الأحــد السادس للصـوم !
2016.03.13
يُتلى علينا اليوم إنجـيلُ -::< يوحنا9: 39 ـ 10: 21 >::- بعد شفاء الأعمى من مولِدِه يُلَّقِنُ يسوع درسًا للفريسيين ، الذي يرفضون الأيمان به ويُحَّرضون غيرهم أيضا على ذلك ، فيُنعتُهم بالعميان . لأنهم إدعوا الأيمان وهم لم يعرفوا الله (يو7: 28؛ 8: 55)، وآدّعوا تطبيقَ الشريعة وقد أهملوها(يو7: 19) لأقامةِ سُنَّتهم الخاصة (مر7: 7-8). ليتهم كانوا عميانا بالجسد مثل الذي أبرأه ولا عميانًا بالفكر والروح بحيث زاغوا عن الحق وتاهوا كالعميان في الضلال ولم يسلكوا طريقَ البر، ولم يرعوا شعبَ الله. ويعطيهم مثلاً عن الراعي الصالح ويُعَّددُ صفاتِه : إنه يعرفُ قطيعه، ويدعو الخرافَ بأسمائها، ويحبُّ خرافه، ويهتم بها، ويداريها، ويحميها، ويبذلُ نفسَه في سبيلها. وليس كالأجراء الغرباء الذين لا يهتمون إلا بمنفعتهم وأُجرتهم فلا يجهِدون أنفسَهم ولا يخاطرون بها دفاعًا عن القطيع.
يبذلُ نفسَـه عن خرافِـه !
البذلُ صفةٌ نادرة لا تتوفَّرُ في كل الناس. إنها دليل محَّبةٍ فائقة لا يبلُغُها إلا القليلون :" ما من حُّبٍ أعظم مِن حُّبِ من يبذلُ نفسَه عن أحّبائِه "(يو15: 13). لأنَّ البذل يعني التنازل عن الذات، عن كل ما يملكه الأنسان حتى عن الحياة، لأجل ضمان حياةِ المحبوب ومتطلباتِها. يفَّضلُ الباذلُ غيره على نفسِه لأنه يُحِبُّه. لكن البذل هو العلامة الأساسية المُمَّيِزة للراعي. و هذا ما فعله يسوع فعلاً. لقد تنازل فتخَّلى عن مجده الألهي،" متجَّرِدًا من ذاتِه ليتَّخذَ صورة العبد، وتواضعَ فأطاع حتى الموت"(في2: 6-8)، بينما هو خالقُ الكون وسَّيدُه. بل صار لعنة ًوهو البار متحَّملا خطيئة البشر(غل3: 13). يسوع الذي " ما عرفَ الخطيئة جعله الله خطيئة ًمن أجلنا، لنصيرَ به أبرارًا عند الله " (2كور5: 21)، كلُّ ذلك لأنه أحَّبَ البشر. فكم
يكون الحبُ عظيمًا حتى يكون البذلُ مدهشًا وصاعقًا بهذا المستوى : الله الخالق و القدوس يُعتبرُ مجرِما و يُصلبُ كمُجَّدفٍ ولا يرفُضُ لأنه يريدُ أن يُنقذَ الأنسان بدفع فاتورة آثامِه و جرائمه التي لا يقوى على تسديدها ؟.
المصيبة الكبرى هي أنَّ الخطأة رفضوا محبة الله وصُحبته :" الى خاصَّتِه جاءَ وخاصَّتُه لم تقبله" (يو1: 11)، ولم يتندموا إلا بعد فوات الأوان. أمّا اللهَ فأظهرَ محَّبة ًعظيمة قادتْه الى إستعمال رحمةٍ واسعة عوض عدله فيغفرَ للأنسان زلَّته ويُعطيَه من جديد فرصة الحياة !. هذا هو الراعي الحقيقي للبشرية. الراعي الذي يعرفُ الناسَ كلَّهم، وأسماؤُهم منقوشةٌ على كَّفِ يده، ويُحّبُهم ويهتم بهم ويرعاهم و يُحَّذرُهم من الشر، ويبذلُ حياتَه حتى يفتديهم. يحترمُ حتى المجرمين منهم الذين يُجَّدفون على إسمِه، وعوض معاقبتهم يسامحهم ويُعطيهم فرصة العودة اليه بحريتهم. هكذا أوحى راعي الأنسانية الى هوشع النبي قائلا : " أنا الذي عَّلم الناس المشيَ وحملهم على ذراعِه ...و جذبتُهم إليَّ بحبال الرحمة و روابط المحبة ، و كنتُ لهم كأبٍ يرفعُ طفلاً على ذراعِه و يحنو عليهم و يُطعِمُهم" (هو11: 3-4).
رعـية ٌ واحـدة و راع ٍ واحـد !
