الأحـد السابع للصوم !
عــيد الســعانين 2016.03.20
يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< متى 20: 29 ــ 21: 22 >::- ويقُّصُ علينا خبر دخول يسوع الملوكي الى أورشليم ، يحتفي به الرسل والشعب وحتى الصبيان الذين يُنشدون بإلهام من الروح القدس صارخين " ليحيا الملك. المجد في العلى. المجد لآبن داود "، معلنين بذلك إيمانهم بأنَّ هذا يسوع الناصري هو المسيحُ الملك الموعود من زرع داود، وهو الله الساكن في العلى. إنه كما قال بطرس " المسيح ابن الله الحي". لكَّن هذا لم يرُقْ للقادة الدينيين بل إنزعجوا منه وآعترضوا عليه. خاصّة عندما دخل الهيكل وطردَ منه التجّارَ والصيارفة. كان ذلك تحَّدِيا منه عليهم وكشفًا لهويته ورسالتِه. إلا إنهم رفضوهُ.
¨ بأيِّ سُلطان ٍ تفعلُ هذا ؟
لقد تمَّرَدَ يسوعُ على سلوك القادةِ ونقضَ الجزءَ الأكبر من تعليمهم. أعلنَ يسوع من البدء أنَّ مواقف القادة الدينيين الفكرية والخلقية لا تتماشى مع إرادةِ الله وشريعتِه المُعلنة ، ولم يترَّددْ في مخالفتهم. سمعناه يقول :" سمعتم أنه قيل لكم ... أما أنا فأقولُ لكم "(متى5: 21-43). لقد أهملوا شريعة الله، وأقاموا مقابلها بآسم الله شريعتهم الخاصّة (مر7: 8). إنه حكمٌ صارمٌ وقرارٌ لا تراجع عنه ، يسوع لن يمشي في ركبهم. ولن يتهاون في مقاومةِ أخطائِهم وفضح عماهم الفكري وفقرهم الروحي. يُنَّددُ كذلك بأعمالهم السيّئة والمناهضة لشريعة الله ، فقال : " إسمعوا أقوالهم ولكن لا تفعلوا مثلَ أعمالِهم. لأنهم يقولون ولا يفعلون "(متى23: 3). لقد تحَّدوا حدودَهم الأنسانية ونصبوا أنفسهم سادةً وآلهة ، بينما ليسوا سوى بشر فقراء :" أنا دودةٌ لا إنسان"(مز22: 6). وكقادة لم يتصَّرفوا بمحبة وعناية فلم يخدموا بل ساسوا كأجراء فسرقوا وسلبوا وحتى كذئاب خاطفة (يو10: 7-13).
لم يقُل اللهُ للأنسان :" تكَّلم فأسمعُك وسأحفظُ كلامَكَ ؟!. بل قال له :" إسمع أنتَ يا إسرائيل: الربُ الأله ربٌ واحد. فأحبوا الربَّ الهَكم.." (تث6: 4-5). وإنْ " سمعتم كلامي وحفظتم عهدي تكونون شعبي.." (خر19: 5-6)، ويضيفُ : " وأنا أرحمُ من يُحبوني و يعملون بوصاياي"(خر20: 6). بينما لا فقط أهمل القادة الروحيون وصايا الله (يو7: 19) بل زادوا فخالفوها ليحافظوا على شريعتهم ومناصبهم وآمتيازاتهم (متى15: 3). وهكذا لم يتحملوا اليوم أن يروا الجماهيرَ تخرجُ عن طوعهم وتُكَّرمُ وتبَّجلُ يسوعَ كملك ، في حين رفضوا هم الأيمان به كذلك الى درجة أنهم هددوا بمعاقبة كل من يعترف به مسيحًا (يو9: 22). غاظهم تصَّرفُ يسوع أنه يُبريءُ المرضى (آية 14)، ويقبل المجدَ من أطفال فآستنكروا هتافات الصبيان القائلين" حَّيوا ابن داود! يحيا الملك الأله " (آية 15)، ولم يُخفوا إمتعاضَهم لذلك ، بل تمَّسكوا برأيهم حتى قرروا مواجهته علنا وتصفية الحساب معه.
