عــيد الصعــود !
2016.05.05
يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< لو24: 36-53 >::- ويُّقُصُ علينا خبر ظهور يسوع الأول للرسل يوم قيامته ، كيف لزمهم الخوف والرعبُ وآعتقدوه شبحا لا حقيقة، ولم يكونوا يُصدقون ما يرون ويسمعون إلى أن أكل أمامهم؛ ثم فتحَ يسوع أذهانهم لفهم الوحي الألهي، و أقامهم شهودًا لهم في العالم كله؛ ثم آنفصل عنهم صاعدًا الى السماء.
¨ إختزال الزمن !
يبدو للقاريءِ الكريم ، في أول قراءة سريعة، بأن صعود يسوع الى السماء تم يوم القيامة نفسها. بل وتم في تلك الليلة ذاتها، إذ لم يفصل خبر الترائي للرسل عن الذي تم لتلميذي عماوس (لو24: 29-33)، والذي على عقبه رجع التلميذان، بعد أن كان النهار قد " مال للمغيب" وآشتركا مع البقية(آية 36) في رؤية يسوع. بينما لو قرأنا خبر الصعود في أعمال الرسل لرأينا أن الصعود تم بعد أربعين يوما من القيامة (أع1: 3). لقد إختصر لوقا الزمن مثل يوحنا الذي ربط إعطاء الروح بيوم القيامة نفسها، وكانهما يريدان جلب إنتباه المؤمن القاريْ بأنَّه لا قيمة للزمن فالقيامة هي لولب الأيمان، لأنَّها هي مصدر كل النعم. زهكذا سيفعل مرقس أيضا. فالصعود يسدل الستار على حياة يسوع الزمنية ، والخطوة التالية ، و هي حلول الروح القدس على البشرية، يفتح الباب للكنيسة فتنطلق في سباقها مع الزمن لتنشر حقيقة المسيح حتى تدخل الأنسانية حضيرة الحياة. والزمن الذي إختزله الأنجيل سوف تتحَّداه الكنيسة ، وسيزول في النهاية مع القيامة العامة ، مع عرس الحمل الألهي الذي لا ينهيه ليل ولا ظلام " لأنَّ مجد الله يُنيرها والحملُ هو مصباحُها " ( رؤ21: 23؛ 22: 3-5).
¨ الزمن مخيفٌ ومرعب !
نعم خاف التلاميذ فآرتعبوا عندما رأوا شبح يسوع واقفًا أمامهم دون أي إشعار!. قبل يومين كان إعصار العنف والدم يهدد حياتهم. وغدهم مجهولٌ ومقلق. لقد خان الزمنُ معَّلمهم ولا يدرون أيَّة فاجعةٍ يُخَّبيءُ لهم!. الزمن غَّدار!. ولكن .. لكنَّ شيئًا ما يُخففُ من روعهم. هناك ما يُطمئنُهم. فما يرونه ليس شبحًا. بل هو معَّلمهم بلحمه وعظمه. وهذا وحدَه يُريحُهم. إنه حاميهم وروحُ حياتهم. إختفى عنهم يومين إسْوَّدَتْ الدنيا في عيونهم. وها هو الآن يُعيد اليهم الحياة. لا قوة لا للزمن ولا للمكان على أن يصُّدَ عنهم يسوع. لن يعودوا يحسبون الأيام و الأمكنة. ليس لكم، يقول لهم الرب،" أن تتعاملوا مع الأزمنة والأمكنة " (أع1: 7). يكفيكم أن أكون " أنا معكم طوال الأيام ، الى انقضاء الدهر"(متى28: 20).
¨ لم يُصَّدقوا من شدة الفرح والدهشة !
وهكذا ينقلبُ الزمن المرعب ، مع المعلم، الى الإندهاش والفرح والراحةِ والهناء. عندما يتعلمون أن يتعمقوا في كلام الله سوف تتبدد أوهامهم. وعندما ينشغلون بمتابعة مهمة معلمهم سوف يطير الزمن بسرعة بحيث يتمنون لو لم ينتهِ لينجزوا أكبر قدر من رسالتهم. يوم جمعة الآلام إختبأوا من هول الخطر الذي أحدقَ بهم والعذاب الذي كان يترَّبَصُ بهم. ولكن من الآن وصاعدًا سوف يفرحون ويبتهجون عندما "يلقون الهوان" من أجل يسوع (أع5: 43). ليس لهم زمن ليعدوا الأيام والساعات لأنَّ هَّمَ الشهادة ليسوع يشغل كل فكرهم وقلبهم. ليس لهم زمن لذواتهم. زمنهم أن يحملوا شهادة البشارة الى" جميع الشعوب، بدءًا من أورشليم" (آية 47-48). لن يقيسوا بعد الآن أعمارهم بالأشهر والسنين بل برسالتهم فيروا بكم مدينة وبلدٍ إتصلوا ليخبروا أهاليها أنَّ الله أب محب، حنون ورحوم، قد أعادَ اليهم كرامتهم فأرجعهم الى الجنةِ المفقودة. المسيح المنتظر قد جاء، خانه الرؤساء وصلبوه، لكن
الله أقامه " مسيحًا و رَبًّا" (أع 2: 36)، إنه يسوع معلمهم.
¨ عندما كنتُ بعد معكم !
لم يعد يسوع بعدُ معهم. لقد فارقهم ورُفع عنهم الى السماء. لكن فراقَ يسوع عن التلاميذ لن يثقل عليهم مثل الأول. فصعوده الى السماء هو لمصلحتهم :" سأرسلُ اليكم ما وعد به أبي " (آية 49). لقد تأكدوا من أنَّ أمورهم قد إختلفت. آن الأوان ليمسكوا بزمام قضيتهم و يتابعوا مهمة الصيد ، ولكن لا سمكًا ، وإنما "بشرًا" (متى4: 19؛ لو5: 10). وكما أغاثهم مرتين فآصطادوا صيدًا عجائبيًا (لو5: 4-7؛ يو21: 4-6) لابد و أنه سيعينهم الآن ايضا. لذا عادوا الى أورشليم ، بعد صعوده ، لا خائفين ولا قلقين ، بل بفرح عظيم. ثم ذهبوا : " يُبشرون في كل مكان والربُّ يُعينهم ويُؤَّيدُ كلامهم بما يساندُه من الآيات " (مر16: 20). لقد إختفى الزمن. فمرقس أيضا أوجزهنا عمرا من مسيرة الكنيسة وربطه بالقيامة والصعود مباشرة. الزمن هو يسوع نفسُه. به وبفعله داخل الكنيسة يقيس المؤمن الحياة. لقد غاب عنهم بالجسد ، لكنه حاضرٌ فيهم ويعمل من خلالهم ويسند جهادهم ويُنصِرهم على أعداء الحَّق.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com