نبذة تاريخية عن تاريخ أبرشية ماردين الكلدانية

                                                               الشماس: نوري إيشوع مندو                                     

1_ الاسم والموقع: ماردين بلدة شهيرة عامرة في بلاد ما بين النهرين، مشيدة فوق جبل بادخ  بارتفاع 1100م، تعلوه قلعة حصينة منصوبة على أضيق المسالك. سماها الكتبة سيدة القلاع ومركز الحصار والدفاع. وماردين كلمة آرامية تعني الحصون.

   وعلى بعد أقل من أربعة فراسخ إلى الشمال من دنيسر، قامت ماردين وقلاعها وحصونها وأرباضها[1]. وليس على وجه الأرض أحسن منها ومن قلعتها[2]. وهي في غاية المناعة، لدرجة أن الفاتحين والغزاة ملوا حصارها، وتعذر عليهم نوالها[3].

   وتشرف ماردين على سهول ما بين النهرين، الممتدة إلى جهات الخابور وضفاف الفرات. وطريقاً إلى الموصل عبر نصيبين إلى آمد والى رشعينا " رأس العين ". لذا عمد جميع حكام ما بين النهرين عبر العصور التاريخية إلى وضعها تحت سيطرتهم.

   أما بيوت المدينة فهي راكبة بعضها فوق بعض، على منحن الجبل من جهاته الثلاث، والجهة الرابعة تنبسط فيها الحدائق الغناء والبساتين المخصبة. وداخل المدينة ثلاث أعين ماء هي: 1_ عين الجوزة. 2_ عين الحربيات. 3_ عين الخرنوب.

   دخلت تحت حكم الفرس سنة 226م. فاهتموا بتحصينها و اتخذوا من جبالها و مرتفعاتها معقلاً قوياً تجاه أعدائهم الرومان. ثم دخلت تحت الحكم البيزنطي، حتى أعيدت للفرس سنة 363م بموجب المعاهدة التي عقدت بين جوفيان و شابور. و تناوب الفرس والرومان على حكم ماردين، حتى فتحها العرب بيد عياض بن غنم سنة 640م. و قد اشتق كتبة العرب اسمها من التمرد و العصيان.

   جاء في معجم البلدان: " ماردين بكسر الراء والدال، كأنه جمع مارد جمع تصحيح، و أرى أنها إنما سميت بذلك لأن مستحدثها لما بلغه قول الزباء: تمرد مارد و عز الأبلق. ورأى حصانة قلعته وعظمها قال: هذه ماردين كثيرة لا مارد واحد. وماردين قلعة مشهورة على قمة جبل الجزيرة، مشرفة على دنيسر ودارا ونصيبين وذلك الفضاء الواسع، وقدامها ربض عظيم فيه أسواق كثيرة وخانات ومدارس وربط وخانقاهات، ودورهم فيها كالدرج كل دار فوق الأخرى، وكل درب منها يشرف على ما تحته من الدور ليس دون سطوحهم مانع، وعندهم عيون قليلة الماء، وجل شربهم من صهاريج معدة في دورهم، والذي لا شك فيه أنه ليس في الأرض كلها أحسن من قلعتها، ولا أحصن ولا أحكم "[4].

   وفي عهد الخلافة العباسية أصبحت أحد مواقع ديار مضر الرئيسية. وظلت تتبع إدارياً وسياسياً حكام الجزيرة في الموصل حيناً ونصيبين أحياناً. ودخلت تحت حكم الحمدانيين سنة 906م، وفي عهدهم شهدت ماردين حالة من القلق والاضطراب، تسبب في تدهور الأوضاع، وخراب المدن والضياع، وذلك بسبب تعسف الأمراء الحمدانيين في جمع الأموال. ووقعت بيد المروانيين بين سنتي (990- 1096م ). وفي سنة 1105م أضحت ماردين مملكة ارتقية مدة تزيد عن ثلاثمائة سنة، وعرف منهم ما يزيد من عشرين ملكاً، توارثوها خلفاً عن سلف، وكانوا من ذوي الشوكة والمراس، نهضوا بالبلاد وأحسنوا إلى العباد، وحصنوها وزينوها بالأبنية والقصور والمدارس[5].

   وفي سنة 1183م لم يتمكن صلاح الدين الأيوبي من احتلالها، كذلك المغول سنة 1260م، حيث غزاها تيمورلنك سنة 1394م فامتنعت عليه مرة أولى، ثم حاصرها سنتين ففتحها وعمل رجاله السيف بأهلها، وأجروا السلب والنهب وأسروا الصالح وقتلوه.  

