نبذة تاريخية عن كنيسة المشرق في الجزيرة العربية والقطر البحري " بيث قطرايي "

الشماس نوري إيشوع مندو

   المقدمة: قسم الجغرافيون العرب الجزيرة العربية إلى خمسة أقسام هي: 1_الحجاز. 2_تهامة. 3_ نجد. 4_ اليمن. 5_ العروض. ومن أقسام العروض شبه جزيرة قطر التي تمتد من عُمان إلى حدود الأحساء.

   نشأت في الجزيرة العربية دويلات صغيرة، فوق هضبة الحجاز الواسعة وفي نجران وعُمان وحضرموت والبحرين والأحساء وحتى في قلب الجزيرة العربية. وكذلك فوق الجبال اليمنية وعلى السواحل الجنوبية منها، فقامت ممالك اليمن مثل المملكة المعينية، تلتها المملكة السبئية، ثم المملكة الحميرية التي ظهرت منذ القرن الثالث قبل الميلاد. ودخلت مكة التاريخ بعد انحطاط مملكة حمير، فغذت جمهورية تجارية نظمتها قبيلة قريش القوية، واحتلت مركزاً تجارياً خطيراً، جعلها نقطة انطلاق إلى بلاد الشام. وفي الشمال قامت مملكة الأنباط وعاصمتها البتراء، ومملكة اللخميين المناذرة وعاصمتهم الحيرة، ومملكة الغساسنة وعاصمتهم بصرى. [1]

   وعلى الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية أو السواحل الغربية للخليج العربي قامت حضارة بحرية عرفت في مصادر كنيسة المشرق بـــــ بيث قطرايي " القطر البحري ". وامتدت هذه الحضارة من الكويت شمالاً وحتى أقصى عُمان جنوباً.

   1_  المسيحية في الجزيرة العربية: سعى جثالقة المشرق إلى نشر الإنجيل في الحيرة التي كانت عاصمة المناذرة، ولقد تنصر بعض ملوكها، منهم امرؤ القيس الذي تنصر سنة 288 م، والنعمان الأول الذي زهد ولبس المسوح، والنعمان الثاني الذي زهد هو الآخر بمشورة وزيره عدي بن زيد نحو سنة 469 م، والنعمان الرابع الملقب بأبي قابوس نحو 594 م. أما هند ومريم أختاه فكانتا قد تنصرتا قبل أخيهما وترهبتا.    

   وقد انتظمت المسيحية في مملكة المناذرة في مطلع القرن الخامس تحت رئاسة أسقف، ويذكر كتاب المجامع الشرقية بعضاً من أساقفتها الذين شاركوا في مجامع كنيسة المشرق وهم: 1_ هوشاع سنة  410 م. 2_ شمعون سنة 424 م.        3_ شمعون سنة 486 م. 4_ إيليا سنة 497. 5_ نرساي سنة 524 م. 6_ أفرام الذي كان معاصراً لهند الكبرى امرأة المنذر الأول سنة 540 م. 7_ يوسف سنة 585 م. 8_ شمعون بن جابر سنة 594 م. 9_ يوئيل سنة 790 م. هذا بالإضافة إلى عدد من الأساقفة الذين كانوا من أصل حيري أمثال يوحنا الأزرق وسبريشوع وخوداهوي وإيشوعداد.[2]  

   وبسبب ازدهار المسيحية في مملكة المناذرة، أصبحت الحيرة مركزاً مهماً للعلوم والآداب. وفيها عقد بعض مجامع كنيسة المشرق، وفي كنائسها وأديارها دفن عدد من جثالقة هذه الكنيسة. ونجد الكم الهائل من الأديار التي شيدت في الحيرة ومحيطها، فقد تجاوزت الخمسين حسب ما ورد ذكرهم لدى المؤرخين،  ويلف غيرها الكثير من الغموض. ومن هذه الأديار نذكر: 1_ ديارات الأساقف. 2_ دير اسكول أو ( الاسكون ). 3_ دير الأعور. 4_ دير أبلح. 5_ دير ابن براق.    6_ دير أدرمنج. 7_ دير ابن وضاح. 8_ دير الحريق. 9_ دير قبة الشتيق. 10_ دير ابن مزعوق. 11_ دير أبي موسى.       12_ دير عبد الرحمن. 13_ دير بني صرينارة. 14_ دير بونا. 15_ دير مار توما. 16_ دير الجرعة. 17_ دير الجماجم.    18_ دير حنة الكبير. 19_ دير حنة الصغير. 20_ دير حنظلة. 21_ دير داديشوع. 22_ دير دندا أو دودي. 23_ دير الخصيب. 24_ دير زرارة. 25_ دير الزرنوق. 26_ دير الشاء. 27_ دير سركيس وباكوس. 28_ دير سلسلة. 29_ دير السوا أو العدل. 30_ دير مار عبد يشوع. 31_ دير العذارى.  32_ دير علقمة. 33_ دير قرة. 34_ دير كعب. 35_ دير اللج.     36_ دير مار آبا الكبير. 37_ دير المسالح. 38_ دير مار باباي الكاتب أو المعري. 39_ دير مار بثيون. 40_ دير مارت مريم. 41_ دير يزدفنة. 42_ دير هند الكبرى. 43_ دير هند الصغرى. 44_ دير نجران. 45_ دير خوداهوي. 46_ دير بيث حالي. 47_ دير كمري. 48_ دير الصوامع. 49_ دير شمعون بن جابر. 50_ دير القصير أو الأقيصر. 51_ دير البردويل. [3]  

