الأحـد السادس للقيـامة !
2016.05.01
يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< يوحنا 17: 1-26 >::- وينقلُ لنا خطابَ يسوع الأخير قبل بدء آلامِه، ويُدعى بـ" صلاة يسوع الكهنوتية". لقد وعدَ الآبُ يسوع سُلطانَ الحكم على البشر. حان الأوانُ ليتسَّلم يسوع القضاءَ بعدَ أن أتَمَّ رسالته وسيختمها بعد ساعاتٍ فقط بشهادة دمه على الحق الذي نادى به، حتى يجازي البشرعلى أعمالهم. و حتى يُعيدَ الأبرار منهم الى الحياة الأبدية. يدعو من أجل قداسة الرسل ومن سيؤمن على يدهم ومن أجل وحدتهم شهادة للعالم أنه هو المسيح المُرسل من الله الخالق كما وعد لوالدي البشرية لِيُخَّلصَ العالمَ ويُعيدهم الى الفردوس المفقود.
¨ الحياة الأبدية هي أن يعرفوك !
المؤمن بالله يعلنُ أنَّ اللهَ هو" كُلُّ شيءٍ في كلِ شيء" (1كور15: 28)، وأنه الخالقُ والمدَّبرُ والدَّيان. لأنه هو الذي أوجدَها و وضعَ فيها شريعة حياتها لتعيش وتجَّملَ الكون. هو الذي صنع كلَّ شيء ورَكَّبه ونظّمه بحيث يؤدي المطلوبَ منه ويتجاوبَ مع متطلبات إكتمال الكون. فالله يعرفُ بدقة كل تفاصيل الكائنات والأشياء. يعرف كل أجزائها وكيف تتفاعل مع بعضها فتنمو وتعملُ وحتى كيف تنتهي. وهنا يطرحُ السؤال نفسَه : وهل تعرفُ هي أيضا الله ، كما يعرفها؟. وخصوصا الأنسان هل يعرفُ خالقَه وربَّه كما هو؟.
يجيبُ النبي على لسان الله ويقول:" البنونُ الذين رَبَّيتُهم ورفعتُهم تمَّرَدوا عليَّ. الثورُ يعرفُ مقتنيَه والحمارُ مِعْلفَ صاحبِه، أما بنو اسرائيل (الأنسان) فلا يعرفون. شعبي لا يفهمُ شيئًا " (اش1: 2-3). وآستمَّرَ هذا الجهلُ يتسلسلُ عبر الأجيال. وقد إنتقدَ يسوعُ بشدة لاسيما قادة الشعب الذين نعتهم بـ "عميان " (متى23: 16) لأنهم لم يعرفوه لا هو ولا الله أباه (يو8: 19)، ذلك لأنهم ظلوا في جهل من الأيمان :" أنتم في ضلال. لأنكم تجهلون الكتبَ المقدَّسة وقدرة الله "(متى22: 29). لم يعرفوا حكمة الله " التي أعَدَّها لنا قبل الدهور في سبيل مجدِنا ... ولو عرفوها لما صلبوا رَبَّ المجد" (1كور2: 7-9). وكان جرحُ الجهل هذا عميقًا جِدًّا وخطيرًا الى درجة بحيثُ لمْ تقوَ عِشرَةُ ثلاث سنواتِ تعليم أن تجعلَ الرسل أنفسَهم يعرفون الله على حقيقته فلامهم :" ما أغباكم وما أبطأَكم عن الأيمان بكلِ ما قاله الأنبياء " (لو24: 25). نعم حتى الرسل لم يعرفوه جيدا لهذا وبخهم :" أنا معكم كلَّ هذا الوقت ولم تعرفني يا فيلبس؟ لو كنتم تعرفوني لعرفتم أبي أيضا. ومن الآن أنتم تعرفونه ، ورأيتموه... فمن رآني رأى الآب "(يو14: 7-9).
¨ ليكونوا فينا واحـدًا !
الله ليس كائنا جسديا بأبعاد حسية حتى نرسم له صورة في ذهننا نتعرفُ بها عليه كلما إلتقيناه. ولا هو مُعَّلمُ ينقل إلينا معارفَ خارجا عنه. الله هو الحياة، هو الحق، هوالخيروالبر، هو الجمال، هو القدرة ، هو خالق كل القيم التي يرتاح اليها الأنسان. ولن يتعَّرف عليه أحد إلا إذا دخل معه في خبرة حياتية وعلاقة حميمة بحيث يتحد به بالروح. والمسيحُ رسوله وصورته وشعاعه. لهذا قدر يسوع أن يقول:" العالم لم يعرفكَ. أما أنا فعرفتك" ، وبه عرف التلاميذُ الله. ولما عرفوه صَدَّقوا أنَّ المسيح رسوله (يو17: 25). وحتى هذه المعرفة ليست كاملة. ستكتمل فقط في الحياة الأبدية عندما يدخلون في وحدة حياتية مع الله :" .. ليكونوا فينا واحدًا... أنا فيهم وأنت فيَّ فتكون وحدتهم كاملة "(يو17: 21-23).
