الأحــد الرابع للقــيامة !
2016.04.17
يوم الدعوات الكهنوتية والرهبانية
يتلى علينا اليوم انجيل -::< يو16: 16-33 >::- ويتضمن خبر فراق يسوع عن تلاميذه ثم عودته اليهم وتأثيره عليهم بالحزن أولا ثم بفرح يدوم للأبد. ويُشَّبِهُ الربُ محنة التلاميذ و ضيقهم بالمرأة في مخاضها. سبب ألم المخاض الحمل، والفرح براحة الجسم و ولادة حياة جديدة. ودوام الفرح يعودُ إلى أن التلاميذ سيتعاطون من الآن وصاعدا مع الله/الآب مباشرة. ويكون يسوع وسيطهم عند الآب. يُحبهم الآب لأنهم أحبوا مُرسَلَه يسوع وآمنوا أنه الله. إنَّ الآبَ يتعامل معهم كما تعامل مع المسيح نفسه لأنهم قد ورثوا بُنُـوَّته مع أُخُـوَّتهم للمسيح. الآن "يؤمنون"، ويحملون نير المسيح، وشدائد العالم لن تخيفهم لأنِّهم رأوا الله وأحبوهُ ولأنَّ " اللهَ معهم".
¨ بعد قليل .. ثم بعد قليل !
إنحرجَ التلاميذ أمام يسوع عند ما حدَّثهم عن الزمن ولاسيما عندما ربطه بالله قائلا " أنا ذاهبٌ الى الآب". ما الزمن وما علاقته بالله ؟. بعد ساعات سيقبض اليهود على يسوع و يحكمون عليه و يقتلونه فيغيب عنهم مدة يومين. هذا القليل الأول. وفي الثالث سيقوم ويلتقي بهم من جديد. وهذا القليل الثاني!. لكنه لن يبقَ معهم كالأول. يتراءى لهم ، يُحَّدثهم عن ملكوت الله ، وربما عن كيفية إدارة شؤون الجماعة وتوزيع الأسرار، ثم يغيب عنهم مدة. كان ذلك فترة أربعين يوما فارقهم بعدها نهائيا وصعد إلى السماء تاركًا إيّاهم وحدهم في صراع مع الوقت يدبرون شؤونهم، كما علمهم الرب، يساعدهم في ذلك الروح القدس الذي حضوره يُعَّوضُ عن فراق المعلم.
كانت أياما قليلة بالنظر الى الله الذي كل ألف سنة عنده بيوم (2بط3: 8). أما الرسل فكانت دقيقة واحدة من الغم والخوف والأضطراب تمُّرُ بثقل يوم بل بالف سنة. كان مصيرهم على الميزان يهتّز مع الريح. كادت أحلامهم تصبح أوهاما تتلاشى وتفني معها حياتهم. ربما تمنوا لأنفسهم في تلك لحظات آلام يسوع أن يموتوا ألف مَّرة ولا ينحدروا الى مثل مأزقهم المُخجل والخطير. مرعوبون مختبئون ومهزوزون لا قرار لهم. و لا حول لهم ولا قوة، ولا أمل ولا رجاء. ولو لم يُزلزلهم خبرالنساء صباح الأحد بأن يسوع حي لآستسلموا لخيبتهم.و حتى القيامة التي ردَّت اليهم أنفاسهم لم تُشفِ غليلهم لأنَّ أحلامَ الماضي عادت بعضها تلمع وتغري لكن الوقتَ يمضي ولا يرون أنهم بلغوا الى نتيجة مقنعة. ولكن عندما يحل عليهم الروح سوف يتعلمون الدرس بوضوح.
كنت قد توقفت هنا عن الكتابة وخرجت لواجب الرعية. وأثناء ذلك حَدَّثني مؤمن وقال: مدة خمس سنوات لم نُرزق طفلا ولا حصلت زوجتي على وظيفة. هذه السنة تعيَّنَت زوجتي ورزقنا أيضا طفلا. عظيمة حكمة الله كيفَ وَقَّتَ الأمرين معا. أجبته نعم لله حكمته الخاصة لا نقدر ان نغوص عمقها فنتألم. وعندما تنقشع الغيوم ونعاين النتائج الأيجابية لا نتماسك من شِدّةِ فرحنا. لكل شيءٍ وقتُه. نعم هكذا قال الحكيم في الكتاب: " لكل شيءٍ أوانٌ، ولكل أمرٍ تحت السماءِ وقتٌ. للولادة .. وللموت؛ للقتل ..و للشفاء؛ للهدم ..وللبناء؛ للبكاء.. وللضحك؛ للنحيب.. وللرقص ؛ للكسب ..وللخسارة؛ للسكوت ..وللكلام؛ للحب ..وللبغض؛ للحرب ..و للسلم..."(جامعة3: 1-8).
