كنيسة المشرق ( الإسم والُّلغة )

الشماس نوري إيشوع مندو

أُطلِقَ على كنيسة ما بين النهرين عدَّة أَسماء حسب الظروف التي مرَّت بها البلاد. فمنذ البدايات إتَّخذت إسم " كنيسة المشرق " وباللغة الكلدانية " عيدتا دمذنحا "، وهذه التَّسمية إتَّخَذَتها من إنجيل متَّى " رأينا نجمَهُ في المشرق فجئنا لنسجدَ له " .
وتُعتَبَر كنيسة المشرق من أقدم الكنائس المسيحيَّة، وهي أكثر " الكنائس الشرقيَّة شرقيَّة ً " . وهذه التَّسمية تعتبر الأصحّ والأشمل، لأن هذه الكنيسة تكوَّنت من أقوام شتَّى، من سومريِّين وأَكَّاديِّين وبابليِّين وكَلدانيِّين وآشوريِّين وآراميِّين ويَهود السَّبي والقبائل العربيَّة في الجزيرة والخليج، ومن الشّعوب الفارسيَّة والتُركيَّة والمَغوليَّة والهِنديَّة والصِينيَّة والتَتريَّة وغيرها. جميعُ هذه الأقوام إحتَضَنَتهم كنيسةُ بلاد ما بين النهرين ووحَّدتهم كأمٍّ ومعلِّمة في الإيمان والرِّئاسة والطُّقوس والشِّركة.
وعندما قبِلَت تعاليمَ نَسطور نُعِتَت بـ " الكنيسة النَّسطوريَّة "، وبسبب وجودها في الإمبراطوريَّة الفارسيَّة دُعيَت بـ " كنيسة الفرس " ، لتمييزها عن كنيسة الرّوم ومركزها إنطاكية. ودُعيَت بـ " الكنيسة السريانيَّة الشرقيَّة " ، تمييزاً لها عن الكنيسة السريانيَّة الغربيَّة أَيّ " اليعاقبة " .
وعندما انضمَّ أبناءُ كنيسةِ المشرق في قبرص إلى الكنيسة الكاثوليكيَّة في عهد البابا أوجين الرابع سنة 1445 دُعيَت بـ " الكنيسة الكَلدانيَّة ". وعندما إتَّحدَ قسمٌ من أبناء كنيسة المشرق في بلاد ما بين النهرين بالكنيسة الكاثوليكيَّة بشخص الجَاثَليق يوحنَّا سولاقا بلّو سنة 1553 دُعيَت كنيستُهم بـ " الكنيسة الكلدانيَّة "، وأُطلِقَ على الجاثليق لقب " بطريرك بابل على الكَلدان ". أمَّا الذين لم يتَّحدوا فدُعيَت كنيستُهم فيما بعد بـ " الكنيسة الآشوريَّة "، وذلك في نهاية القرن التاسع عشر.
أمَّا لغة أبناء كنيسة المشرق فهي " الآراميَّة الشرقيَّة " أي " الكلدانيَّة " وتُسمَّى أَيضاً " السُّريانيَّة الشرقيَّة ". ويتحدَّث العلاَّمة المطران إقليمس داوود زبوني عن هذه اُّللغة بالقول: " َأمَّا اُّللغات السريانيَّة المعروفة اليوم، فمنها ما هو مكتوب، ومنها ما هو غير مكتوب. فأَّول اللغات السريانيَّة المكتوبة هي لغة بابل. هذه الُّلغة تُسمَّى في العهد القديم آراميَّة، وتُسمَّى في العهد الجديد عبرانيَّة. ولكن علماء الإفرنج يسمّونها كلدانيَّة نسبة إلى الكَلدانيِّين الذين كانوا أشهر قوم في أرض بابل " .
ويكفي هذه الكنيسة فخراً أنَّ يسوعَ وأُمَّه ورسُلَه قد تحدَّثوا بلُغتها، وذلك واضح من خلال العديد من الكلمات التي وردت في الكتاب المقدَّس مثل: شيلوحا _ بيث حسدا ـ بيث عنيا ـ حقل دما ـ طليثا قومي ـ كيبا ـ يونا ـ مارن أثا.
وقد حافظ الكلدان على الُّلغَة الفُصحى في التدوين والطقس. بينما يتحدث أغلب أبناء الكنيسة بلهجة شعبية تسمى " السّورَث "، وتختلف اللهجات المحكيَّة بحسب المناطق. أمَّا الآشوريّون فقد وحَّدوا لهجاتهم الشعبيَّة في أواسط القرن التاسع عشر، وأطلقوا عليها " لشانا خاثا " أي الُّلغة الجديدة.