   وقد دخلت المسيحية الجزيرة العربية منذ عهد مبكر جداً، وبخاصة المناطق الواقعة على ضفاف المحيط الهندي، وعلى ضفاف الخليج العربي، وعند مصب الرافدين، وفي الكويت وقطر وجزر البحرين، وفي عُمان والأحساء، وفي أقصى الجنوب أي اليمن، وحضرموت وتوابعها، أي منطقة المهرة وجزيرة سقطرى. فنجد آثاراً للمسيحية فيها قبل مجيء الإسلام.[4]

   وقد لاقت بشارة الإنجيل تقبلاً منقطع النظير في كل أقطار شبه الجزيرة العربية، وتغلغلت في أعماقها وفي مناطقها الحدودية.  ويشهد على ذلك المؤرخون وكتاب السير.

   فابن قتيبة يقول: "  أن النصرانية كانت في ربيعة وغسان وبعض بني قضاعة ".[5]

   ويقر اليعقوبي بتنصر كل من"  تميم وربيعة وبني تغلب وطي ومذحج وبهراء وسليح وتنوخ ولخم ".[6]

   ويقول الجاحظ: " كانت النصرانية قد أوجدت سبيلها بين تغلب وشيبان وعبد القيس وغسان وقضاعة وسليخ والعباد وتنوخ ولخم وعاملة وجذام وكثير بن بلحاث بن كعب ".[7]

   وفي اليمامة الواقعة في الجنوب الشرقي من نجد والحجاز، كان للمسيحية أنصار عديدون في قبيلة بني حنيفة القوية، والتيارات المسيحية نفسها القادمة من سوريا ومن ما بين النهرين، كانت قد نقلت الأفكار المسيحية إلى قلب البلاد العربية، أي إلى نجد حيث كانت تحكمها قبيلة كندة التي أنجبت امرؤ القيس حليف الملك يوستيانوس البيزنطي       ( 527 _ 565 م ).[8] ويذهب المؤرخون  إلى أن المسيحية كانت عريقة في الحجاز، فهم يشيرون إلى أن برثلماوس الرسول هو الذي دعا إلى المسيحية في بلاد الحجاز وحمير.[9] وقد نصر خلقاً من سكانها الذين ترك لهم نسخة من إنجيل متى باللغة الآرامية الفلسطينية.

   ويروي الطبري أن مسلة جنائزية اكتشفت قديماً في جبل عقيق القريبة من يثرب " المدينة المنورة "، تحمل حروفاً آرامية كانت تعلو ضريحاً لأحد رسل المسيح. ويذكر ياقوت الحموي أن أيلة ( العقبة الأردنية حالياً ) كانت مسيحية، وكان أسقف أيلة من بين الذين حضروا مجمع نيقية سنة 325 م. وكانت دومة الجندل كلها مسيحية، وكان لها أسقف. وكان اكيدر بن عبد الملك وهو من قبيلة كندة ملكاً عليها وكان مسيحياً. وكان سكانها من بني سكون من قبيلة قضاعة المسيحية في معظمها، ومن تجمع هام من قبيلة بني كلب.

   أما وادي القرى فكانت تسكنه قبيلتا قضاعة وسليح المسيحيتان. وتضم قبيلة بني صخر التي تسكن الآن تلك المنطقة فروعاً عديدة ما تزال تحمل ألقاباً مسيحية مثل: بنو مطران، اليعاقبة، مهابرة " الأحبار "، السماعنة. وكلها تشهد لأصلها المسيحي.

   وكانت قبيلة طي العربية المسيحية تسكن تيماء التي كان فيها حصن الأبلق الشهير، الذي كان يحكمه الأمير السمؤال الذي كان من أصل غساني وينتمي إلى فرقة مسيحية يهودية.

