الأحــد الثـالـث للقــيامـة !
تـذكار الشفعاء المحليين لكل كنيسة 2016.04.10
يُتلى علينا اليومَ إنجـيل -::< يوحنا 14: 1-14 >::- وينقلُ إلينا حديثَ يسوع عن فراقِه عن تلاميذه عن قريب وقلقلهم على ذلك. يُطمْئِنُهم يسوع ويُسَّليهم بأنَّ فراقَه لِصالحِهم إذ يذهبُ ليُهَّيئَ لهم مكانا وسيعودُ ليأخذَهم عندَه. فكروا أنه عازمٌ ليسافر الى بلد بعيد حتى يؤسسَ فيه مملكة إسرائيل ثم يأخذهم ليستوزرَهم على شؤونها. وقال بأنَّهم يعرفون ذلك البلد والطريقَ إليه. إعترضَ عليه توما لأنهم لا يعرفون أين هو ذاهب. وهنا يُعيدُ يسوع إلى أذهانهم ما سبق وأعلنه للملأ وسيُعلنه أمام السلطات الرسمية : مملكتي ليست من هذا العالم (يو18: 36). مملكته هي مملكة الله الآب والطريقُ إليها هو يسوع نفسه. لأنَّ دولته تتأسسُ على دستور هو الحق والبر ونظامها هو تعليم يسوع المسيح. ولأن يسوع هو الله فمن رأى يسوع رأى اللهَ نفسَه. فيسوع لم ينطق بشيء ولا عملَ شيئًا إلا ما هو حياة الله الثالوث.
¨ لا تضطرب قلوبُكم !
لا تخافوا. لا تسلكوا بعاطفة. لا تكونوا بشريين فقط. لقد عايشتم الله فآرتفِعُوا قليلا الى فوق بأذهانكم وقلوبكم. ولما زادوا في الطلب وقال فيلبس " أرنا الآب" تألم يسوع عن بُطئ فهم التلاميذ وعن شِـدّة الجهل المتجَّذرفيهم. فلامهم بلطف ولكن بمرارة :" أ لم تعرفني الى الآن يا فيلبس" ؟. أَ لم تعرفْ أني الله أعيشُ معكم؟. أ لم تشعر بأني الروح النابضُ فيكم حتى قلقت لخبر فراقي عنكم؟. عليكم أن تتعوَّدوا يا فيلبس أن تروا الله فيكم ومعكم بالأيمان لا بعيون الجسد!. فيَّ عرفتم الله وعلمتم ما هي مملكته. إنها ليست دولة زمنية بل حياة ً أبدية. لا يا تلاميذي لا يحُّقُ لكم بعد أن تتصَّرفوا مثل أبناء العالم. أنتم أبناء الله وقد مَيَّزتُكم بنعمٍ خاصة وجبَ عليكم أن تستثمروها وتسلكوا على ضوئِها. العالمُ نفسُه بحاجةٍ الى إيمانكم هذا وشهادتكم حتى يخلُصَ هو أيضا. لقد آن الأوان أنْ تُفرِغوا ذواتِكم من طرق تفكيركم وسبيل رغائِبكم لتلبسوني أنا وتفكروا مثلي وتُحبوا مثلي وتسلكوا مثلي. لقد آن الأوان لتتطهروا من فسادِ إنسانيتكم الجسدي كي تتقدسوا بروحي الألهي وتُصبحوا آلهةً بحياتكم.