ونستطيع أن نستعرض مراحل تتطور هذه اللغة من خلال ما نملكه من مراجع.
يقول دوبون سومر في كتابه " الآراميون ": " وعلى العموم فان الآراميين عندما استوطنوا سورية وبلاد ما بين النهرين، خلال القرنين العاشر والحادي عشر قبل الميلاد، لم تكن لديهم لغة أدبية مكتوبة، ويعود ذلك إلى أنهم كانوا في بداية ظهورهم وانتشارهم، عبارة عن قبائل بدوية متنقلة وأميين غير مثقفين، وهذا ما حدا بأمرائهم وملوكهم إلى اعتماد لغة البلدان التي احتلوها. وفي أعمال الكتابة والمراسلة بعد امتزاجهم بحضارات شعوبها، وتأثرهم بها تأثراً ظاهراً. فعلى سبيل المثال خلف كابارا ملك جوزانا " تل حلف " نقوشاً في بلاد ما بين النهرين، يرجع تاريخها للألف الثانية قبل الميلاد مكتوبة بالخط المسماري، وباللغة الآشورية " .
ويضيف دوبون سومر في كتابه: " ولا شك أن الآراميين ادخلوا إلى لغتهم الكثير من الكلمات، وربما المصطلحات من لغات بعض الأقوام والشعوب المجاورة لهم، بفضل احتكاكهم بها وتعاملهم معها، نخص منها بالذكر الفينيقية والآشورية البابلية، مما ساهم في تطوير الحضارة الآرامية " .
ويقول المطران أقليمس داود زبوني: " فلا ينكر أن لغة الشرقيين أي التي تسميها العامة الكلدانية، هي اللغة الآرامية الصحيحة، ولها فضل القدم على الأخرى، وأن ابن العبري قد توهم غاية التوهم، حيث ذم لغة الشرقيين وفضل عليها لغته الغربية. والذين ادخلوا اللغة السريانية في مدارس أوروبا، قد أساءوا حيث اتخذوا لفظ السريان الغربيين. وكان الأولى بهم أن يتخذوا لفظ السريان الشرقيين، لأنه الأقدم والأحسن، بل انه لفظ جانب عظيم من السريان الغربيين أنفسهم " .
ويضيف المطران اقليمس داود عن لغة السريان الشرقيين: " كلدان آشوريين " في كتابه الشهير " القصارى ": " وأما العبرانيون فتعلموا الكتابة من السريان الشرقيين مرتين، المرة الأولى لما رحل إبراهيم الخليل جدهم من أور الكلدانيين، في القرن العشرين قبل المسيح. والمرة الثانية في القرن السادس قبل المسيح، إذ كانوا في جلاء بابل فتعلموا القلم السرياني الذي كان حينئذ دارجاً في بابل، وهو الذي يقال له عند الإفرنج القلم المربع، ويسميه اليهود القلم الآثوري أي الكلداني، وبقوا يستعملونه إلى يومنا هذا " .
ويضيف المطران داود: " إن كل اللذين ألفوا الكتب في فلسطين في ذلك العصر وما يقرب إليه، كتبوا باللغة السريانية المذكورة التي لسبب كتابتها بالخط البابلي المربع، ولسبب أن اليهود تعلموها في بلاد الكلدانيين يسميها الإفرنج الكلدانية، ومن ذلك أسفار طوبيا ويهوديت وابن سيراخ والترجومات الكثيرة، أي ترجمات أسفار العهد القديم عند اليهود باللغة الكلدانية، وجانب عظيم من كتب التلمود " .
ويتحدث المطران داود عن لغة المسيح قائلاً: " إن اللغة التي تكلم بها المسيح، أي اللغة الدارجة في أورشليم وسائر بلاد فلسطين في زمن المسيح، لم تكن اليونانية ولا العبرانية لكن السريانية، التي يقال لها أيضاً الآرامية، وبعضهم يسميها أيضاً الكلدانية، إذ كان اليهود قد تعلموها لما كانوا في جلاء الكلدانيين ببابل، في القرن السادس قبل المسيح. وبقوا يستعملونها بدل اللغة العبرانية لما رجعوا من ذلك الجلاء. وهذه اللغة تختلف قليلاً من سريانيتنا المعهودة، لكنها أفصح منها من وجوه. واليهود يلفظون السريانية كما يلفظها السريان الشرقيون، الذين يقال لهم الكلدان. لا كما يلفظها الغربيون " .