   وكانت تبوك حصناً يسكنه مسيحيي قضاعة، وجاورهم فيه بنو كلب من قبيلة تغلب المسيحية. وفي غزوة تبوك لم يتمكن النبي محمد والمسلمون من اقتحامها لحصانتها، ولسرعة الروم ومسيحيي العرب إلى نجدتها. فحاصروها عشرين يوماً ثم قفلوا عنها راجعين.[10]

   أما يثرب فكانت شبه مستعمرة يهودية. كما أن اليهود فرضوا هيمنتهم على خيبر وفدك. إلا أن سلطتهم في يثرب ذاتها لم تكن بغير منازع، إذ كانت قبيلتا الاوس والخزرج القادمتان من اليمن بعد انهيار سد مأرب تقاسمان اليهود السلطة والنفوذ. وورد في تقويم قديم للكنيسة النسطورية. كان في يثرب مطرابوليط أسمه بولس أصله من بيث كرماي " كركوك "، وتحت يده أسقفان هما: موسى أصله من سعرت، وإبراهيم أصله من خراسان العجم، وتحت يدهم 80 قسيساً و 200 شماس، وعدد المؤمنين 4300 عائلة، ولهم ثلاث كنائس على اسم إبراهيم الخليل وموسى كليم الله وأيوب الصديق.

   وكان لهم مركزاً في مدينة عكاظ، فيها أسقف أسمه شليطا أصله من ماردين، وتحت يده 8 قسس و 30 شماساً، وعدد المؤمنين 1800 بيت، ولهم كنيسة على اسم مار بطرس وبولس. هؤلاء جميعهم كانوا خاضعين إلى جاثليق المشرق في المدائن، وفي سنة 1240 م قويت الأمة الإسلامية وضبطت كنائسهم، وقتلت خلقاً كثيراً بحد السيف، وجزء منهم انحازوا إلى الإسلام.[11]

   أما مكة فكانت المسيحية عريقة فيها، وكان لهذه المدينة أهمية كبيرة بين سكان الجزيرة العربية لوجود الكعبة فيها. وكانت تستقطب القبائل من مختلف أرجاء الجزيرة، ومن ضمنها القبائل المسيحية. فلقد كان هناك شعراء مسيحيون مثل عدي بن زيد والأعشى، كانوا يقسمون أمام الحجر الأسود برب الكعبة وبالصليب في آن واحد. وكان للمسيحيين دور هام في مكة، لكنهم لم يكونوا منظمين. فكانوا من أصل محلي أو من جاليات قدمت من مختلف البلدان، يتكلمون لغة قريشية أو لغة هي مزيج من العربية والآرامية والحبشية. فالمسيحيون في مكة كانوا ينتمون إلى أصول عديدة، أحباش وأقباط وتجار من نجران ورعايا من المناذرة والغساسنة ومن أنباط سوريا، مع بعض رهبان ومرسلين، بالإضافة إلى جماعة من علية القوم الذين اعتنقوا المسيحية أمثال عثمان بن الحويرث وورقة بن نوفل ابن أسد من بني قصي، ابن عم خديجة زوجة محمد رسول الإسلام الأولى.[12]

   وكانت المسيحية في مكة هي على مذهب  المونوفيسية ( أصحاب الطبيعة الواحدة  )، حيث كانت سائدة في اليمن والحبشة وفي دولة الغساسنة وفي مشارف الشام كلها.[13]

   أما بلاد الحميريين المعروفة اليوم ببلاد اليمن، فقد دخلتها المسيحية في صدرها. وكان أهلها من الساميين ولغتهم سامية تدعى بالحميرية، لها قلم خاص يعرف بالمسند. وقد تغلغلت الآرامية بينهم، فأبدلوا قلمهم المسند بالقلم الآرامي.[14]

   ويظهر أن المسيحية دخلت اليمن في نهاية القرن الثالث أو مطلع القرن الرابع. وقد يكون دخولها انطلاقاً من الحبشة، ولو أن هناك تقليد تنسب تبشير المناطق الساحلية الجنوبية من الجزيرة العربية إلى الرسل متى وتوما وبرتلماوس. ومما لا شك فيه أن كنيسة المشرق أنشأت في تلك البلاد عدة كنائس، وكان لهم فيها أساقفة أتوها من قبل جثالقة المشرق أصحاب كرسي المدائن، وبقوا فيها بعد الإسلام بمدة طويلة. [15]

   وجاء في تقويم قديم لكنيسة المشرق، أنه في سنة 1210 م كان في اليمن عدة مراكز لكنيسة المشرق هي:

   الأول في مدينة صنعاء فيها مطرابوليط اسمه اسطيفانوس وأصله من جزيرة قبرص، وتحت يده  ثلاثة أساقفة هم: إيليا أصله من الجزيرة العمرية، ويبالاها أصله من ماردين، وشمعون أصله من الموصل، ولهم ثلاث كنائس على اسم الصليب ومار كيوركيس ومار أنطونيوس. ولهم 70 قسيساً و 280 شماساً، وعدد المؤمنين عندهم 5700 بيت.

   أما المركز الثاني فكان في مدينة زبيد فيها أسقف اسمه عبد يشوع أصله من آمد " ديار بكر "، تحت يده 10 قسس و 26 شماساً، وعدد المؤمنين 1100 بيت.

