا أقوى من الماضي يعمل من أجل إستعادة وحدة الكنيسة!. و ألهم البابا يوحنا بولس الثاني أن يزورَ البلدان البعيدة ليلتقي بشعوبها وأفكارها وحضاراتها ويُشعرها بحب الله لهم وعنايته بهم!. وألهمه أيضا الصمود في وجه الألحاد حتى أسقطه من عرشه رافعا صليب الغفران في وجه الأرهاب الذي طاله !. وألهم البابا بنديكتس الـ 16 أن يستأصل الفساد من حياة رجال الكنيسة !. ويلهمُ البابا فرنسيس أن يحمي الفقراء والمهمشين والمنكوبين والمعوَّقين وأن يجمع حتى بين الأعداء من أجل تحقيق الإخاء والسلام للبشرية!. ويلهم القديسين سلوك درب الله ، ويلهمُ البائسين الصمود في الحق لأنَّ النصرَ من جانبهم!.
هذا هو الحقُ كله الذي يرشدُ الروحُ القدس اليه البشرية في أوقات مختلفة وأمكنة متعددة. فلم يأت الروح شيئًا جديدًا. بل ألهم الكنيسة كيف تعيش وتطبق التعاليم والقيم التي كشفها يسوع وأعلنها مباديء للسلوك المسيحي. محبة العدو لم تكن ممكنة كما هي عليه اليوم بعد الأضطهادات وكشف زيف قيم العالم وخداعه، ولاسيما بعد أن تعَّمَقَ المؤمنون في فكر المسيح وآغتذوا من روحه ، ما يساعدهم على التخلي عن الذات والتشبث بإرادة الله.
وإذا ألقينا نظرة شاملة الى ما تأملنا به نقدرأن نصَّور حضور الله وعمله في الخليقة كالآتي:
مرحلة التدبير:- خلق الله بقدرته وبعد خطيئة الأنسان دبر أمر تهيئة مجيء المخلص ؛
مرحلة الفـداء :- أجرى الله بحكمته خلاص البشر، فعَرَّفهم بنفسه ودعاهم الى التوبة ، و
حررهم من قيد الشر، ورفعهم الى مستوى بُنُـوَّةِ الله وميراثه؛ هذا زمن الأبن ؛
مرحلة الحيـاة :- بعد الغفران يُشركهم الله في حـياته ويقود عملية تغيير الأنسان من تبعية
أهوائه الى سلوك سبيل الروح؛ وهذا هو الزمن الذي يقوده الروح.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com