ونستشهد ببعض ما قاله مؤلفي الكنيسة المارونية في أصل اللغة. يقول الأب بولس الكفرنيسي في قاموسه " غرامطيق اللغة الآرامية السريانية ": " وقد حصل مع تمادي الأيام في الآرامية الرهاوية نفسها بين الشرقيين والغربيين، بعض اختلاف في اللفظ لم يؤد إلى جعلها لغتين، بل بقية لغة واحدة ذات لهجتين. شرقية وتعرف بالكلدانية، وهي لهجة الكاثوليك والنساطرة أينما كانوا. وغربية وتعرف بالسريانية، وهي لهجة الموارنة والسريان الكاثوليك واليعاقبة حيثما وجدوا. ويظهر أن لهجة الشرقيين هي الأقدم، وأنها هي التي كانت مستعملة قديماً في كل البلاد الآرامية وما جاورها. على ذلك أدلة كثيرة، منها تسمية لابان الحراني لرجمة الحجارة، التي أقامها هو وابن أخته يعقوب بلغته الآرامية الكلدانية ( يغرا سهدوثا ) كما يلفظ الشرقيون. والقلم الشرقي المعروف بالكلداني المستعمل عند الكلدان، هو أشبه بالرهاوي " .
ويؤيد هذا القول العلامة بولس السمعاني في كتابه " فرائد الآداب السريانية ": " والقلم الشرقي المعروف بالكلداني المستعمل عند الكلدان، وهو يشبه الرهاوي الاسطرنجيلي. واللهجة الشرقية هي الأقدم والأصح، بدليل ما نجده في قدماء كتبة اليونان واللاتين، اللذين ترجموا بالسريانية إلى لغاتهم من الألفاظ المترجمة باللهجة الشرقية " .
ويضيف الكفرنيسي في غرامطيقه :" وبهذه اللغة الكلدانية كتب سفرا دانيال وطوبيا، وأسفار عزرا ويهوديت واستير، ونقلوا إليها الأسفار المقدسة وسموا ذلك الترجوم. وقد تمكنت فيهم حتى دعوها أيضاً عبرانية نسبة إليهم، واستمروا يتكلمون بها حتى ظهور السيد المسيح، الذي تكلم بها هو ووالدته المجيدة وتلاميذه، كما يتضح من ألفاظ وآيات عديدة تركت على اصلها في الإنجيل، منها الأعلام والأماكن مثل: توما _ شيلا _ برابا _ برنابا _ عسقا _ مرتا _ بيت حسدا _ حقل دما _ ربي _ ربوني _ اوشعنا _ كيبا _ إتفتح _ طليثا قومي _ إيلي إيلي لما شبقتاني _ مارن أثا "12. " حتى أن أهالي معلولا يتكلمون بلغتهم الآرامية، ولهجتهم كلهجة الشرقيين مثل: شوقا _ بيتا _ نهرا " .
ويؤكد الكفرنيسي أن موارنة شمال لبنان، كانوا يتكلمون الكلدانية حتى القرن الثامن عشر للميلاد: " ومما ذكره العلامة مرهج بن نمرون الباني في كتابه سلاح الإيمان، انه لأمر يستوجب الاعتبار إن بشري وقرية حصرون التي تبعد عنها قليلاً، وثلث قرى ومزارع غيرها تحاذيها، قد حفظ سكانها ولم يزالوا حافظين اللغة السريانية، أو الكلدانية القديمة فيها يتكلم الرجال والنساء غالباً، ولما عاد العلامة السمعاني الشهير إلى قريته حصرون، خاطب والدته باللغة السريانية " .
ولا عجب من ذلك، لأن أسماء مدن وقرى لبنان، تسمى بلغة المشارقة الكلدان مثل: عانا _ عين طورا _ برمانا _ بكفيا _ بزمار _ راشيا _ كفريا _ وشميا _ كفرنيس _ كفرزينا . ومن أسماء الأعلام: نهرا _ شليطا _ سابا _ عبدا _ مرتا.