   والمركز الثالث كان في مدينة عدن فيها أسقف اسمه مار ميلو " ميلس " أصله من البصرة، تحت يده 12 قسيساً و 40 شماساً، وعدد المؤمنين 1300 بيت، ولهم كنيسة على اسم مار يوسف خطيب العذراء.

   والمركز الرابع كان في مدينة نجران فيها أسقف اسمه يعقوب أصله من سعرت، تحت يده 15 قسيساً و 35 شماساً، وعدد المؤمنين 1400 عائلة، ولهم كنيستان على اسم قيامة المسيح وما شليطا الناسك. [16]

   ويبدو أن المسيحية في اليمن بدأت بالتقهقر أمام الزحف الإسلامي بعد هذا التاريخ، فمنم من قتل بحد السيف، ومنهم من دخل الإسلام. وقد ذكر الكاتب الإسباني اوردينو دي سينالتوس من القرن السادس عشر ، أنه في رحلته إلى المغرب لقي بعض القبائل العربية، احتفت به وأكدت له أن أصلها من قبائل مسيحيي العرب في اليمن. أما المرسلون الكبوشيون في عدن سنة 1895 م فقد وجدوا في بعض أهل اليمن آثاراً مسيحية ظاهرة، ورثوها من أجدادهم المسيحيين.  [17]

  أما نجران فقد حكمتها طبقة مسيحية بورجوازية تؤدي الجزية للملك الحميري، وذلك منذ القرن الخامس. وكان المذهب السائد فيها هو النسطورية، إلا أن الاضطهاد الذي شن على المنوفيزيين ( الطبيعة الواحدة ) في عهد الإمبراطوريين يوستيني الأول ( 518 _ 527 ) ويوستنيانس الأول ( 527 _ 565 ) أدى إلى تدفق هؤلاء نحو منطقة نجران، حتى أضحت المنوفيزية فيها المذهب السائد، فتكونت فيها أبرشية تابعة لبطريركية الإسكندرية. [18]

   وبقي أهل نجران على المسيحية، حتى دعاهم إلى اليهودية أحد ملوكهم اسمه ذو نؤاس، فأبى النجرانيون وكان رئيسهم اسمه الحارث، واستعدوا للدفاع عن بلدهم. ألا أن ذو نؤاس دخله بالمكر وحفر أخاديد أضرمها ناراً وألقى فيها عشرين ألفاً من المسيحيين. ولما سمع قيصر الروم بما حدث، أمر النجاشي ألصبان ملك الحبشة لمحاربة ذو نؤاس ففعل، فأرسل جيشاً فقاتلوا ذو نؤاس وظفروا ببلاده. وأتم الأحباش فتح اليمن فملكوا عليها أكثر من نصف قرن. وفي زمن حكم الأحباش جعلوا نجران كقبلة الدين المسيحي، فأقاموا فيها مزاراُ كان العرب يقصدونه من كل صوب. وقد شاع ذكره عند العرب فدعوه " كعبة نجران " أو " كعبة اليمن ". وشيدوا كنيسة عظيمة في صنعاء، لا تزال حتى اليوم ترى بقاياها في جامع هذه المدينة. وأقاموا في ظفار كنيسة جليلة كانت آية في الحسن والجمال.

   ويبدو أن المسيحية في اليمن كانت مستقيمة خالية من البدع. ولكن الأحباش جنحوا في القرن السادس إلى مذهب اليعاقبة، وقد بالغ مؤرخي اليعاقبة في شيوع مذهبهم بين أهل اليمن. لأن نساطرة العراق انتهزوا فرصة دخول الفرس في اليمن فنشروا هناك بدعتهم، ولعلهم كانوا سبقوا إلى بثها قبل ذلك فعززوها. وفي تواريخ كنيسة المشرق ما يصرح بانتشار تلك البدعة في جنوبي بلاد العرب ومقاومتهم لليعاقبة.[19]  

   2_ المسيحية في بيث قطرايي " القطر البحري ": تطلق مصادر كنيسة المشرق تسمية بيث قطرايي على معظم الساحل الغربي للخليج العربي، ابتداءً من الكويت وحتى جنوب عُمان، وقد يتعدى إلى مناطق أخرى داخل الجزيرة العربية. فالحسن بر بهلول في معجمه الشهير يقول: القطريون والبحريون بالقرب من مجراة الأحساء والقطيف. والقطريون أهل سقطرة ونجران وأهل اليمامة. [20] 

   أما توما المرجي فيقول: بيث قطرايي هي شبه جزيرة قطر الواقعة على الساحل الشرقي من شبه الجزيرة العربية بجانب جزيرة البحرين. [21]

   أما المطران أدي شير فيقول: بيث قطرايي التي في خليج العجم، وجميع النواحي الشمالية الشرقية من شبه جزيرة العرب. وأعظم هذه الجزر هي: ديرين ومشمهيغ أو سماهيج، وكانت هذه بين البحرين وعُمان. وعلى سواحل البحر تجاه هذه الجزائر كانت بلاد حطا المسماة بيط أرداشير، وبلاد مازون، ومدينة هجر كانت داخل البحرين.[22]  

