الأحـد السابع للقيامة !
2016.05.08
يُتلى علينا اليوم انجيل-::< مرقس 16: 9-20 >::- ويقدم لنا مرقس خاتمة لأنجيله ويحصرها بيوم القيامة فيعلن يإيجاز عن قيامة يسوع وترائيه للمجدلية ثم لتلميذي عماوس ثم للأحد عشر ويربط معها بِعثة الرسل الى العالم للتبشير بإنجيل الخلاص مع ما يصحبها من آيات ، ثم يُخبر بصعود يسوع وجلوسه عن يمين الله، ويختم بآنطلاق الكنيسة في تأدية رسالتها تؤيدها المعجزات.
¨ ختمَ كلهُم الأنجيل هكذا !
لو وضعنا الأناجيل إزاءَ بعضها لتأكدنا حالا من أمر مهم هو أنَّ الأنجيليين الأربعة توقفوا عند القيامة. وبينما توقف يوحنا في الأحد الثاني للقيامة ولذكر شَّكِ توما وإيمانه، وتظاهر متى بالتوقف يوم القيامة نفسها مع جعل لقاء القيامة والأفتراق في الجليل، إلا إنَّ مرقس و لوقا يُجمعان في يوم القيامة نفسها، كنتيجة لها، الصعود وحتى إنطلاقة الكنيسة وعضد الرب لها. سوف يعود لوقا ويعطي تفاصيل أكثر، في سفر أمال الرسل، عن الفترة الفاصلة بين القيامة والصعود وهي أربعون يوما، ويتحدَّث عن ظهور الرب للرسل وحديثه عن الملكوت، ويؤجل حلول الروح الى بعد عشرة أيام أخرى.
نعم القيامة هي الحجر الأساس للأيمان. بالقيامة أتم يسوع كل شيء وختم سعيه. هذا ما سبق وأكده يسوع للآب :" لقد أتممتُ العملَ الذي وكلته إليَّ. فمَّجِدْني الآن يا أبتِ"(يو17: 4-5). آن الآوان لينال مكافأته. وإذا كان جزاءُ الرسول، الذي عرف الضعفَ، ومن يحب المسيح " اكليل المجد" (2طيم4: 8). فماذا يكون جزاءُ يسوع الذي لم يستطع أحد أن يثبت عليه خطيئة (يو8: 46)؟. بالقيامة تمجَّد يسوع إذ ضفر إكليل مجد الأنسان لآنتصاره على الحية القديمة التي أذّلته حينًا وكادت أن تفنيَه، وأصبح سيّدًا عليها. هذا ما يُشيرُ اليه مرقس. فالأنسان الذي أبعده ابليس يوما عن جنة النعيم بحضرة الله هوذا " يجلس الآن عن يمين الله"(مر16: 19). طرد الأنسان بسبب عصيانه أمر الله. وها هوذا يعود بطاعته وإتمام المطلوب منه (في2: 8-9)، وتنقلبُ الآية على ابليس الكذاب.
كان آخر كلام ليسوع على الصليب:" تمَّ كُلُّ شيء..و أسلم الروح" (يو19: 30). لقد خَّط للكنيسة دربها، و زوَّدَها بسلاحها، بل ويبقى معها الى نهاية العالم. وشهد مرقس بكل هذا، وأنه ثمرُ القيامة. يسوع في المجد وقد إستلم حكم الكون. والكنيسة قطعت شوطا من التبشير والربُ يعين رسلها "ويؤيدُ كلامهم بما يصحبهم من آيات". وقبل صعوده مباشرة سلمَ راية الجهاد الى الرسل:" إذهبوا في الأرض كلها، وأعلنوا البشارة ". وأكد لوقا أن البشارة تقوم على الشهادة لحياة يسوع " أنتم شهود على ذلك" لاسيما على القيامة (أع1: 22) التي أقلقت و أزعجت أعداءَه أكثر من معجزاته (متى27: 64).