   بين سنة 1410 و1502م أصبحت ماردين تحت حكم دولتا القره قونيلو والآق قونيلو. ثم صارت في حكم العثمانيين سنة 1574م، الذين انزلوا بالمسيحيين النكبات والعقوبات.

   ومنذ سنة 1647م كان حكام ماردين يراجعون وزراء بغداد، حتى سنة 1839م حيث أنيطت أمورهم بوالي الموصل. ومنذ سنة 1845م صار حكام ماردين يراجعون والي دياربكر. واستمرت حتى النصف الأول من القرن العشرين، حيث أصبحت مركز ولاية ولا زالت[6]

    2- المسيحية في ماردين: دخلت المسيحية إلى ماردين في القرون الأولى للمسيحية، وذلك بفضل وحماس أساقفة نصيبين. ومنذ القرون الأولى أقام مسيحيو ماردين العديد من الكنائس والأديار، وشيدوا المزيد من معاهد العلم والثقافة. ومما يؤيد ذلك أديارها القديمة ككنائس الكلدان والأرمن والشهيدة شموني وديري السريان. وكانت ماردين كرسياً أسقفياً يتبع مطرابوليطية نصيبين[7].

   ومن المرجح أن تكون الأسقفية النسطورية هي الأولى في مدينة ماردين، والدليل على ذلك كنيسة الربان هرمز التي يعود بناؤها إلى سنة 430م، وقد نظمت هذه الأسقفية ابتداء من القرن السادس.   وتضم الكنيسة بئر ماء عند بابها، هذا البئر الشهير الذي يتهافت عليه مسلمي ومسيحيي المدينة في عيد شفيع الكنيسة الربان هرمزد، لأخذ كمية من مائه لرشها في البيوت حتى تقيهم من لسع العقارب، وعليه عرفت الكنيسة بين العامة بـ كنيسة العقرب أو بيعة العقرب.  

   وقبل هذا التاريخ كان الكثير من الأساقفة يمارسون واجباتهم الدينية متنقلين بين قرى ماردين وضياعها، وإن كانت التواريخ الكنسية قد أغفلت عن ذكر أسمائهم[8].

   ومن المعلوم أن ماردين وجوارها كانت غنية بالحضور المسيحي منذ البدايات، والدليل على ذلك كنائسها وأديارها القديمة التي تشهد على عراقتها بالقدم، ومنذ القرن الثاني عشر تقلصت هذه الصروح تدريجياً، إما بسبب مصادرتها من قبل الحكام وتحويل أبنيتها إلى جوامع كما جرى في زمن الأراتقة[9]، وإما بسبب الحروب والغزوات كما حصل في زمن المغول[10].

   أما في بداية حكم العثمانيين الذين انزلوا بالمسيحيين النكبات والعقوبات،  " فاضطر مسيحيي الصور والأحمدي وأستل ورشمل وعشائر المحلمية والراشدية والمخاشنية والأومرية أن يهجروا المسيحية ويدينوا بالإسلام حفاظاً على حياتهم ".[11] والدليل على ذلك الإحصاء الذي جرى في ماردين في بداية القرن السادس عشر، حيث نجد أن أغلب سكان ماردين كانوا من المسيحيين، وإلى جانبهم قلة من اليهود والشمسية[12] والإسلام.  

   وبحوزتنا قائمة بأسماء ستة عشر مطراناً، كانوا قد تعاقبوا على كرسي الأسقفية النسطورية، ابتداء من سنة 1194 إلى سنة 1512م وهم:

   1_ المطران يعقوب الآمدي (1194_ 1227). 2_ المطران إسحاق النصيبيني (1129_ 1251).              3_ المطران مرقس المارديني (1252_ 1275). 4_ المطران دنحا الفارقي (1280_ 1301).   5_ المطران قرياقوس الدنيسري (1305_ 1317). 6_ المطران اسطفانوس المارديني (1319- 1340). 7_ المطران جرجس الرأشعيني (1345_ 1361). 8_ المطران العازر الكفرتوثي (1364_ 1375). 9_ المطران يوحنا الرهاوي (1378_ 1395). 10_ المطران يوحنا السعرتي (1397_ 1400). 11_ المطران يهبالاها الجزري (1400_ 1409). 12_ المطران يلدا الآمدي (1410_ 1429). 13_ المطران بطرس المارديني (1431_ 1445). 14_ المطران سبريشوع الجزري  (1448_ 1468). 15_ المطران ايليا الموصلي (1470_ 1486). 16_ المطران ثيموثاوس الحصنكيفي (1488_ 1512)[13]