   ويخبرنا التاريخ السعرتي أنه منذ سنة 225 م كان مطران على بيث قطرايي، وفي الشواطىء العربية شمالي    البحرين. [23]  

   وكان للحيرة عاصمة المناذرة دور كبير في نشر وترسيخ المسيحية في منطقة الساحل الشرقي للجزيرة العربية، وذلك لكونها مركزاً دينياً هاماً، بالإضافة إلى كونها مركزاُ مرموقاً للتجارة، وطريقاً للقوافل المنطلقة نحو آسيا الداخلية. فمن الحيرة انطلقت إرساليات مسيحية على الطريق التجاري نحو البحرين وعُمان وقطر وغيرها من البلدان الواقعة على الخليج العربي، وما هنالك من جزر قبالتها.[24]  

   وقد عاش في بيث قطرايي الكثير من التجار النساطرة والرهبان، وكانوا يذكرون باسم حملة اللؤلؤ. وصار للؤلؤ أهمية وقيمة عالية في الأخبار التي ترجع لفترة فجر المسيحية لدى سكان البلاد. فقيمة اللؤلؤ الكبيرة عنهم والذي يرتبط بمنطقة الخليج الغنية بمصائده. ففي رأي البعض لا بد أن لها علاقة بعبارة إنجيل متى ( 13 : 45 _ 46 ) " يشبه ملكوت السماوات تاجراً كان يبحث عن لؤلؤ ثمين، فلما وجد لؤلؤة ثمينة مضى وباع كل ما يملك واشتراها ". وكان اللؤلؤ مهماً جداً في الكنائس الشرقية، أهمية كأس العشاء الرباني في الكنيسة الغربية. فإذا كانت الكأس المقدسة هذه التي استعملها المسيح في العشاء الأخير، فإن اللؤلؤ هو قطعة من عجين  الخبزة الأصلية التي كسرها المسيح في العلية في العشاء ذاته. وعرف أن الجاثليق حزقيال ( 567 _ 581 م ) كان صياد لؤلؤ ماهر، ولعل ذلك مار رفعه إلى السدة البطريركية.[25]

   ويقول التاريخ السعرتي: إن المطران حزقيال نال حظوة في عين الملك خسرو الأول أنوشروان وحصل على مواجهة من الملك وحتى على صداقته، بسبب رفعته وقابليته ومهنته كطبيب، ولمعرفته الجيدة للغة الفارسية، فأرسله وهو لمل يزل أسقفاً على الزوابي مع بعض الغطاسين للحصول على اللؤلؤ من البحرين. وقد جلب معه لؤلؤة نادرة عجيبة وثمينة جداً، فما كان من الملك إلا ورفع حزقيال وألحقه بخدمته، ثم أوصى بانتخابه جاثليقاً للكنيسة الشرقية، وهو الجاثليق التاسع والعشرون. [26]

   وبسبب التجارة وصيد اللؤلؤ في منطقة بيث قطرايي التي تشمل في جغرافية كنيسة المشرق قطر والبحرين وعُمان، انتشرت المسيحية في هذه البلاد. فإبراهيم  الكشكري من القرن السادس قال عن نفسه: لقد كنت تاجراً مع أولئك الذين تاجروا وسافروا في البحر.

   والراهب بر سهدي من القرن السابع كان قبل ترهبه يذهب في البحر بصحبة التجار إلى الهند. وفي إحدى سفراته سرق القراصنة السفن، واستنجد هو بالله أن أنقذهم لينخرط في سلك الرهبنة.[27]

   وعلى أثر الجدالات الدينية التي دارت بين المسيحيين، ثبتت الحيرة على المذهب الشرقي ( النسطوري ) أسوة بكنيسة فارس كلها. ولذلك فالإرساليات الداعية للمسيحية والمنطلقة من الحيرة وغيرها إلى بلدان الخليج العربي وجزره وغيرها من مناطق الجزيرة العربية، نشرت العقيد الشرقية في تلك البلدان. [28]

   وقد انتشرت المسيحية أيضاً بين القبائل الرحالة في منطقة البحرين، وكان أشهر من اعتنقها من عرب الخليج هم قبائل من تغلب وبكر بن وائل وعبد القيس. ووصلتنا من أشعار العصر الجاهلي أمثال لبيد الذي ذكر عن رحلته من اليمامة إلى هجر، ويخبرنا كيف أنه سمع ضرب نواقيس الكنائس. هذا إلى جانب الأسماء المسيحية التي وصلتنا مثل عبد المسيح وعبد مريم.