هذه الوحدة لن تكون كاملة إلا في الحياة الأبدية. ولن تكون بين الله وكل فرد على حدى. بل تكون الوحدة الكاملة بين " الله والأنسان". كما هي الوحدة بين اللاهوت والناسوت في يسوع هكذا ستكون الوحدة الحقيقية بين الله والبشرية الخالصة ، المسيحيون الذي يؤمنون على أيدي رسل كل زمان. وحدة يحققها ويضمنها الثالوث الأقدس. وعندما يدخل التلميذ في دائرة الوحدة مع الله عندئذ سيعرفه حقيقة ً، لا في كلام بل في حياة تتغذى من شريان حب الله، وتتنور من شعاع حق الله، وتتهنأ من راحةِ مجد الله.
¨ قَــدِّسْهم في الحَّق !
الوحدة مع الله فكرًا ورغبة ومشيئة هي الحق. والحق يتساوى ويظهرفي القداسة. والله وحده قدوس (أح11: 4-5 ؛19: 2)، كما هتفت الملائكة :" قدوسٌ قدوسٌ قدوسٌ الرَّبُ القدير. الأرضُ كلها مملوءةٌ من مجده "(اش6: 3). واللهُ قدوسٌ لأنه حق وعادل ومحب وأب رحيم. لا شرَّ فيه ولا لوم، لا يخطأ ولا يتغير بل منه " كل عطية صالحة وكل هبةٍ كاملة " (يع1: 17-18)، ولا يكذب حتى يتندم مثل البشر(عدد23: 19؛ 1 صم15: 29). وقد عاش الله في شخص يسوع في قداسة الحق ، ولم يعلم الناس إلا الحق : " الحق الحق أقول لكم.." (يو1: 51 .. ذكرت الأناجيل هذه العبارة أكثر من ثمانين مرة ). لأنه أصلا قد جاءَ ليشهد للحق (يو18: 37)، ليعطي لتلاميذه نموذجا للحياة يقتفونه. لقد " قدَّسَ " نفسَه في الحق من أجلهم فطلب الى الآب أن يقدسَ تلاميذه ايضا في الحق فيزرع في فكرهم كلامه ، ويرويهم من نبع حبه (يو17: 17-19) ويثبتهم في الوحدة معه ويضُّخَ فيهم حياته فيصمدوا في إيمانهم و يؤدوا بدورهم شهادتهم.
¨ ليعرف العالم ويؤمن !
وحدة جميع المؤمنين مع بعضهم في الحق والقداسة وفي أداء شهادةٍ واحدة متناسقة و متكاملة ضرورية وعلامة لكنيسة المسيح. تلك رسالة الكنيسة تشهد بها للعالم وتقدمها سبيلا للوصول الى الله. يستمر يسوع يبلغ كلام الله ويعمل أعماله بواسطة تلاميذه الأمناء لدعوتهم . تلك الشهادة دليل على لاهوت المسيح وعلى وحدته مع الآب والروح في العمل المشترك. تلك الشهادة دليل ايضا على هوية الكنيسة أنها تتابع عمل يسوع ومهمته في خلاص الناس. وبالتالي دليلٌ على إمتدادها للمسيح الحاضر والعامل فيها الى نهاية العالم. وإن كان أبناء الكنيسة يشهدون للمسيح في العالم وله فلأنهم فيه ولكنهم ليسوا منه ليتعلموا مبادئَه، بل من داخله يُنوّرون له الطريق، ويُمَّلحون سلوكه بمثال فضيلتهم، ويُخَّمرون حياته فيُحولونه الى صورة للمسيح، وهكذا يخلص. يبقى تلاميذ المسيح بشرا مثل بقية الناس غير المؤمنين، لكن سلوكهم هوسلوك أبناء السماء المتمَّثل بأخلاق يسوع. هكذا يبقى يسوع، بواسطتهم، حَّيًا في العالم يُتابعُ مهمته الخلاصية، وتستمر الأجيال الجديدة من أهل العالم تتعرَّفُ على هوية يسوع الألهية و تقدرُ أن تسلك سبيل الحياة.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com