    3_المطارنة الكلدان في ماردين: انضمت أبرشية ماردين إلى الكنيسة الكاثوليكية سنة 1552م، ومنذ ذلك الحين وحتى سنة 1941، تعاقب على كرسيها الأسقفي خمسة عشر مطراناً وهم:

1_ المطران حنانيشوع (1553_ 1584): رسمه البطريرك يوحنا سولاقا كأول أسقف كاثوليكي على ماردين، وذلك سنة 1553. وتملك مكتبة ماردين الأسقفية عدداً من المخطوطات الطقسية، كتبت بيد المطران حنانيشوع. توفي سنة 1584. 

2- المطران يعقوب النصيبيني (1584_ 1615): رسمه البطريرك ايليا الخامس مطراناً على نصيبين وماردين، وقد ذكر المطران يعقوب في الرسالة الموجهة من البابا بولس الخامس لأساقفة كنيسة المشرق.  

3_ المطران يوحنا (1615_ 1641): رسمه البطريرك ايليا السادس مطراناً على ماردين، خدم أبرشيته مدة ست وعشرين سنة. توفي في نصيبين سنة 1641.

4_ المطران يوسف (1641_ 1678): ذكر اسم المطران يوسف ومدة أسقفيته في مخطوط كتب سنة 1679 باللغة الكلدانية، وهذا المخطوط محفوظ في كنيسة السريان الأرثوذكس بماردين.

5_ المطران شمعون الآمدي (1682_ 1695): أصله من مدينة آمد. رسمه البطريرك يوسف الأول مطراناً على ماردين سنة 1682. توفي في ماردين سنة 1695.

6_ المطران طيموثاوس مروكي (1696_ 1713): أصله من كركوك، رسمه البطريرك يوسف الثاني مطراناً على ماردين سنة 1696، خدم أبرشيته سبع عشرة سنة، حتى انتخب بطريركاً سنة 1713، وسمي يوسف الثالث. توفي سنة 1759.

7_ المطران باسيل حصرو (1714_ 1738): رسمه البطريرك يوسف الثالث مطراناً على ماردين، وعندما سافر البطريرك يوسف الثالث إلى القسطنطينية وروما سنة 1731، وكلّ المطران باسيل والمطران شمعون مطران سعرت بإدارة شؤون الكنيسة أثناء غيابه. توفي سنة 1738 ودفن في كاتدرائية ماردين.

8_ المطران باسيل (1738_ 1758): أصله من ماردين. رسمه البطريرك يوسف الثالث مطراناً على ماردين، دبر أبرشيته بحكمة ودراية مدة عشرين سنة. توفي سنة 1758ودفن في كاتدرائية ماردين.

9- المطران شمعون الآمدي (1758_ 1788): رسمه البطريرك يوسف الثالث مطرانا على ماردين، دبر أبرشيته بجدارة مدة ثلاثين سنة، له فضل كبير في حماية بطريرك السريان الكاثوليك ميخائيل جروة من الاضطهادات التي جرت بحقه. توفي سنة 1788 ودفن في كاتدرائية ماردين.

10- المطران ميخائيل شوريز ( 1793_ 1810): أصله من سعرت، وهو شقيق المطران بطرس شوريز مطران سعرت. رسمه البطريرك هندي مطراناً على ماردين، وفي سنة 1795 ثبته البابا بيوس السادس مطراناً لهذه الأبرشية. توفي في آمد سنة 1810.

11_ المطران اغناطيوس دشتو (1824_ 1868): ولد في ألقوش سنة 1794. دخل دير الربان هرمز، وفي سنة 1821 رسم كاهناً. رسمه البطريرك هندي مطراناً على آمد وقرى الموصل. لكن المطران دشتو رفض بسبب الخلافات القائمة في ذلك الوقت. ثبته الكرسي الرسولي سنة 1827 مطراناً على ماردين الشاغرة منذ سبع عشرة سنة. دبر أبرشيته بإخلاص وقداسة أكثر من أربعين سنة. وخلال فترة أسقفيته وسع كنيسة ماردين، وبنى دار المطرانية، وأسس أخوية سيدة الوردية وأخوية قلب يسوع وأخوية الآلام السبعة. واستمرت هذه الأخويات حتى بداية القرن العشرين. توفي سنة 1868 ودفن في كاتدرائية ماردين.