قال يسوع أنه وحدَه الراعي الصالح الذي يهمه فيضمن منفعة الخراف ، القطيع/الرعية. و أكَّدَ أنه وحدَه بابُ حظيرة المؤمنين: يُغلّقُ في وجه الغرباء والأعداء ويحمي القطيع من أذى الذئاب المفترسة، ويُفتحُ للخرافِ وراعيها فقط. يسوعُ وحدَه يرعى كلَّ المؤمنين. ربَّما قصدَ يسوع بالحظيرة جماعة المؤمنين به من التلاميذ الأوائل الذين بلغ عددهم 120 مؤمنًا عند صعوده (أع1: 15). لكن يسوع أضافَ قائلا: " ولي خرافٌ أخرى ليست من هذه الحظيرة. فتلكَ أيضًا لا بُّدَ لي أن أقودَها. ستسمع صوتي فيكون هناك رعية واحدة و راع واحد" (آية 16). أيَّ خرافٍ وأيَّـة َحظيرة؟. يخطر في البال أنه يعني الوثنيين الذين سيؤمنون ويدخلون
حظيرته. لا شَّكَ في ذلك وقد شملهم في صلاته الأخيرة :" أدعو أيضا للذين سيسمعون كلام
الرسل ويؤمنون بي" (يو17: 20). وقد أكَّد بولس هذا المنحى بقوله: " لقد هدمَ بجسده الحاجز الفاصل بينهما .. ليخلق من هاتين الجماعتين.. إنسانا جديدا... حتى تصيرا جسدًا واحدًا " (أف2: 14-16). إنَّ تركيزَ يسوع هنا هو على" وحدة الراعي"، بينما ركَّز، في صلاته ، على وحدة الرعية على مثال الراعي الألهي الواحد و معه (يو17: 21-23). و بوحدة الراعي والقطيع أراد يسوع أن يُثَّبتَ إمتداد رعيته بالذين سينضَّمون اليها بكرازة الرسل على مَّر الأجيال.
يسوع هو الراعي الوحيد لتلاميذه ، وتلاميذ تلاميذه الى نهاية العالم. لن تكون قطعانُ الرسل ورعايا الحظائر التي ستتشَّكلُ عبرَ القارات مختلفة عن قطيع حظيرة يسوع، ولا سيكون لها راع ٍآخرَ مختلفٌ عن يسوع. بل ستكون كلها رعية المسيح الواحدة في حظيرة/كنيسة واحدة متحّدة ً بينها من خلال الراعي الواحد وداخلة ً بواسطته الى الوحدة مع الثالوث :" كما أنتَ فيَّ أيُّها الآب، وأنا فيك كذلك ليكونوا فينا واحدًا.. وتكون وحدتهم كاملة ً"(يو17: 21-23). لقد بذل يسوع حياته ليحَّققَ هذه الوحدة. توجد بشريةٌ واحدة يرعاها إلـهٌ واحد ويقودُها اليه راع ٍواحد، باب الخراف الى الحظيرة. هو وحده جاءَ لتحيا الخراف ، وتفيضَ فيها الحياة ( آية 10)، و لأنه به خلقت الكائنات كلها من ضمنها الأنسان وهو وحده نور حياتها (يو1: 9 -10). سيُعلن يسوع ذلك قبيل موته :" أنا هو الطريق والحق والحياة. لا يمضي أحدٌ الى الآب إلا إذا مَّر بي"(يو14: 6).
الأنجـيل شــهادة الكنيسـة !
نعرفُ أن إنجيل يوحنا هو آخِرٌ سفر كُتبَ عن العهد الجديد والكنيسة قد قطعت شوطًا بعيدا من مسيرتها وآنتظامها وشهادتها عن حياة يسوع ، كلامه وأعماله. و يُنهي يوحنا إنجيله بقوله أنه يشهدُ بأمور يسوع ويُدَّونها (يو21: 24). لقد دوَّن شهادة ولم يقل أنه " نقلَ حرفيا ما أُمليَ عليه". لا ينقل يوحنا أخبار يسوع بشكلٍ حرفي. بل يتأملُ فيها أولا، ثم يُصغي الى الروح الذي يُلهمه لأدراك عمق معناها وفحواها. إنه الوحيد الذي يكرر مرات عديدة عبارة أن التلاميذ لم يفهموا كلام يسوع أو تصَّرُفه إلا بعدما تمَّجد بالقيامة وبعد أنْ أفاضَ الروحَ القدس على كل المؤمنين به (يو2: 22؛ 7: 39؛ 12: 16؛ 14: 26). وبعدما يغوصُ يوحنا إلى عمقَ التعليم ينقلُ لنا الحَّـقَ، شهادة و أمنيةً، لنؤمن وننال مثله الحياة، وحياةً فائضة، بآسم يسوع (يو20: 31).
لقد أدَّى يوحنا شهادته بأمانة ودِّقة. والكنيسة كلها تشهد ليسوع أنه وحده " الطريق والحق و الحياة "، وتدعو أبناءَها عبر الأجيال والأمصار، لاسيما في العقود الأخيرة، ليكونوا إمتدادا لشهادة الرسل ، وأن يحفظوا وصّية الرب " أنتم شهودٌ لي" (أع1: 8)، ويؤّدوا، كل واحد بحياته الخاصّة، شهادة حيَّة عن الراعي الصالح الأوحد ، وبذلك يؤمن العالم " و يعرفَ أنَّكَ أنتَ الذي أرسلتني ، وأني أحببتهم كما أحببتني" (يو17: 23).

القس بول ربــان

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com