عَـبَّر يسوع عن ألمِهِ وأسفِه لكنه لم ييأسْ من التغيير الذي يصبو إليه. يحتاجُ الآن إلى أن يشُّدَ اليه تلاميذه بالحب والحنان. وأن يشعروا بحاجتهم إليه. إنه عالمٌ بضعفِهم وبالجرح البليغ الذي أجرته فيهم الخطيئة. لذا فهو يُضاعفُ تجاهَهم العناية والأهتمام. أحَّسَ بمخاوفهم عن مغادرته لهم لأنهم يشعرون أولا بالتشَّتُت نتيجة أخبار الخيانة والنكران والموت. و ثانيا سيواجهون العزلة أمام أعدائه الذين سيحاسبونهم بدورهم. لمْ يتعَّودوا بعدُ الأتكال كليا على الله. ويجهلون مصيره الذي قد يساعـدهم إذا إحتاجوا إليه في ضيقهم و شدَّتِهم. فآمتلأوا قلقًا وحيرة ً. وآمتلأَ هو عطفًا عليهم ورحمة. وأخذ يُعالجُ جُرحَهم. كعادته بدأ بطمْأَنتِهم "لاتخافوا " أو لا تضطرب قلوبكم. وبهذا يؤكد لهم أنه لا ينعزل عنهم كليا ، بل يبقى قريبًا منهم حتى في غيابِه. وغيابُه نفسُه لابُدَّ منه لأنه يُحَّققُ مصلحتهم وأحلامهم بشكل أفضل مما كانوا يتصَّورونه.
¨ أرجــعُ إلــيكم !
ويَعدُهم يسوع بأن يعودَ إليهم. والعودة إن عنت شيئًا فتعني أنه لا فقط لايُهملُهم بل هو يهتَـمُّ بهم ويتابعُ خطَّـته لتحقيق مع وعدهم به. عندما إختارهم مرافقين له وتلاميذ لم يكن ليستغلهم ويبني على أكتافهم مجده. ها هوذا يواجه أبشع مصيروأدناه كرامة. إنه سيُصلب مثل مجرم. إختارهم ليشاركوه بناءَ مملكةِ الله على الأرض. وهذا من شأنه أن يُمَّجدَهم هم لا هو. لأنه إن كان هو الله فهو لن يزدادَ مجدًا. ومجده في ذاتِه، حياته وأفعاله، لا في ما يصنعه البشر له. أما إذا أقام مملكته الألهية على الأرض وكانوا هم أصحابُه قادَتَها وحُماتها فعندئذٍ ينالون مجدًا بذلك. وهذا من شأنه أن يُخَّففَ من شدةِ وطأةِ محنةِ فراقه عنهم. ومن شأنه أن يُغَّذيَ
صبرَهم ويسندَ صمودَهم، فينتظروا النتيجة بهدوءٍ ورجاء.
¨ أستصحبُكم معي !
ربما إفتهموها لأول وهلة أنه يأخذهم معه الى البلد الغريب حيثُ يشكل مملكته وهناك يسَّلمهم مقاليد الأدارة. لكنهم إفتهموها على أية حال أنَّ وضعهم، هم أيضا، سيتغَّير ونحو الأفضل مما هم عليه. وهذا يُدخلُ الراحةَ الى بالهم، أو أقله سيسندُهم عند المحنة فلا ينهاروا كليا بل يُحافظوا على ولو بصيص من الأمل في أنَّ النهاية لن تتأخر كثيرًا وتكون مُفرحة. لأنهم يثقون بالرب أنه لا يكذبُ عليهم ولا يسخرُ منهم. ويقولُ أنه سيستصحبهم الى حيثُ يكون هو. إذن إنهم يضمنون أن المحنة لن تقضيَ عليهم. ونهايتها تُبَّشرُ بالخير رغم قساوة ما تُنبيءُ به من أحداثٍ مُرَّة ومُرعبة. مهما كان الهولُ مخيفًا ومُدَّمرًا إلا إنَّ وعدَ الرب قادرٌ على صَّدِ أعتى هجمات الشر. لقد إختبروا ثقة مصداقية يسوع وقدرته. وقد غمرهم بحبه و حنانه فلا شيء يقوى على أن يجعلهم يشكون في أقوال وعودِه.