12_ المطران جبرائيل فرسو (1870_ 1873): ولد في ماردين سنة 1831. تلقى العلم عند الآباء الكبوشيين في ماردين. رسمه المطران دشتو كاهناً سنة 1831. رسمه البطريرك يوسف السادس أودو مطراناً على ماردين سنة 1870، وتمت الرسامة في مدينة روما. خدم أبرشيته مدة ثلاث سنوات. توفي سنة 1873.    

13_ المطران طيموثاوس عطار (1873_ 1883): ولد في آمد سنة 1834. دخل مدرسة الآباء اليسوعيين في غزير لبنان. سنة 1851 أرسل إلى روما لتكميل دراسته. رسمه المطران دي نتلي كاهناً في آمد سنة 1862. رسمه البطريرك يوسف السادس أودو مطراناً على آمد سنة 1870، وتمت الرسامة في مدينة روما. وبعد وفاة المطران فرسو سنة 1873 نقل لرئاسة كرسي ماردين. عين نائباً على الكرسي البطريركي الشاغر بوفاة البطريرك أودو. سنة 1883 ترك ماردين واستقر في آمد، حتى توفي هناك سنة 1891. 

14_ المطران ايليا ملوس (1890_ 1908): ولد في ماردين سنة 1831، دخل دير الربان هرمز سنة 1850، رسمه البطريرك يوسف السادس أودو كاهناُ سنة 1856. انتخب مطراناً على أبرشية عقرة سنة 1864، فنال السيامة من يد البطريرك أودو. سنة 1874 أرسله البطريرك أودو إلى الملبار في الهند، وبقي هناك حتى سنة 1882. نقل إلى أبرشية ماردين سنة 1890، وخدم أبرشيته ثماني عشر سنة. توفي سنة 1908 ودفن في كاتدرائية ماردين[14].

15- المطران إسرائيل أودو (1910_ 1941): ولد في ألقوش سنة 1859، وهو أخ المطران توما أودو، وابن القس هرمز أخ البطريرك يوسف السادس أودو. دخل المعهد البطريركي بالموصل سنة 1883. رسمه البطريرك ايليا الثاني عبو اليونان كاهناً سنة 1886. وفي سنة 1888 عين لخدمة الكنيسة ببغداد، ثم عين نائباً بطريركياً على البصرة سنة 1891، وخدم هناك ثماني عشر سنة، بنى خلالها كاتدرائية ما توما ودار المطرانية مع مدرستين. كذلك بنى كنيسة صغيرة في العشار، وأنشأ وكالة الأهواز البطريركية. انتخب مطراناً على ماردين سنة 1909، واقتبل السيامة الأسقفية من يد البطريرك عمانوئيل توما سنة 1910. خدم أبرشيته إحدى وثلاثين سنة بحكمة ودراية. وقد عانى الكثير خلال أحداث السفر برلك، حيث استشهد العديد من أبناء أبرشيته مع بعض الكهنة. كان المطران إسرائيل راعياً فاضلاً حريصاً على واجبه. وكان يتقن اللغة الكلدانية اتقاناً تاماً، وله فيها عدة رسائل لها قيمتها التاريخية واللغوية. وله رثاء في مذابح ماردين وآمد وسعرت والجزيرة العمرية ووان سنة 1915. توفي سنة 1941 ودفن في كاتدرائية ماردين، وبوفاته انتهت سلسلة أساقفة ماردين[15].

   4_ إحصائية خاصة بأبرشية ماردين الكلدانية: لا نملك الكثير عن إحصائية هذه الأبرشية في العصور الماضية، سوى انه في القرن الثامن عشر، كانت تضم 50000 نسمة، موزعين على المدينة مع ست وثلاثين قرية حولها. لكن العدد تناقص كثيراً بسبب الاضطهادات القاسية التي كانت تجري بحق المسيحيين[16].       

   أما إحصائية خياط_ شابو سنة 1896، فيبلغ عدد الكلدان في الأبرشية 850 نسمة، يخدمهم مطران مع ثلاثة كهنة. ولهم خمس خورنات، مع كنيسة وثلاثة مدارس[17].

   أما إحصائية الخوري يوسف تفنكجي سنة 1913، فكانت الأهم لأنها جاءت قبيل المذابح. وفيها يبلغ عدد المسيحيين في ماردين 2000 نسمة، منهم 1670 نسمة كلدان، يخدمهم مطران وإلى جانبه ستة كهنة. ولهم ست خورنات مع ثلاثة كنائس وثلاثة مدارس. ويتوزع أبناء الأبرشية على المراكز التالية: 1_ ماردين. 2_ نصيبين. 3_ مديات. 4_ تل أرمن. 5_ ويران شهر. 6_ ديركي.