   وفي بداية القرن الخامس غدا للمسيحيين النساطرة مركز محترم في منطقة الخليج. ولقد عثر على دير عظيم في جزيرة خرك ( خرج ) الواقعة على بعد 55 كم شمال غرب بوشير، يضم كنيسة فخمة واسعة أبعادها 30 × 15 م، وبنايات للإدارة وغرف للرهبان، ومساحة الدير 8000 م2. ويقدر عدد الرهبان الذين كانوا يقيمون في الدير بما يقرب المائة.

   واشتهرت البحرين بصيد السمك، وكانت مدينة عدولي ( أدوليس ) في هجر بالبحرين مشهورة ببناء السفن البحرية الضخمة. ويقول الشاعر طرفة بن العبد:

كــــــــــــــــــأن حدوج المالكية غدوة                خلايا سفين بالنواصف من ددِ

عدولية أو من ســـفين ابن يامن                 يجور بـــــــها الملاح طوراً ويهتدي

وما ابن يامن ( بنيامين ) هذا إلا رجل مسيحي من البحرين، اشتهر بصناعة السفن. ويظهر أن السفينة العدولية قد عمت شهرتها، حيث ذكرها الكثير من الشعراء. [29]

   وفي القرن الرابع الميلادي أنشأ عبد يشوع الناسك في جنوبي قطر ديراً باسم مار توما، زاره نحو سنة 390 م مار يونان الناسك أحد تلاميذ مار أوجين، فوجده آهلاً بمئتي راهب. فأقام فيه ثمة مدة يقضي الصلوات مع الرهبان        بالكلدانية. [30]

   ويقول المطران أدي شير: وكان يوجد عدة أديرة في بيث قطرايي وفي أطراف الحيرة، كما يبان من رسائل الجاثليق إيشوعياب الحديابي، ومن كتاب ياقوت الحموي ( معجم البلدان ). [31]

   وبعد أن أضحت بيث قطرايي كرسياً ميطرابوليطياً، كان هذا الكرسي يدبر أكثر من خمس أسقفيات هي: جزيرة ديرين ومشمهيغ ومازون وحطا ونجران. وربما اليمامة وسوقطرى أيضاً. وجاء في كتاب الأخبار البيعية والذي يعتبر الجزء الأول المفقود من التاريخ السعرتي: الكرسي العاشر مطران قطريه في البحر، صار لأسقف نجران واليمامة. [32]   

   وكان للبحرين وساحل قطر والهجر ( الأحساء ) أساقفة نساطرة. وكانت هجر أيام الاحتلال الفارسي مركزاً لحاكم المنطقة، الذي عاش في حصن المشقر، الذي يقع على تل اسمه عطالة. وكان في مدينة الخط ( حطا أو بطن أردشير )كنائس وأسقفيات، وكان في قطر ( قاطرايا ) أبرشية نسطورية. [33]

    وفي مجمع مار إسحق المنعقد سنة 410 م دعيت هذه الأبرشية بـ الجزر،  وصنفت ضمن الكراسي البعيدة، بسبب بعدها عن الرقعة الأصلية والقديمة والطبيعية ذات التماس الجغرافي المتداخل لكنيسة المشرق. [34] وفي القرن السابع كان كرسي بيث قطرايي المطرابوليطي يتألف من خمسة كراسي أسقفية هي:

    1_ أسقفية ديرين: تقع مقابل القطيف، وشكلت أشبه بميناء لمنطقة البحرين. وبينها وبين الساحل مسيرة يوم وليلة لسفر البحر. ويجلب إليها المسك من الهند. [35] ومن خلال رسالة بعثها الجاثليق إيشوعياب الأول الأرزني   ( 582 _ 595 ) إلى أسقفها يعقوب، نجد أنها كانت تدعى أيضاً داري: إلى الكاهن الفاضل والمكرم الأسقف المختار مار يعقوب أسقف جزيرة داري قرب تلوان على مقربة من روحايثبا أي ( الكثيرة الرياح ) ". وتتضمن رسالة الجاثليق أجوبة على أسئلة الأسقف عن طريقة التعليم، وتدور حول مسائل أدبية وطقسية، كما تتناول حياة الاكليروس، وتقديس الأحد، وتجنب الربا، وموضوع التوبة والاعتراف، وموضوع الزواج من امرأة عاقر.[36]  

   وقد حضر العديد من أساقفة هذا الكرسي مجامع كنيسة المشرق نذكر منهم: الأسقف صصر حضر مجمع الجاثليق داديشوع سنة 424 م.[37]  الأسقف يزجرد حضر مجمع الجاثليق آقاق سنة 486 م.[38]  الأسقف بريخيشوع حضر مجمع الجاثليق بابي سنة 497 م.[39]  الأسقف مرقس حضر مجمع الجاثليق آبا الكبير سنة 544 م.[40]  الأسقف يوحنا حضر مجمع الجاثليق يوسف سنة 554 م.[41]  الأسقف عبدا حضر مجمع الجاثليق غريغور سنة 605 م.[42] الأسقف إيشوعياب حضر مجمع الجاثليق كوركيس الأول سنة 676 م. [43]  الأسقف دانيال حضر مجمع الجاثليق طيمثاوس الأول سنة 790 م. [44]