الخالق الذي نظمَّ الكون عرف مسبقا نتائج حرية الأنسان في التصرف وعدم تماشيه مع النظام وبالتالي يخلق الفوضى والأضطراب. عرفَ أنَّ ابليس لن يتهادى في إغراء الأنسان وحَّثه على المخالفة. ولكن فاتَ ابليسَ أنَّ الله قادرٌ على ما لا يقوى عليه هو وأنه يُحطمَ القوي ويُنصر الضعيف وأنه يُخرجَ من المرارةِ عسلاً (قض14:14)، وأنه يُحولَّ الضعفَ الى قوة والجهل الى الحكمة (1كور1: 25) وأنه " ينزل الجبابرة من عروشهم و يرفع المتواضعين"(لو1: 52)، هذا الأله لن يسمح للفوضويين أن يُفشِلوا خطته ويحطموا الخليقة ويفنوا البشرية. لن يسمح للشر أن يتفوق ويغلب. بل يُحَّولُ تعنتهم وشرهم فينقلب خيرًا وبرًا للأنسانية. ولكن ليس حالا. بل لكل أمر وقته. للزمن قيمةٌ في عين الرب ويعرف كيف يستعمله. هكذا يتم كل شيء في أوانه حسب خطته الحكيمة فيفشل كل ما يهدد الأنسانية و يسودُ كل ما يمجد الله ويُجَّملُ الكون.
مشاعر الأنسان شرارت تطير لتحرق ومبادئه الفاسدة براكين تنفجر لتحطم. تلك أوقات البشر.أما وقت الله فعندما يستفيق الأنسان من فساده وطغيانه بعمل الهي يقلب كل الموازين.
زمن الله أن يأمر بالخير ويزيل السوء الذي يزرعه الشرير. على الأنسان ألا ينسى ذلك. فلا يخافَ من زمن ابليس ولا يقطع رجاءَه من أنَّ زمن الله لن يتأخر. يطلب الله من الأنسان فقط أن يثق به وألا ينغوي سريعا بمظاهر الحق والعدل الفاشلين.
كان يجب أن يمُرَّ الرسل بتلك المحنة القاسية في زمن إمتحان ابليس بحضور المعلم، حتى إذا داهمتهم محن أقسى في غيابه عنهم لا يتخاذلون بل ينظرون الى زمن القيامة المجيد و المفرح فيصمدون. كان ينبغي لهم أن يتعودوا على يد ابليس على غياب المعلم ولو مؤقتا حتى يتذوقوا حلاوة نصرهم عليه بقوة يسوع عندما يدحرون ابليس فاشلا ويتابعون عمل يسوع، فيفرحون بالتالي بآلامهمهم من أجل المسيح (أع5: 41). كانت محنة الآلام تدريبا وتهذيبا، إنه زمن الجفاء الذي يشعر به كل مؤمن أو رسول بغياب الرب عن حياته ويكادُ اليأسُ يُمَّزقه. عندئذ يشرق أمامه نور القيامة الذي يبدد كل شك ويحول كل ضعفٍ الى قوة. آلام المحنة وضيقها يبددها فرح معاينة يسوع حيا وقويا يضمن إنتصار أعوانه ايضا. هكذا مرَّ اسطيفانوس وكل قوافل الشهداء بزمن المحنة وتهَّيأوا بواسطتها الى زمن المجد والراحة والهناء.
¨ الآن تمَّجدَ ابنُ الأنسان !
هكذا قال يسوع عندما خرج يهوذا الأسخريوطي ذاهبا ليقود زمرة القابضين عليه. يهوذا يخون ويسلم، أخذ ضوءًا أخضر لها. إنها ساعته. ويسوع بالأمه يدخل المجد الألهي الأزلي. إنها ساعته. صرَّح قبلها بأن وقتَ ، ساعة مجده قد حانت. بينما لما قبض عليه اليهود قال لهم :" هذه ساعتكم ! وهذا سلطان الظلمة" (لو22: 53).فالألم والمجد متداخلان ومتكاملان. ساعاتهما متعاقبتان. لكل واحد وقته الخاص، وفعله الخاص ويحصل على نتيجة خاصة به. إعتبر ابليس ساعته فخرا ومجدا بقتل يسوع ولكن ظهر أنَّ ذلك سهوٌ. لأن مجدَ يسوع صارَ عارًا وفشلا ذريعا زادَ من عذابِ ابليس. إنهيارُ الرسل وهربهم كان نصرا لأبليس لكنه صار خبرة وآزداد إيمانهم قوة بقيامةِ المسيح. ساعتان تشابكتا وختمتا حياة الرسل بطابع لا يزول.
هذا هو الوقت. إنه زمن جزءٌ من حياة الأنسان. إنه غالٍ وخطير. وله نتائجه الحتمية عليه. فإما يتحملُ وزرَه أو يتنعمُ حلاوته. هذا الوقت الذي لم يفهم الرسل مخزاه قبل الآلام إفتهموا غلاوته بعد القيامة ولن يفرطوا به بعدُ ، بل كانوا " يصرفون أوقاتَ فراغهم كلها في أن يقولوا أو يسمعوا شيئًا جديدًا" (أع17: 21)، ويُعلمون المؤمنين أن ينتهزوا الفرص السانحة ويتحذروا لئلا تداهمهم الأوقات السّيئة (أف 5: 16؛ كو4: 5). أدى يسوع شهادته في "وقتها" وعلى التلميذ أن يشهد له ايضا في " الوقت" الذي تطلب فيه منه (1طبم2: 6). و الرب هو الذي يحكم ببراءة شهادة التلميذ أو بطلانها و" سيظهر ذلك في وقته " (1طيم6: 15) ، أى عند مجيئه.

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com