ويصف الكفرنيسي لغة الشرقيين: " ومنها وجود الألفاظ الباقية على أصلها في العربية، وغيرها في كل أنحاء هذه البلاد، موافقة للفظ الشرقيين مثل: بابل _ حران _ لبنان _ زغرتا _ مار _ عبدا _ شينا _ كيبا _ وغيرها كما تقدم، وأنت ترى أن لفظ هذه الكلمات وما شابهها بالفتح كما كان قديماً لطيف، وان آلف سمعنا ضمها في اللهجة الغربية. أما كيف ومتى تبدل الفتح الممدود ضماً عند الغربيين، وتغيرت لهجتهم عن لهجة الشرقيين، فلا يعلم ذلك بالحصر. فربما اتخذ اليعاقبة هذه اللهجة عن سكان طور عبدين كما ظن البعض. أما الموارنة فلعل هذه اللهجة كانت خاصة ببعض قرى بلادهم، ثم تغلبت على اللهجة القديمة عندهم جميعاً. ومن العجب أن تكون لغة شمالي لبنان العامية في القرن الثامن عشر نفسه الكلدانية القديمة، كما ذكر العلامة مرهج الباني ".
أما المطران يعقوب أوجين منا، فيتحدث عن أصول اللغة في مقدمة قاموسه " دليل الراغبين في نحو لغة الآراميين ": " أما لغة هذه البلاد فتقسم اليوم إلى لهجتين شرقية وغربية. أما الشرقية فهي لغة الكلدان والآشوريين، وهي اللغة الآرامية الصحيحة القديمة المستعملة يوماً في مملكتي بابل ونينوى ، والجزيرة والشام ولبنان وما يجاور هذه البلاد. أما اللغة الغربية المعروفة في زماننا بالسريانية بلا قيد، فهي لغة الموارنة والسريان الكاثوليك واليعاقبة، ولا نجد أثراً لاستعمالها في جميع البلاد الآرامية، ما خلا جبال طورعبدين، وهي لغة جبلية متولدة من فساد اللغة الآرامية الفصيحة " .
حتى مدينة الرها التي ينسب الغربيون لغتهم إليها، كان سكانها يلفظون اللغة الآرامية لفظ الشرقيين، لا كلفظ الغربيين كما يدعي البعض. ويؤكد ذلك المطران منا في مقدمة قاموسه: " والأدلة على ذلك كثيرة، أولاً ما نقل إلى اللغات الأجنبية من أسماء الأعلام المستعملة في الرها ونواحيها، فإنها كلها على لفظ الشرقيين، لا على لفظ الغربيين، فمن ذلك: رها _ برديصان _ أدى _ عبشلاما _ برسيما _ عبدا _ حبيب _ كوريا _ شمونا _ سابا _ ربولا _ نوحاما. ثانياً ما نص عليه في مبادئ الجيل السابع يعقوب الرهاوي الشهير في نحوه، إذ عدّ حركات اللغة الآرامية سبعاً كما عند الشرقيين. وحصرها بهذه الجملة " بنْيحو تِحّاِن أرُهاي إِِمَّن "، والحال أن الحركات اليوم عند الغربيين خمس. ومن أمعن النظر مدققاً في الجملة المذكورة، يتأكد أن قائلها نطق بها على طريقة الشرقيين أي " بنْيحو تِحّاِن أرُهاي إِِمَّن " لا كما يلفظ الغربيون " بنْيحو تيحِان اورهوي آمان " وإلا لاختلطت حركة النون في " نْيحو "مع حركة التاء في " تِِحّاِن "، وحركة الحاء في " نْيحو " مع حركة الهمزة في " أرُهاي "، وحركة الهمزة مع حركة الهاء في " أرُهاي " .
أما علماء اللغات الشرقية القديمة، فقد اجروا مؤخراً مقارنة بين مخطوطات آباء الكنيسة، وبين مصنفات أحيقار الحكيم والتي كتبها في بابل، في القرن السابع قبل الميلاد. فوجدوها مطابقة من حيث مفردات اللغة، وتركيب الكلمات والإنشاء مع مصنفات برديصان وأفراهاط الحكيم ومار أفرام ومار نرساي، وغيرهم من أدباء الأجيال الأولى للمسيحية. مما سبق نجد أن لغة الرها كانت على لهجة الشرقيين " الكلدان والآشوريين ".
ويتحدث المطران اقليمس داوود زبوني عن استنباط الكتابة في كتابه اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية : " لكن اختراعها حدث لدى أحد الشعوب السريانية المشهورة، أكثر ما يكون كالبابليين والآثوريين، وقد روى أحد المؤرخين القدماء، انه لم فتح الاسكندر ذو القرنين مدينة بابل، وجد فيها أن علماءها قد حفظوا أرصاد فلكية، مكتوبة منذ القرن الثاني والعشرين قبل المسيح، أي منذ عصر إبراهيم الخليل. ويقول بلينيوس الفيلسوف الوثني المشهور، الذي عاش في القرن الأول بعد المسيح: أني أرى الكتابة هي من استنباط الآثوريين " .