نعم أصبحت القيامة لب البشارة، سداها ولحماها. لقد " أقامه الله، ونحن بأجمعنا شهودٌ على ذلك"(أع2: 32؛ 3: 15). هذه زبدة البشارة. و لو" لم يقم المسيح فتبشيرنا باطل وإيمانكم باطل..ولا تزالون في خطاياكم.. لكن المسيح قام. وكما يموت الجميع في آدم كذلك سيحيا الجميعُ في المسيح" (1 كور15: 13-22). صرخة ما زال دَويُّها يهز الضمائر. تلك القيامة ضمنت للرسل الحياة و المجد. فالقيامة أثبتت ألوهية يسوع "ربي والهي" ، وأثبتت إيمان الرسل " أنت ابن الله الحي" ، وأثبتت ضعف الأنسان و جهله مقابل قدرة الله وحكمته ، و أثبتت برَّ التلاميذ وحققت آمالهم ، لقد تَمَّ الخلاصُ المنتظر، و هدمت حصون أحلام الكتبة والفريسيين . القيامة دعمت رجاء الشعوب وضمنت خلاصهم. الى القيامة تطلع آدم ونسله ونحوها سار المسيح وجاهد، ومن القيامة إنبثق نور الخلاص و إنطلقت كنيسة المسيح تبُـثُه بين الناس سلامًا و وئامًا.
¨ أنا القيامة ، أنا الحياة !
القيامة هي الحياة. هكذا وصفها الملاك " لماذا تطلبن الحي بين الأموات. يسوع حي". إنها
تضمن كل أبعاد الحياة. وهكذا فسَّرها يسوع لمرتا عندما قالت أنها " تعلم بأن لعازر سيقوم
في القيامة في اليوم الأخير". ردَّ عليها يسوع " أنا القيامة " (يو11: 24-25). فالله مصدر الحياة لكل الخلائق. به توجد وتقوم وتنمو وتثمر. وتستمر الحياة للأبد. ليست القيامة إذن خبرا أو حدثًا وقع وآنتهى. بل هي حياة تفَّـتقتْ من قبر جبل الجلجلة ، نبعًا جرى وما يزال يجري في حقول العالم ليرويها ويُخَّصبُها. القيامة هي النهر الذي وصفه حزقيال النبي النابع من هيكل الرب، ويسوع ُ الهيكل الذي من جنبه خرج الماءُ والدم، والجاري في صحراء الأنسانية القاحلة صوب بحرالموت فينعش ويُحيي حيثما يعبر كل أرض وكل كائن دبَّ فيه الذبول بسبب جفاف الشر والفساد. و كأني بالنبي يُلوحُ الى المسيح الحي عندما قال " يُحَّول بحرَالموت الى مياه عذبة. وكل نفس حية تزحف حيث يجري النهرُ تحيا.. وكل ما يبلغ اليه النهر يحيا. ..وعل شاطئه ينبتُ كل شجر يُؤكل. ولا يذبلُ ورقه ولا ينقطعُ ثمرُه.. لأنَّ مياه النهر تستمر تخرج من الهيكل. فيكون ثمره للطعام و ورقه للشفاء" (حز47: 1-12). وقد أعطانا يسوع جسده ودمه نأكله فنحيا به للأبد، بينما أعطانا ماء جنبه لنغستل به ونتطهر من دنسنا. وقد كسر خبزه معنا يوم القيامة وهو حي(لو24: 30).
¨ المسيح يحيا فيَّ !
قال مرقس أنَّ الرب يُعينُ رسله ويؤيدهم. وقال متى " أنا معكم مدى الدهر". وسيقول بولس "نحن جميعًا نعكس صورة مجد الرب ـ المسيح الحي ـ ، ونتحَّولُ الى تلك الصورة "(2كور 3: 18)، ويكمل فكرته بقوله " فما أنا أحيا بعد ذلك، بل المسيح يحيا فيَّ" (غل2: 20).هكذا ليس المسيح حيا لنفسه، وليس قائما لذاته بل هو القيامة والحياة لنا وفينا. وهذه القيامة الحياة نراها ونحصل عليها عندما نكسر الخبز كما فعل مع تلميذي عماوس. ونصبح عندئذ نحن أيضا قيامة وحياة في مجتمعنا ولمن يُحيط بنا. وعلينا أن نبلغهم بدورنا تلك القيامة والحياة. و كما أنَّ حياة الأنسان هي من نسمة حياة الله كذلك القيامة والتجَّدُد تأتينا من جنب المسيح المجروح ومن خبزه المكسور لنا. فنحن مدعوون الى أن نصبح مع المسيح قيامة، إنما بعد "أن نشاركه آلامه ونتمثل به في موته، فلعلنا نبلغ القيامة من بين الأموات"(في3: 10-11). فتكون عندئذٍ حياتنا كلها ورسالتنا وخلاصنا قيامة واحدة مع المسيح وبه وله.

القس بـول ربـان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com