الأحــد الخـامس للقــيامة !
2016.04.24
تذكار مار أدَّيْ الرسول ، ومار كوركيس الشهيد
يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< يوحنا 21: 1-14 >::- ويقَّصُ علينا خبرَ الترائي الثالث ليسوع بعد القيامة لرسله. سئِمَ بطرسُ الأنتظار، ولم يَعُد واثقًا من جدارتِه بقيادةِ الكنيسة فيُقَّررُ العودة الى حياته السابقة فيصيدَ السمك ليُشغلَ نفسَه ويُعيلَ أسرته ورفاقَه. ما أنْ أعلن قرارَه إتفقُ معه ستة آخرون نالَ منهم الضجر أيضا، فهُم لا مُعَّلَقون بمعلمهم ولا مُطَّلقون لسبيل عملهم. ويزدادُ ضجرُهم سوءًا عندما يفشلون في صيد السمك. لم يعودوا يُسيطرون على مهنتهم الأولى كالأول. ولا هم مُسَّلطون بعدُ على مهمَّتهم الجديدة. قلقهم يدفعهم الى التراجع ، وفشلهم يُزيد من حيرتهم وشوقهم الى أيام المعلم.
وفجأة، وبينما يمضغون هَمَّهم ويبلعون خيبتهم، جاءَهم عونٌ من مجهولٍ أرشدهم الى موطن تجَّمع السمك وحدثُت المعجزة. نجحوا في صيدهم وآنتعشت نفوسهم وعندئذ عرفوا صاحب العون، ولم يكن سوى معلمهم وقد تابعَ من بُعدٍ تحَّركاتهم وقرأ ما في نفوسهم وأغاثهم في الوقت الحرج. كادوا أن يخسروا معلمهم وكادت الدنيا تُحَّطمهم. وها كلاهما يبتسمان لهم، فالمعلم معهم ويرعاهم، والدنيا بإشارةٍ منه تستجيبُ لهم. يستقبلُ المعلم جهدَهم ولا يرفُضه، لكنه يُطعمهم من الغذاء الذي هَيَّأَه هو لهم. ما سيصطادونه بعد الآن سيكون مُلكًا ليسوع ، و أما هم فسيستمرون يعيشون على كلامه.
¨ في ضعفك يظهر كمال قدرتي !
نقف حيارى أمام موقف بطرس لأنه يبدو وكأنه يتخاذل ويتراجع عن المهمة التي أوكلها اليه يسوع ، فنسمعه يقول :" أنا ذاهبٌ للصيد". كلام مُدهش يفَّسرهُ علماءُ الكتاب المقدس و " كأنَّ المغامرة التي عاشها هو ورفاقه قد إنتهت، فيعودون الى الحياة العادية السابقة"!. فهل هو من قلة ايمان بطرس ؟. لا يدل وهو الأول من أعلن وبحماس وقناعة " أنت المسيح إبن الله الحي"!. وقد أكد على ايمانه عندما تخَّلى تلاميذ كثيرون عن يسوع فقال:" نحن آمنا بك وعرفنا أنت أنت قدوس الله "(يو6: 69). وثَّلثَ تأكيده على ايمانه " نؤمن بأنك جئت من لدن الله"(يو16: 30). هل غيَّر بطرس رأيه بقبول دعوة يسوع لأنه لم يقتنع بقوة فحوى الرسالة ؟. لا يبدو وهو الذي إعترفَ أن يسوع وحدَه صاحب الحياة الأبدية " الى من نذهب وكلام الحياة الأبدية عندك"؟(يو6: 68)، وله قال يسوع :" أنتم الذين تبعوني..تدينون عشائر اسرائيل .. وينالُ كل واحد مئة ضعفٍ ويرثُ الحياة الأبدية "(متى18: 27-29). وهل يتخوف من حمل مسؤولية مهمة صخرة الكنيسة؟. بل هو الذي قال ليسوع :" سأتبعك الى السجن وحتى الموت " لو22: 33). أ لم يستعمل السيف دفاعا عن المعلم؟(يو18: 10-11). ماذا حصل له اليوم ليقررالتراجع، خاصة وقد انتصر يسوع على أعدائه؟. ترى هل حَّنَ الى حياته السابقة؟. هذه مرةٌ ثالثة يُخَّيبُ فيها بطرس ظنَّ معلمه وإخوته!. خيَّبَ معَّلمه في المرة الأولى عندما تبع ايحاءَ الشيطان وآستنكرَ آلامَ المسيح وموته (متى16: 23). و هدم ثقة الرسل به رغم دفاعه عنه (متى26: 35)، عندما أنكره قدام جارية وخدمٍ لرئيس الكهنة (يو18: 17-27). وها هو الآن يتخاذل وينوي ترك يسوع والعودة الى ماضيه و يجُّرُ وراءَه ستة من رفاقه الرسل. في حين لم يقُّل حبه ليسوع بل يقر بأنَّ حُبَّه وحدَه يفوق حب الرسل كلهم مجتمعين (يو21: 17). لماذا إذًا ؟؟.