   وكانت لغة سكان ماردين العربية. وكان في المدينة رسالة للآباء الكبوشيين، وبيت للراهبات الفرنسيكانيات، التي وافى رهبانها ماردين سنة 1882، وشيدوا فيها كنيسة بديعة كانت قبتها مزينة بالنجوم، حتى أن العامة كانوا يدعوها كنيسة النجوم.

   وفي سنة 1910 استطاع المطران إسرائيل أودو تأمين كهنة من أبناء الأبرشية لمدينتي نصيبين ومديات. أما كلدان ديركي وويران شهر وتل أرمن، فكان كهنة الأرمن والسريان الكاثوليك يخدمون أمورهم الروحية، وذلك لقلة الكهنة في الأبرشية[18].

   وفي إحصائية سنة 1928 نجد عدد الكلدان في الأبرشية يبلغ 400 نسمة، يخدمهم مطران وكاهنان.    

   أما إحصائية سنة 1938 فيبلغ عددهم 400 نسمة، يخدمهم مطران وكاهن واحد[19].

   وفي إحصائية لسنة 1950 وضعها الأب ( البطريرك) روفائيل بيداويد، فيبلغ عددهم 495 نسمة يخدمهم كاهن فقط[20]

   5_ ما جرى في أبرشية ماردين الكلدانية قبيل مذابح السفر برلك:  لقد تحمل كلدان أبرشية مارين المر والعلقم خلال المذابح المشؤومة. وقد عانى مطرانها الأخير مار إسرائيل أودو الكثير من الصعوبات خلال المذابح، وكما مرة هدد بالاعتقال والقتل لكنه نجا من ذلك، وكم بذل من جهود ودفع ما كان يملك من الأموال في سبيل تحرير الكثير من النساء المسيحيات اللواتي كنا يسقن من سعرت وديار بكر والمناطق الأخرى إلى البرية مروراً بماردين. وخلاصة القول أن هذا الحبر الجليل لزم الصبر على المحن والبلايا، وفاضت عيناه بالدموع حزناً على أولاده، وجرح قلبه الكبير على ما آلت إليه أبرشيته. وقد كتب ما شاهده في ماردين، أو ما سمعه من شهود عيان من باقي المناطق في مذكراته. وكتب قصيدة تتحدث عما جرى خلال المذابح بلغة كلدانية صافية، جاءت في 16 صفحة من القطع المتوسط.

      ويتحدث المطران إسرائيل أودو في مذكراته عن الشخصيات التي ارتكبت الجرائم بحق مسيحيي ماردين وجوارها" مع بداية المذابح كان متصرف ماردين يدعى حلمي باشا، هذا الرجل الشريف رفض بشكل قاطع أوامر رشيد والي ديار بكر ورد عليه بشجاعة: لست رجلاً بلا ضمير، وليس لي ما ألوم به مسيحيي ماردين، ولن أنفذ أوامرك ما حييت. وبعد أيام أقيل من منصبه وعين بديل عنه شفيق بك, وهذا أيضاً لم يقبل بالمظالم التي كانت ترتكب وعارضها بشدة، فأقيل من منصبه بعد أربعين يوماً. وعليه شكل رشيد والي ديار بكر لجنة خاضعة له مباشرة مؤلفة من: عارف أفندي رئيس المحكمة الجنائية. توفيق بك. هارون قائد الشرطة. محمود مدير شرطة ماردين. وقد عين بدر الدين بك متصرفاً بديل عن شفيق بك، وفي عهدهم جرت هذه المظالم " [21].

   وهنا لا بد من ذكر شخص نبيل هو وهبت بك قائمقام صْور قرب ماردين، الذي استضاف في منزله ومزرعته قرابة مائتي مسيحي أغلبهم من النساء والأطفال، افلتوا من القوافل التي كانت تمر بماردين. وقد أبدى شجاعة كبيرة للقيام بهذه المهمة الإنسانية الحميدة، في وقت كانت تسود البلاد موجة من الإرهاب والاضطهاد. وبعد هدوء العاصفة تركهم وشأنهم، فغادروا من عنده شاكرين أريحيته وشهامته.

