"سرّ الميلاد" بحسب إديت شتاين
ولادة المخلّص وأهمّيّتها


لـ إريك دو روس
روما، الجمعة 23 ديسمبر 2011 (ZENIT.org) – "الميلاد هو بداية مغامرة ليست سوى مغامرة النعمة في حياتنا": هذه القراءة لـ"سرّ الميلاد" وأهمِّيَّته بالنسبة إلينا، في مدرسة إديت شتاين، القدّيسة الكرمليّة ذات الأصول اليهوديَّة - تريزيا بنديكتا للصليب -، التي قُتلَت في أوشفيتز عام 1942، قد خصَّ بها إريك دو روس (أستاذ مساعد في الفلسفة ضمن التربية الكاثوليكيّة) قرّاءَ زينيت بمناسبة الميلاد.
"سرّ الميلاد"
عام 1931، وفي ألمانيا، ألقت الفيلسوفة الكاثوليكيَّة إديت شتاين محاضرةً تمحورت حول موضوع سرّ الميلاد. هذا التأمّل يفتحنا على العُمق الذي لا مثيل له والذي يُميِّز ولادة المخلِّص وأهمِّيَّتها في حياتنا وللعالم.
تُدخِلنا إديت شتاين مباشرةً في تأمُّل "الطفل الذي يحمل السلام إلى الأرض". ولكن ينبغي ألاّ نُخطئ الظنّ: فالنجم الذي يلمع عاليًا وصافيًا في ليلة الميلاد، يشير إلى أنَّ مجيء النور بيننا لا يحصل مباشرةً بسبب سَماكة الخطيئة. الميلاد هو سرّ الحبّ الكبير المزروع في الظُّلمَة، والمُنتَصِر أخيرًا! "هذه هنا هي حقيقة صعبة وخطيرة، أنَّ الصورة الشِّعريَّة للطفل في المغارة لا يجب أن تُعمينا".
تفسِّر إديت شتاين سطوع النجم الذي تبِعه الرعاة في الليل على أنَّه دعوة يجب أن تشُقَّ بألمٍ طريقَها في قلوبنا. لأنَّ عيد الميلاد هو بالفِعل إعدادٌ لدعوة المخلِّص التي سَمِعَها تلاميذُه تتردَّد: "إتبَعني". بالإضافة إلى ذلك: "هو يقول ذلك أيضًا لنا، ويضَعُنا أمام الخَيار بين النور أو الظُّلمَة".
وبعبارة اُخرى، الميلاد هو بداية مغامرة ليست سوى مغامرة النِّعمة في حياة كُلٍّ منّا. لقد فَهِمَت إديت شتاين في مدرسة مُعلِّمي الكرمل، بخاصَّةٍ تريزيا الأفيليَّة و يوحنّا الصليب، أنَّ النعمة تريد أن تحلَّ فينا مثل بذرة حياةٍ تحوِّلُنا بحيث تجعلنا نشترك في حياة الله نفسه. ويتحقَّق هذا السرّ تحديدًا في يسوع، فنحن نتحوَّل بواسطة المعموديَّة إلى أعضاء حَيَّة في جسده الذي هو الكنيسة.
ولذلك فإنَّ ما يلي في تأمُّل إديت شتاين يركِّز على العلامات الأساسيَّة لوجودٍ بشَرِيٍّ متِّحِدٍ بالله: محبَّة القَريب، -"أكانَ من أقاربنا (أهلِنا) أم لا، أكُنّا نجده وَدودًا أم لا، أكانَ أخلاقيًّا مُستَحِقًّا مُساعَدَتنا أم لا"- ووَضعُ مشيئتِنا بين يدَي الآب. العمل وفق مشيئة الله هو "وَضعُ يَدَينا في يَدَي الطفل الإلهيّ" مُقتَدِين بالعذراء مريم، بالقدّيس يوسف وبجميع القدّيسين. في تأمُّلها الطفلَ-الإله، تقودُنا إديت شتاين في دروب تَهيِئة حقيقيَّة للمسيح ولسرِّ الخَلاص. لأنَّ استقبال الطفلِ-الإله يعني المشاركة في استعداد قلب المسيح المُسلِّم ذاتَه كاملاً وبحُبٍّ للآب، كٱبنه الحبيب، في ثِقَةٍ ثابِتَة".
وبالتالي، فإنَّ التحَدّي في الميلاد يتمثَّل في السماح للنعمة "بأن تُدخِلَ حياةً إلهيَّةً في حياة الإنسان". هذا يفترِض "بأن نكون كلّ يوم في علاقة مع الله" بإصغائنا إلى كلمته، وبالصلاة الداخليَّة (الفَرديَّة) والليتورجيَّة، وبِعَيش الأسرار. في مدرسة الطفل-الإله نتعلَّم أن نَعيش كـ"أبناء لله" بهدف أن "نولَد لاتِّساع حياة المسيح". هذا هو "الطريق المفتوح أمام كُلٍّ مِنّا، أمام البشَريَّة جَمعاء".
في هذه المُحاضَرة، لإديت شتاين، نجد، أيضًا ودَومًا، المُربِّيَة وعالِمَة الفينومينولوجيا ( عالِمَة الظَّواهِر) التي تُثَقِّف نظرَتَنا الداخليَّة. هُنا ينبَغي أن نقرأ تحت ظاهِرِ المغارة غير المُعَبِّر، حَجمَ دعوةٍ واسعة: أن نشترك في "عمل الفادي العظيم".
إذا كان الميلاد عيد الفرح، فهو بدون شكّ فرحُ حركةٍ تَشدُّنا إلى خارِج ذواتنا. إنَّ التأمُّل بيسوع في المغارة يُحقِّق تحديدًا هذا الخُروج مِن ذَواتِنا. الإندِهاش أمام جمال المُخلِّص المَحجوب يحرِّرُنا مِن ذَواتِنا ويفتَحُنا على العالم الذي ينتظر أن نُعلِنَ إلَيه بحَياتِنا "النورَ السرمَديَّ الذي هو حُبّ وحَياة".

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com