سؤالٌ مُحَّيرٌ ومُخَّيب. بطرس معروفٌ بحماسه وبادراته والتفاعل السريع مع أقوال يسوع وأفعاله . دمه حار وحبه للمعلم عفوي وعميق ولا غبار على تعَّلقه به. ماذا جرى له ؟. إنه ببساطة الضعفُ البشري. الإحباط الذي يهُّز القويَّ عندما يرى نفسه محدودًا أمام مجهول عملاق. لايملك بطرس ناصية الحقيقة القادمة، ولا يقرأ من المستقبل سوى بدايته المُرعبة، ولم يتجَّرد كليا عن ذاته الأنسانية إذ ما زالت له مكانةٌ إجتماعية ويحتفظُ بشخصيته ويعتَّزُ بفكره وقراره. كل هذا لا يُشجعه أن يغامر في المجهول الذي لا يعرف كيف سيواجهه و ماذا يحدث له. وإذا كانت قد حَّلت عليهم المصائبُ والمعلم الملجأ موجود، بل حلت بالمعلم نفسه فكيف بهم إذا غاب عنهم؟. لم يقدر أن يحمي معلمه من الموت فكيف سيدبر شؤون رفاقه وهو لا حول له ولا قوة؟. أكثر من ذلك إنه نكر معلمه وتخَّلى عنه فهل سيُبقيه يسوع في منصبه؟.
إنه الضعفُ البشري. إنه ضعفُ الخليقة ونقصها. بطرس جزء من هذا الضعف وعليه أن يتحمل مسؤولية الكون ولا يدري هل يثق به المعلم كالسابق أم غيَّر نظرته اليه وأنه سُيقيمُ غيره وكيلا عنه. وأ ليس عندئذ أفضل أن ينسحب بكرامة من أن يُعفى عنه بإهانة؟. يرى بطرس أنه ليس بعد جديرا بثقة المعلم، وينسى أن " الله ليس إنسانا حتى يتغَّير ويتراجع عن قراره". يرى بطرس نفسه فقط وينسى الله، ويعتبر التلمذة عن جدارة بشرية وليس عن نعمة الهية. نسي أن الله" إختارما يعتبره العالم حماقة ليُخزيَ الحكماء ، وما يعتبره العالم ضعفًا ليُخزيَ الأقوياء" (1كور1: 27). وسيقوله الرب لبولس :" في ضعفك يظهرُ كمال قدرتي "(2كور12: 9).
¨ أريد رحمة لا ذبيحة ! متى9: 13
كان بطرس ما يزال يدور في حلقة القوى البشرية ولم يخرج منها بعد ليرتفع الى الأطار الألهي. لم يكن يتصور أنه ليس هو من سيعمل بل الله سيعمل فيه وبواسطته. ولم يكن قد إختبر في حياته الخاصة كيف يكون الله في سعة رحمته. وبينما تتقاذف بطرسَ أمواجُ القلق كان الرب قد هَيَّأَ له مفاجأة جديدة. سيعلمه كيف أنه يعملُ هو بواسطة تلميذه الذي لا يُطلبُ منه سوى أن يثق به ويتقيد بإرشاده. يعلمه كيف أن الله لا يحاسبُه على ضعفٍ طبيعي فيه بل يُشعره أنه قريبٌ منه حتى إذا غاب عنه في الحواس. وأكثر من ذلك سيتعلم بطرس أن ابليس سيستمر يلاحقه للأيقاع به، لكن الرب لن يسمح له ذلك بل يبدد ضلال فكره ليهديه الى نور الحقيقة. تصور بطرس أنه ليس بعد جديرا بثقة الرب لأنه أخطأ خطأً كبيرًا. فلن يرحمه الله. لكن الله أرحمُ من البشر. ولا يتعامل بالمثل. الرب أفهمه أنه عرفَ من إختار و لم يخطأ، لأنه أولا معرفة الله عنه أزلية وأعمق من حبل الوريد إليه. وثانيا لأن الله هو الذي سيعمل من خلال بطرس.
سيتعلم بطرس كيف يتصرف على ضوء تعليم يسوع وليس كما يفكر الأنسان. سيعلمه يسوع أن يكون شاهدا لا معلما وخادمًا لا سيّدًا. ضعف بطرس لأنه ينطلق من ذاته من أخطائه، أما الرب فينطلق من قداسته ورحمته. فسيعلمه أنه يكون قويا عندما ينفذ ارادة الله ويتكل عليه. لم يصد طوال الليل شيئا عندما كان يتصرف بحكمته وبقوة ذراعه. أما عندما اتكل على الرب ونفذ أمره فنال صيدا وفيرا لم يتوقعه. أدركَ بطرس أنه ليس هو من إختار المعلم بل المعلم هو الذي إختاره وينتدبه الى خدمة خاصة. وهذا المعلم قادرٌ على أن يُنجز على يده ما يشاء. إفتهم بطرس أن خلاصه بالأخلاص لمعلمه، وأنَّ الأنسحاب من ساحة الجهاد جبنٌ وتخاذلٌ سيتعذب من ورائه. يتعلم بطرس أن الله لا يختار إنسانا بناءًا على قواه الطبيعية بل يعطيه نعمة خاصة تخدم دعوته. يتذكر بطرس قول الرب : " لا تستطيعون من دوني أن تعملوا شيئًا" (يو15: 4-5)، مع ذلك لقد "إخترتكم وأقمتكم لتنطلقوا وتثمروا ويبقى ثمركم "(يو15: 16). بينما يُحبطُ ابليسُ هِمّة الرسول ويهُّدُ طاقته يُغنيه الرب ويزوده بما يُغَّلبُه على ضعفِه. محبة الله ورحمته لا تقاسان بضعف الأنسان بل بعظمة الله وقدسية ارادته وجلال عمله. ويرفع الله رسوله الى مستواه ليعمل مثله. وقد أدرك بولس ذلك بعمق فصرخ : " أستطيعُ كلَّ شيء بذاك الذي يقَّويني" (في4: 13).

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com