   أما الأب يوسف تفنكجي الكلداني[22] فقد هرب من ماردين إلى جبل سنجار بسبب تهديده من قبل الأشرار، ليدفع لهم ما وضعته لديه حسب أدعاهم النساء الأرمنيات من أموال ومجوهرات كي يحافظ عليها، وبقي هناك من سنة 1915 وحتى نهاية سنة 1916 يخدم نفوس الكلدان الفارين هناك من جور الظالمين. وما أن عاد إلى ماردين حتى ألقي القبض عله في بداية سنة 1917 واتهم بالتجسس لصالح فرنسا، وفي السجن نال الكثير من الضرب حتى اقتلعت أظفاره عن أصابع رجليه. ثم سيق إلى سجن ديار بكر، وهناك احتمل شتى أنواع العذاب حتى صدر الحكم بإعدامه، فطلب منه أن يشهر إسلامه لينال العفو، وقد رد على طلبهم بثبات: " موتي في سبيل إيماني خير من حياتي مسلماً ".

   لكن المطران سليمان صباغ ميز الحكم بمساعدة صديقه رضوان بك، ففسخ الحكم ونال العفو، وعاد إلى ماردين في شباط 1918 ضعيف البنية من سوء العذاب. فطلب منه المطران إسرائيل أودو أن يغادر ماردين خوفاً على حياته، فغادرها إلى سوريا ومنها إلى لبنان حيث استقر هناك حتى وفاته فيها سنة 1950.

   أما الأب حنا يغمور الكلداني[23] فقد بقي مصيره مجهولاً حتى يومنا هذا، فبعد أن رسم كاهناً في الموصل سنة 1915. طلب منه المطران سليمان صباغ أن يعود إلى الرها ليخدم نفوس الرعية هناك، وبعد أن ترك الموصل في طريقه إلى الرها فقد أثره ولم يصل إلى مركز عمله، وعلى الأرجح قتل في الطريق.

   أما الأب أوغسطين خرموش الكلداني[24] فقد ألقي القبض عليه سنة 1929 وأدخل السجن. وعمل المطران إسرائيل أودو على إطلاق سراحه، ثم أرسله إلى الجزيرة العليا السورية ليخدم النفوس في مدينة الحسكة المستحدثة.       

   ومن المعلوم أن طائفة الأرمن الكاثوليك كانت الأكبر عدداً قبل المذابح حيث بلغ عددهم زهاء خمسة عشر ألف نسمة، ولهم فيها دار للمطرانية رائع البنيان وإلى جانبها كاتدرائية مار يوسف البتول شيدت في القرن التاسع عشر، ولهم كنيسة قديمة على اسم سورب كيفورك ( مار جرجس ) ويطلق عليها العامة كنيسة سكورك. وخلال المذابح سيقوا ونحروا كالخراف الوديعة مع مطرانهم الشهيد أغناطيوس مالويان[25] بالإضافة إلى 19 كاهناً، ولم ينجوا منهم إلا من هرب أو اختفى. ومن المعلوم أن المطران مالويان قد قتل في منطقة قره كيوبرو في الطريق بين ماردين وديار بكر ضمن قافلة مكونة من 417 شخص من مسيحيي ماردين عرفت بـ القفلة الأولى، وكان ضمنهم 36 شخصاً من كلدان ماردين حسب قول المطران إسرائيل أودو. ويقال أن محمود مدير شرطة ماردين قد قتله بيده، وهناك من يقول أن ممدوح بك قد قتله بمسدسه بعد أن رفض المطران مالويان جحد إيمانه واعتناق الإسلام حسب دعوة ممدوح.

   ويتحدث المطران إسرائيل أودو في مذكراته عن انتقام العدالة الإلهية من قتلة المطران الشهيد مالويان: " بداية شباط 1922وفي منتصف الليل تدحرجت صخرة من أحد كهوف قلعة ماردين، وسقطت بسرعة على أحد بيوت المدينة، فهدمت سقف البيت على من فيه. وفي الصباح عمل الأهالي على إخراج الجثث من تحت الأنقاض وقد بلغت 12 جثة، وعرفنا أن صاحب البيت هو المدعو نوري بن زلفو البدليسي الأونباشي، الذي كان زمن المذابح كبير السجانين في سجن ماردين، وقد ارتكب الكثير من الجرائم بحق المسيحيين، حيث عذب الكهنة والمؤمنين وصلب بعضهم وخلع أظافرهم ووضع النفط في فمهم حتى خنقهم. وكان يفتخر بالقول أنه بيده ضرب المطران مالويان 12 عصاً على رجليه. واليوم حل عليه الغضب الإلهي، فهذه الصخرة الغير مصنوعة بأيدي البشر أمرتها العناية الإلهية لتخرج من الكهف وتسقط على بيت هذا الطاغية، فهشمت عظامه وعظام نسائه وأبنائه وبناته، ودمرت مسكنه ولم يبقى له نسلاً في الأرض. فبدل الاثنا عشر عصا ضربها على رجلي المطران مالويان، هلكت العناية الإلهية هو وأفراد عائلته البالغة اثنا عشر شخصاً. مرحى للعدالة الإلهية كم هي قوية وقاسية وعادلة للانتقام من دماء الأبرياء "[26].    