ويضيف المطران داوود: " الآثوريين والبابليين فان التواريخ تشهد بأنهم قامت لديهم أول ممالك العالم، وانهم وضعوا قبل كل الأمم المعروفة أساس العمران في الدنيا. وظهرت عندهم أولا العلوم والمعارف والآداب، التي لا يمكن أن يستغنى فيها عن الكتابة، ولاسيما علم الهيئة أي علم الأفلاك والرياضيات وما أشبه ذلك " .
ويتحدث المطران داود عن الفكرة ذاتها، في كتابه " القصارى ": " إن جمهور العلماء والمحققين، اجمعوا اليوم في أوروبا على أن صناعة الكتابة التي تعلمها اليونانيون وسائر الأمم المتمدنة القديمة والحديثة، لم يحدث اختراعها إلا في إحدى شُعب الأمة السامية وإذ انه من المقرر أن السريان الشرقيين اللذين يقال لهم الكلدان هم الذين سبقوا في العمران والتمدن سائر فروع الأمة السامية، وفاقوا عليهم جميعا إن لم نقل على سائر أمم العالم القديمة وهو الأرجح، فالعقل يضطرنا أن ننسب اختراع صناعة الكتابة إلى الكلدانيين، الذين هم السريان الشرقيون " .
أما قاله المطران توما أودو في مقدمة قاموسه عن اللغة السريانية، أنقله حرفياً معرباً: " اللغة السريانية المعروفة اليوم هي نوعين ولهجتين. واحدة تسمى شرقية، والأخرى غربية. وعموماً بهذا الوقت وبالتأكيد تدعى اللهجة الشرقية الكلدانية، والغربية السريانية البسيطة " .
وهنا لا بد لنا أن نبين غلط من ادعى، أن القديس أفرام كان سريانياً غربياً، بل وبكل تأكيد كان سريانياً شرقياً، لأن مسقط رأسه مدينة نصيبين، هذه المدينة الشرقية التي احتضنت في جنباتها أعظم مطرانيات كنيسة المشرق، واسماهن مكانة وشرفاً. وإذا اعتبر البعض أنه عاش في الرها سنواته الأخيرة، فمما لاشك فيه أن الرها كانت مدينة شرقية بكل معنى الكلمة، ولغة أهلها كانت شرقية كما تحققنا سابقاً. وعليه عندما فتح مار أفرام مدرسة جديدة فيها عوض مدرسة نصيبين، دعاها بـ " مدرسة الفرس ". لأن كنيسة المشرق أطلق عليها كنيسة الفرس، بسبب حكمهم لبلاد ما بين النهرين في تلك الفترة.
ولما العجب من قولنا هذا. فمؤلفات مار أفرام تؤكد بشكل واضح وقاطع، أنه من أبناء كنيسة المشرق . فقد ألف تسبحة جعل أول كل بيت منها، حرفاً من أحرف اسم يسوع المسيح بلفظ الشرقيين " نوهرا دنح لزديقي " تعريبها " أشرق النور على الأبرار "، فالبيت الأول بدأه بالياء، والثاني بالألف، والثالث بالشين وهلم جرّا. وهذا دليل صريح على أن مار أفرام كان يلفظ ويكتب اسم يسوع كالشرقيين أي " إيشوع مشيحا " بألف دقيقة على الياء، لا " يشوع مشيحو " كالغربيين، وإلا لما جعل البيت الثاني مبتدئاً بالألف، وهذه التسبحة محفوظة في طقس الكلدان والموارنة.
قد يستغرب البعض لقولنا أن مار أفرام كان من أبناء كنيسة المشرق، فهل تناسوا أنه تلميذ مار يعقوب النصيبيني، أعظم وأشهر قديسي كنيسة المشرق. وتأكيداً لقولنا هذا أعمال مجمع نيقية، الذي حضره مار يعقوب مطران نصيبين، ومار يوحنا مطران فارس، ومار شمعون برصباعي، ممثلين جاثليق كنيسة المشرق مار فافا، الذي بسب شيخوخته لم يستطيع تحمل مشقات السفر لحضور المجمع المذكور، وبهذه الصفة حضروا المجمع وصدقوا على مقرراته، ويخبرنا التاريخ أن المؤرخون الغربيون في مجمع نيقية دعوا مار يعقوب " فخر أساقفة الفرس، وجهبذاً فريداً في معرفة الكتب الإلهية " .