   2_ أسقفية مشمهيغ أو سماهيج: جزيرة في وسط البحر بين عُمان والبحرين، وهذه الجزيرة تدعى بالفارسية ماش ماهي. وقيل أنها قرية على جانب البحرين ومن جواثا.[45]  وفي مجمع الجاثليق إسحق سنة 410 م كان ثمة نزاع على كرسي مطرانية مشمهيغ. [46]  ويقول المطران أدي شير أن سماهيج هي من كبرى الجزائر قبالة الساحل العربي بين البحرين وعُمان، وفيها كرسي أسقفي تابع لميطرابوليطية بيث قطرايي. [47]  ونجد توقيع الأسقف إيليا على قرارات مجمع الجاثليق إسحق سنة 410، ويبدو أنه لم يحضر المجمع، لكنه وافق على قراراته فيما بعد. [48] 

   3_ أسقفية مازون أو مازونا: تقع على ساحل البحر بين البحرين وعُمان، وكان مسيحيو عُمان يطلق عليهم مازونايي.[49] وكان في عُمان الكثير من المسيحيين خاصة عند السواحل، وكان للعاصمة صحار التي كانت مركزاً للتجارة وصنع المنسوجات علاقة مع ميشان ( البصرة )، وقد وردتنا أسماء أساقفة من أمثال يوحنان الذي حضر  مجمع الجاثليق داديشوع سنة 424 م الذي أنعقد في مركبثا دطيايي أي ( مركبة العرب ) ويعتقد أنها الحيرة.[50] وصموئيل الذي حضر مجمع الجاثليق حزقيال سنة 576 م.[51] واسطيفانوس حضر مجمع الجاثليق كوركيس الأول سنة          676 م. [52]

   4_ أسقفية هجر: هجر قصبة بلاد البحرين بينه وبين سرين سبعة أيام.[53]  وقيل ناحية البحرين كلها هجر  كما قال صفي الدين البغدادي. وقد كتب رسول الإسلام إلى أهل هجر، وكان يحكمها المنذر بن ساوى   المسيحي. [54] ويقول المطران أدي شير: هجر مدينة كانت داخل البحرين، وكانت أسقفية تابعة لكرسي بيث قطرايي الميطرابوليطي. [55]  وقد حضر أسقفها بوسي مجمع الجاثليق كوركيس الأول سنة 676 م. [56]

   5_ أسقفية حطا أو الخُط أو بيط أرداشير: يقول ياقوت الحموي: الخُط أرض تنسب إليها الرماح الخطية، وهو خط عُمان. وذلك السيف كله يسمى الخُط، ومن قرى الخُط القطيف والعقير وقطر. وجميع هذا في سيف البحرين وعُمان، وهي مواضع كانت تجلب إليها الرماح القنا من الهند، فتقوم فيه وتباع إلى العرب. [57]  ويتحدث الحموي عن قطر قائلاً: قرية في أعراض البحرين على سيف الخط بين عمان والعقير قرية يقال لها قطر. [58]  أما المطران أدي شير فيقول: حطا كرسي أسقفي كان يدار من قبل كرسي بيث قطرايي المطرابوليطي. [59] وقد حضر أسقفها شاهين مجمع الجاثليق كوركيس الأول سنة 676 م. [60] 

   6_ أسقفيات نجران واليمامة وسوقطرى: يقول الأب ألبير أبونا: وفي اليمامة الواقعة في الجنوب الشرقي من نجد والحجاز، كان للمسيحيين أنصار عديدون في قبيلة بني حنيفة القوية. أما في حضرموت وتوابعها أي منطقة المهرة وجزيرة سقطرى، فنجد آثاراً مسيحية قبل مجيء الإسلام، ونعرف أسماء ست أبرشيات على الساحل الشرقي من الجزيرة العربية وفي عُمان وجزيرة سقطرى. [61]

   ويتحدث المؤرخ قوزما ( 520 _ 525 م ): يوجد جماعات مسيحية في سقطرى، يقتبل أكليروسها الدرجات الكهنوتية من بلاد فارس. وقد استمرت المسيحية في هذه الجزيرة زمناً طويلاً، وقد رسم البطريرك سبريشوع الثالث ( 1064 _ 1072 م ) مطراناً لها. ويذكر الرحالة ماركو بولو أن أهالي جزيرة سقطرى هم مسيحيون، وعندهم مطران يدير شؤونهم، وهو يخضع لرئيس الأساقفة الذي يقيم في بغداد، ومنها يعطي أوامره إلى مطران هذه الجزيرة، وهو عندهم مثل بابا روما. ويبدو أنه في القرن السابع عشر كان في سقطرى جماعات مسيحية كثيرة.[62] 