    أما طائفة السريان الكاثوليك فكان لهم في المدينة كاتدرائية على اسم  العذراء شيدت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكانت مقراً لبطاركتها، وإلى جانب الكاتدرائية دار للبطريركية رائع الجمال، هذا البناء الذي استولت عليه الدولة التركية وحولته إلى متحف للولاية. وكان لهم دير على اسم مار أفرام. وقد عانى المطران جبرائيل تبوني[27] الكثير من المصاعب خلال المذابح، وفقد العديد من كهنة أبرشيته.

   أما الرهبنة الكبوشية فكان لها إلى جانب جانب الكنيسة ديراً للرهبان وأخر للراهبات، ومع بداية المذابح غادرت جميع الراهبات وأغلب الرهبان سوى راهبين هما: الأب دانيال الإيطالي الأصل،  والأب ليونارد ملكي اللبناني الأصل. وقد قتل الأب ليونارد خلال المذبح، أما الأب دانيال فقد سجن ثم أطلق سراحه بعد أن دفع 150 ليرة ذهبية. وقد حولت كنيسة الكبوشية إلى أهراء، وديري الرهبان والراهبات حولا إلى مشفى عسكري، وضم ساحة الديرين إلى الطريق العمومي.

      الخاتمة: مع نهاية الألفية الثانية لم يبقى في ماردين سوى 70 عائلة مسيحية من جميع الطوائف منها عائلة كلدانية واحدة، تسكن في دار المطرانية. وهكذا انتهت هذه الأبرشية العريقة، كما انتهت أخواتها أبرشيات آمد وسعرت وبازبدي ووان.

   ويصف المطران إسرائيل أودو في مذكراته ما جرى بالقول: " من الواضح أن سبب الاضطهاد للشعب المسيحي هو الحقد الكمين والعدواة الدينية المتوارثة من جذور سامة قديمة الأزمان ضد كل من لا يعتنق الإسلام. بالختام نستطيع أن نجزم بأن الذين قتلوا من المسيحيين في آمد وسعرت وبازبدي وماردين ونصيبين وجوارهم من أساقفة وكهنة وشمامسة ورجال ونساء وشبان وشابات وأطفال، حسب رأيي هم شهداء حقيقيين للإيمان المسيحي، وعليه تستحق كنيسة المشرق الكلدانية أن تفتخر أمام أمم الأرض بأنها في القرن العشرين كما في القرون السابقة في عهد شابور وغيره، قدمت أكثر من عشرين ألف شهيد للمسيح كهدية ثمينة، ولا تزال مياه الحياة الروحية التي تفوق كل طبيعة تجري في جسمها. "[28]   


1_ صورة الأرض        ابن حوقل ص 202.

2_ ابن جبير            رحلته ص 241.

3_ ابن بطوطة       رحلته ص 238.

4_ معجم البلدان     ياقوت الحموي ج 5 ص 39.

5_ مدينة ماردين     حسن شميساني ص 139.

6_ القصارى في نكبات النصارى     الخوري اسحق أرملة ص 13.

7_ الكنيسة الكلدانية سابقاً وحالياً    الخوري يوسف تفنكجي ص 57.

8_ مدينة ماردين       حسن شميساني ص 357.

9_ الأراتقة: سلاسلة تركمانية حكمت في ديار بكر منذ نهاية القرن 11 وحتى نهاية القرن 15. أسسها أرتق. إشتهر من بين أولاده إيلغازي وسكمان. اتخذت ذرية إيلغازي ماردين وميافرقين وحلب مقراً لها. بينما جعلت ذرية سكمان مقرها في حصن كيبا وماردين. وقد حكمت الذريتان منفصلتين.