قرروا كشفَ هويتِه ، من هو؟ خاصة وأنه يخالف قوانينهم بخصوص راحةِ السبت (يو5: 18)، ويجَّدف (مر14: 64)، إذ يُساوي نفسَه بالله (يو10: 30؛ 14: 9). إنه لا يتبعهم ولم يتعَّلم في مدرستهم (يو7: 15) فمن" أين له هذه الحكمة وتلك المعجزات "؟ (متى13: 54). وبأيّ سلطان يتحداهم، ويأمرُ في الهيكل ويُنهي دون مشورتهم وتخويله بأن يتحَّكمَ في خدمةِ
الهيكل. إنه صراعٌ مرير يقوده الحسد(مر15: 10) والغيرة (يو11: 48؛ 12: 19).ليس في نيتهم أن يعرفوا الحقيقة ليقبلوا بها. بل يبحثون عن طريقة ليقتلوه ويتخلصوا منه. فتكالبوا و تحَّلبوا عليه في اليوم التالي موَّجهين اليه تهمة مخالفة التدبير الألهي قائلين :" بأَيِّ سلطان تفعل هذا "؟ (متى21: 23). كأنهم يقولون " من خَّوَلك أن تزيحَنا وتأخذ القرارات عوضًا عنا نحن الذين أقامنا الله أوصياءَ على الهيكل والشعب"؟؟.
عداؤُهم ليسوع تعَّدى مرحلة إسكاته بالقبض عليه وايداعه السجن (متى21: 46) مثل يوحنا
(متى14: 3-5). لقد " إشتدَّ سعيُهم في قتله" (يو5: 18)، بل" عزموا على قتله " (يو11: 54)، لذا باتوا يتحَّججون عليه و يبحثون الآن عن مستمسك لينفذوا خطتهم، ويقتلوا لعازر أيضا لأنه بسبب قيامته " ينصرف يهودٌ كثيرون عنهم ويؤمنون بيسوع ويتبعونه "(يو12: 10-11). قرارٌ صاعقٌ يدُّلُ على مستوى الحقد الذي بلغوا اليه حتى يتخذوأ هكذا إجراء!!.
تقوقعُهم على آرائهم وآنصهارُهم في رغائبهم غوَّش عليه الرؤية فلم يُبصروا الحقيقة ولم يعترفوا بها حفاظا على منافعهم فأصبحوا قادة ًعميان (متى 23: 16؛ يو9: 41)، فصلبوا ربَّ المجد (1كور2: 9) بحجة أنه كفر(يو10: 33؛ لو22: 71) بينما هو قال الحق!
¨ إِذا إضطهدوني ، يضطهدونكم أيضا ! يو15: 20
عاد اليهودُ يسوع وقتلوه. وهل خمد حقدهم وتوقفوا عن سوئهم؟. وهل أطفأوا النورَ الذي بدَّد ظلمتهم وفضح جهلهم وزيفَ أخلاقِهم؟. هل إرتاحوا؟. لا يبدو. بل إستمروا في ملاحقة يسوع حتى بعد موتِه. فإِنَّ الحق الذي نادى به لم يختفِ، ولا تراجعَ المؤمنون به. بل صار نور تعليمه يشُّعُ في كل مكان بواسطةِ تلاميذه الذين رفعوا شعلته عالية وجابوا بها العالم أجمع. إنَّ الزرعَ الذي بذره يسوع نبتَ ونما وأثمر وصار شجرةً كبيرة تُظلِلُ لا شعبًا واحدًا فقط بل شعوبا وأمما. وبآتساعِ رقعةِ بلاد الخلاص وتكاثرِ عدد رسُلِه ومناصريه إتسعت رقعة عِداءِ العالم لهم وآزدادَ عدد الأعداء وأعوانهم. وإذ كان غيظ القادة اليهود ضد يسوع مُعَّبَئًا ومدفوعًا من التنين، حية الفردوس القديمة " أي ابليس الشيطان" (رؤ20: 2)، نزل التنين الى ساحة المعركة بأشّدِغيظٍ و أوحشِ عنفٍ و" مضى يُحاربُ..الذين يحافظون على وصايا الله، وعندهم شهادة يسوع المسيح " (رؤ12: 17).