¨ الى من نذهب وكلام الحياة الأبدية عنـدك ! يو6: 68
سبق وصَرَّحَ بطرس بهذا القول. لم يفقدوا هذا الأيمان بيسوع. وحتى لو قلَّ عند الأغلبية لكن بطرس لن يفقدَه. لقد صَّلى الرب من أجله ليثبتَ في هذا الأيمان ثم يُثَّبتَ ضعفَ إيمان البقية (لو22: 31-33) بأنه مهما حدثَ له فهو المسيح إبن الله الحي الذي إنتظرته البشرية، والذي حظيوا هم بما لم تحظ به أجيال الآباء والأنبياء (لو10: 24). محَّبةُ يسوع العظيمة لتلاميذه الذين أحبهم الى نهاية المحبة (يو13: 1) حتى ببذل حياته من أجلهم (يو15: 13)، ورحمتُه الواسعة جعلته لا يستخفُ بقلقهم ولا يقَّللُ من شدةِ المحنةِ في عينهم، بل يتصَّرفُ حسب واقع الأحداث فيهتم بهم بجدية، لأنهم لم يمُرُّوا بهكذا تجربة، ويحاولُ تبديدَ خوفهم بكشفِ حقيقةِ ما يتبع الأحداث من فرح و راحة و مجد يُغَّذي حياتهم أثناء المحنة فلا يسقطوا تحت عبئها:" لن أدعكم يتامى. بل أرجع اليكم وتروني حَّيًا وتحيون.وتعرفونَ أني في أبي وأنكم فيَّ وأني فيكم "(يو14: 18-20).
هذا هو الله الأب المحب الرحوم وهذه هي معاملته لأحبابه. يدعوهم إلى سلوك طريق الحق. و الحق لم يروه في غير شخص يسوع، الأله المتجَّسد. يسوع وحدَه يقدر أن يقودَ الأنسان الى الله وأن يُمَّتعَه براحتِه وهنائِه. لأنَّ من آمن بالله وأحبه وسمع كلامه سيدخلُ مع الله في وحدةٍ حيوية تروي حياته بكل ما يُسعدُها ويُرَّيحُها. ويتحَّققُ ذلك بعدَ أنْ يَعبُرَ التلميذُ إختبارَ الحياة. لأنَّ الحياةَ االأرضية مهما كانت مغرية إلا إنها لا فقط لا تخلُو من أشواك وحجارةٍ يتعَّثر بها المؤمن، بل وتخوضُ جهادًا من أجل الشهادة للحق والبر. وقد يكونُ هذا الجهاد أحيانا قاسيًا ومميتًا. لكن من يبقى واثقا بالله ويصمدُ في الحق سيخرجُ من الجهاد منتصِرًا و مُمَجَّـدًا.
ولا عُذرَ للمؤمن، من أي زمن أو بلد، أنه لم يرَ الله ولا يعرفُ مشيئَته. لقد رأتْ البشرية ُ كلها، في شخص التلاميذ ومعاصري يسوع، اللهَ وعرفت أعماله وحَدَّدَتْ سلوكَه فلا يسوغُ للأنسان أن يقولُ " من رأى الله، و من سمعه ، ومن شاهد تصرُفَه "؟؟. بل لقد شهد التلاميذ :" الله الذي هو منذ البدء، ذاك الذي سمعناه، ورأيناه بعَينينا، وتأَمَّلناه، ولمسته يدانا من كلمة الحياة، لأنَّ الحياة تَجَّلتْ فرأيناها ونشهد لها، .. نُبَّشِرُكم به لتشاركونا أنتم ايضا كما شاركنا الآبَ وآبنَه يسوع المسيح "( 1يو1: 1-3). هذا الأيمان قادر على أن يسند مسيرة الأنسان في الحق وأن يواجهَ أعتى أعاصير الشر والفساد بدون خوف ، بل في ظل الثقة بالأنتصار بعون الضافر الأول الذي قال :" ستُعانون الشِدَّةَ في العالم. فآصبروا لها. لقد غلبتُ العالم " (يو16: 33).

القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com