10_ المغول: اسم دولتين. الأةلى في آسيا الوسطى أسسها جنكيزخان ووزعها بين أبنائه، وتعرف سلالته بالمغل العظماء. والثانية أسسها بابر من أحفاد تيمورلنك وعرفت بمغل الهند.

11_ مدينة ماردين   تأليف: حسن شميساني   ص  139.

12_ الشمسية: طائفة تعبد الشمس كانت تعيش في ماردين وجوارها ولهم فيها معابدهم الخاصة، وحتى يومنا هذا يوجد في ماردين محلة تدعى باب الشمسية. 

13_ الكنيسة الكلدانية سابقاُ وحالياً      الخوري يوسف تفنكجي ص 57_ 58.

14_ الكنيسة الكلدانية سابقاً وحاليا      الخوري يوسف تفنكجي ص 57_ 63.

15_ ألقوش عبر التاريخ        المطران يوسف بابانا ص 185.

16_ الكنيسة الكلدانية سابقاً وحاليا       الخوري يوسف تفنكجي ص 58.

17_ مجلة بين النهرين             العدد 107_ 108  سنة 1999 ص 194.

18_ الكنيسة الكلدانية سابقاً وحاليا      الخوري يوسف تفنكجي ص 63.

19_ خلاصة تاريخية للكنيسة الكلدانية     الكردينال أوجين تيسران ص 141.

20_ مجلة بين النهرين        العدد 107_ 108 سنة 1999  ص 183.

21_ عضيبغريا " مكتبنوثا "  " تأريخ "  مخطوط للمطران إسرائيل أودو  ص 25_ 27.

22_ الخوري يوسف تفنكجي: كلداني من أبرشية ماردين، وحسب اعتقادي أن عائلة تفنكجي أصولها من ديار بكر. درس في معهد مار يوحنا الحبيب بالموصل. رسم كاهناً سنة 1907. خدم في ماردين ثم هرب إلى سنجار وخدم الفارين هناك. عاد إلى ماردين وألقي القبض عليه وأدخل السجن، وبعد خروجه من السجن ذهب إلى سوريا ومنها إلى بيروت وخدم فيها. شيد كنيسة القديسة تريزيا الطفل يسوع. توفي هناك سنة 1950.

23_ الأب حنا يغمور: هو مجيد جرجس بحو يغمور كلداني من أبرشية آمد. ولد في الرها  " أورفا " سنة 1891.دخل معهد شمعون الصفا الكهنوتي البطريركي بالموصل سنة 1910. رسمه كاهناً البطريرك يوسف عمانوئيل سنة 1914 ودعي حنا. شهيد الإيمان سنة 1916. 

24_ الأب أوغسطين خرموش: كلداني من أبرشية ماردين. ولد في ماردين سنة 1892. درس في معهد شمعون الصفا الكهنوتي البطريركي بالموصل. رسمه كاهناً البطريرك يوسف عمانوئيل سنة 1914. خدم في ماردين حتى سنة 1929 حتى نقل للخدمة في الحسكة. توفي في الموصل سنة 1955 ونقل جثمانه إلى الحسكة ودفن في الكنيسة التي شيدها. 

25_ المطران أغناطيوس مالويان: ولد في ماردين سنة 1869. درس في دير سيدة بزمار من سنة 1883 وحتى سنة 1895. رسم كاهناً سنة 1896. خدم في مصر من سنة 1897 وحتى سنة 1903. عين أميناً لسر البطريرك صباغيان في القسطنطينية من سنة 1904 وحتى سنة 1905. خدم مجدداً في مصر من سنة 1905 وحتى سنة 1910. رسم في روما مطراناً لأبرشية ماردين وذلك سنة 1911. نال إكليل الشهادة في 11 حزيران 1915.

26_ عضيبغريا " مكتبنوثا " " تأريخ "  مخطوط للمطران إسرائيل أودو  ص 117_ 118.

27_ المطران ( البطريرك ) جبرائيل تبوني: ولد في الموصل. درس في معهد مار يوحنا الحبيب للآباء الدومنيكان بالموصل. رسم كاهناً سنة 1902. رسم نائباً بطريركياً على ماردين سنة 1913. نقل إلى أبرشية حلب سنة 1921. انتخب بطريركاً للكنيسة السريانية الكاثوليكية سنة 1929. نال رتبة الكردينالية من روما. توفي في بيروت سنة 1968 ودفن في دير الشرفة.

28_ عضيبغريا " مكتبنوثا " " تأريخ "  مخطوط للمطران إسرائيل أودو  ص 22_ 23.

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com