لقد بدأوا بقتل اسطيفانوس ويعقوب ثم بطرس وبولس، وظلت قافلة الشهداء تتواصلُ جيلا بعد جيل وبلادًا بعد بلاد حتى أروت دماؤُهم كافة أقطار العالم ، وصارت بذارًا للمؤمنين الجدد. وقد تنوعت عذاباتهم من حرق وتقطيع ونشر وذبح وصلبٍ ولاسيما إلقائهم فرائس للحيوانات المفترسة. وهل نحتاج الى توثيقٍ وبراهينَ ولازلنا في أيامنا نشاهد مناظر الرعب والوحشية تنقلها وسائل التواصل الأجتماعي عن محاربة العالم لأتباع المسيح، رسل البِرّ و الحق؟. لقد إتفق "التنين والوحشُ والنبيُّ الكذاب ، وهي حَّقًا أرواحٌ شيطانية " (رؤ16: 13-14) فأهاجوا الأمم والدول " الى الباطل، فقام ملوكُ الأرض وتحالفَ الرؤساء جميعًا على الرب ومسيحِه "(أع4: 26).
هذا هو صراعُ الحَّق مع الباطل. بدأ مع يسوع لذا حسبَ مجيئَه سيفًا لا سلامًا (متى 10: 34). لقد رفع الباطلُ سيفه على الحق ورسله ويأبى أن يَغمدَه. ورفَع الحَّقُ راية الحُب و الإخاء والسلام ويأبى أن يستسلمَ ، وما زال يكتسحُ البلاد ويربو عددًا ويكسبُ آلافَ القلوب ، ويجُّرُ البساط من تحت أقدام الدَجَّالين. حَّقًا تحَّوَلتْ دماءُ الشهداءِ الى بذار حنطةٍ تُنبتُ سنابل و تُنَّمي أشجارًا تستظّلُ الطيورُ الحُرَّة في أغصانها (متى13: 22). هذه الأخبار لا يبُثُّها أعداء المسيح لأنها تؤلمهم إذ تُوَّثقُ فشلهم، بينما يفتخرون بالتفجيرات والحرق والقتل ولا يحسون أنها قبورٌ يحفرونها لأنفسهم بأيديهم. وإن كان الرَّب قد سمح لأبليس وأعوانه أن يعّذبوا أبناءَه فلكي يُشرِكَ هؤلاء بمجده (يو17: 22-24)، ويأخذ أولئك بجريرتهم ، فيكتملُ قوله للفريسيين العميان :" إنكم تقولون إننا نبصر، فخطيئتكم ثابتة" (يو9: 41). إنهم رأوا المسيح لكنهم رفضوا أن يؤمنوا به. و" من لم يؤمن بالأبن لن يرَ الحياة الأبدية ، بل يلزمُه غضبُ الله "(يو3: 36). ومن يُحاربُه " كان خيرًا له لو لم يولد" (مر14: 21). هذا الأيمان سلاح الكنيسة وهذا الرجاءُ نور المؤمن وراية نصره. غضِبَ قادة اليهود على يسوع و قتلوه. هو تمجَّد فصار إسمه وحده يُرعبُهم ويقُّضُ مضاجعَهم. أما هم فجَّروا فعلاً أذيالَ خيبةِ الفشل ولا زالوا يحترقون بنيران الندم.
القس بـول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com