ويخبرنا العلامة المطران أدي شير في كتابه الشهير تاريخ كلدو وآثور : " وشيد يعقوب كنيسة فاخرة في نصيبين، بدأ بها سنة 313م، وكملها سنة 320م. ويشاهد إلى يومنا هذا قبره فيها، وقد ضبطها اليعاقبة من الكلدان في منتصف القرن التاسع عشر " .
ويؤكد المطران اسحق ساكا من حيث لا يدري في كتابه " كنيستي السريانية "، قول المطران شير عن ضبط السريان هذه الكنيسة من الكلدان " أواسط القرن التاسع عشر استولى البطريرك يعقوب الثاني (1847_1871) على بيعة مار يعقوب النصيبيني في نصيبين، ورسم لها قورلس أشعيا " .
فتأمل أيها القارئ العزيز في حقيقة التاريخ. وهنا أسال لماذا السريان يدعون مار يعقوب بالنصيبيني، ولا نجد في كتابتهم ولو لمرة واحدة يدعونه بالسرياني. بينما يركزون على تسمية مار أفرام بالسرياني حصراً. مع العلم أن مار أفرام هو ابن نصيبين وتلميذ مار يعقوب. والجواب على ذلك واضح، لأنهم يزورون التاريخ، وينسبوا هذا الملفان الشهير لبني جلدتهم، ليتباهوا أمام العالم بغنى علمه، وغزارة مؤلفاته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- متى 2/ 1 - 2.
[2]- فييه٬ الأب جان٬ الكنيسة السريانية الشرقية٬ ص 5.
[3]- فييه٬ الأب جان٬ الكنيسة السريانية الشرقية٬ ص 7.
[4]- شير٬ المطران أدَّي٬ تاريخ كلدو وآثور٬ مجلَّد٬2 ص ج.
[5]- فييه٬ الأب جان٬ الكنيسة السريانية الشرقية٬ ص 14.
[6]- زبوني٬ المطران اقليمس داوود٬ اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية٬ مجلَّد٬1 ص 50-51.
7_ دوبون، سومر، الآراميون، ص 135.
8_ دوبون، سومر، الآراميون، ص 138.
9_ زبوني، المطران اقليمس داوود، اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية، ج 1، ص 62.
10_ زبوني، المطران اقليمس داوود، القصارى، ص 30.
11_ زبوني، المطران اقليمس داوود، القصارى، 4.
12_ زبوني، المطران اقليمس داوود، القصارى، ص 3.
13_ الكفرنيسي، الأب بولس، غرامطيق اللغة الآرامية السريانية، ص ( يد _ يه ) بالترقيم السرياني.
14_ السمعاني، العلامة بولس، فرائد الآداب السريانية، ص 35.
15_ الكفرنيسي، الأب بولس، غرامطيق اللغة الآرامية السريانية، ص ( يب ) بالترقيم السرياني.
16_ الكفرنيسي، الأب بولس، غرامطيق اللغة الآرامية السريانية، ص ( يب ) بالترقيم السرياني.
17_ منا، المطران يعقوب أوجين، دليل الراغبين في نحو لغة الآراميين، قاموس كلداني _ عربي، ص 16.
18_ منا، المطران يعقوب أوجين، دليل الراغبين في نحو لغة الآراميين، قاموس كلداني _ عربي، ص 17.
19_ زبوني، المطران اقليمس داوود، اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية، ج 1، ص 101.
20_ زبوني، المطران اقليمس داوود، اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية، ج 1، ص 100.
21_ زبوني، المطران اقليمس داوود، القصارى، ص 28.
22_ أودو، المطران توما، قاموس كلداني _ كلداني ص ( ي ) بالترقيم الكلداني.
23_ الحوذرا " مدار السنة الطقسية لكنيسة المشرق "، ثلاثة أجزاء، ص ( له ) بالترقيم الكلداني في الأجزاء الثلاثة.
24_ القيصري، أوسابيوس، تاريخ الكنيسة، ترجمة قسطنطين، ص ( مج ) بالترقيم الكلداني.
25_ شير، المطران أدي، تاريخ كلدو وآثور، ج 2، ص 43.
26_ ساكا، المطران اسحق، كنيستي السريانية، ص 252.

 

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com