   وجاء في كتاب المجدل لعمرو بنى متى: في زمن الجاثليق يهبالاها المتوفي سنة 1593، كان ضمن من حضر رسامته جاثليقاً في المدائن، قرياقوس أسقف اسقطرا. [63]

   ويقول الأب ألبير أبونا: لقد كان النشاط الوثاب، والرغبة العارمة في نشر بشرى الإنجيل، يعتمران قلوب أبناء هذه الكنيسة، التي ازدهرت على الساحل الغربي للخليج العربي. وما سهل وصول المسيحية إلى بلاد الهند، وجود مسيحية منظمة على كلا الساحلين الشرقي والغربي للخليج، منذ نهاية القرن الرابع، لا سيما في مطلع القرن الخامس في جزر البحرين وفي قطر وعُمان وغيرها وفي بلاد فارس وغيرها.  [64]

   ومع ظهور الإسلام، وبعد صلح الحديبية بين المسلمين وقريش، شرع رسول الإسلام بإرسال سفرائه إلى الملوك والأمراء داخل الجزيرة العربي، يدعوهم إلى الإسلام. وتوالت رسائله إلى أهل البحرين وهجر واليمامة وعُمان وغيرها. فدخلت أغلب القبائل العربية بالإسلام، أما النصارى واليهود والمجوس فدفعوا الجزية للبقاء على أديانهم. وبعد موت الرسول سنة 632 م ارتدت معظم القبائل في الجزيرة عن الإسلام، مما اضطر الخليفة أبو بكر الصديق إلى محاربة المرتدين، وأرجعهم إلى الإسلام، أما أهل الذمة فاستمروا بدفع الجزية. لكن الخليفة عمر ابن الخطاب قام بإخراج المسيحيين واليهود، وتهجيرهم إلى الشام والعراق. وبذلك اخلص الجزيرة للمسلمين فقط. أما النصارى فقد ظلوا ولكن راحوا يذوبون في الإسلام تدريجياً. ويبدو أن في الجزيرة كان تمييز بين فرقتي المسيحيين والنصارى، فلذلك أخرج عمر المسيحيين وترك النصارى. [65]

   فالخليفة عمر ابن الخطاب ( 634 _ 644 م ) أخرج من الجزيرة، الكثير من مسيحيي أبرشية بيث قطرايي، والتي كان يتبعها العديد من الأسقفيات، فانتقلوا إلى قرية تدعى نهر ابان من أرض البحر المنقطع من كورة البهفباذ من طساسيج الكوفة، واستقروا في هذا المكان، وسمي نجران باسم بلدهم، وهو موضع على يومين من الكوفة. [66]

   ومن المعلوم أن كنيسة المشرق اهتمت بتنظيم مسيحيي بيث قطرايي، الذين كانوا يتقلصون منذ منتصف القرن السابع. فالجاثليق كيوركيس الأول ( 660 _ 680 م ) ذهب سنة 676 م إلى  بيث قطرايي، وبعد أن زار العديد من مراكز الأبرشية، حل في جزيرة ديرين، وهناك عقد مجمعاً برئاسته ضم كل من: مطرابوليط بيث قطرايي مار توما، وأسقف ديرين مار إيشوعياب، وأسقف المازونيين ( عُمان ) مار اسطيفانوس، وأسقف هجر مار بوسي، وأسقف الخط  ( حطا ) مار شاهين، وأسقف الطيرهان مار سرجيوس. وقد صدر عن هذا المجمع 24 قانوناً.  

   ويتحدث الجاثليق عن سبب عقد هذا المجمع قائلاً: " ونحن من عهدت إلينا مهمة التدبير الكنسي في هذا الزمان الصعب من نهاية العالم، وقد طاب لنعمة ربنا أن تقودنا في زيارتنا لجزر البحر هذه، والواقعة جنوبي العالم، رأينا أنه لإكمال خدمة الحياة لسكانها، ينبغي تجديد أشياء كثيرة، لدى هؤلاء الشعوب محبي المسيح، من خلال وضع قوانين عادلة تحفظ من يطبقها في كمال خشية الله ". [67]

    وبعد انتهاء المجمع غادر الجاثليق بيث قطرايي متوجهاً إلى ديره بيث عابي، جالباً معه ستراً للمذبح، نسج له في جزيرة ديرين من قبل سكان هذه الجزيرة. [68]

   ومع نهاية القرن السابع الميلادي بدأت المسيحية تتلاشى من الساحل الغربي من الخليج، وبخاصة من عُمان والبحرين وجزرهما.وكذلك من بيث قطرايي. وظل الوجود المسيحي ينزف رويداً رويداً حتى القرن الحادي عشر للمسيحية. ويبدو أنها في هذه الفترة كانت محصورة داخل الأديرة التي كان يعمرها الرهبان الحبساء، والتي كانت منتشرة في بيث قطرايي وجزرها. ومما يؤكد ذلك، لدينا ظهور الكاتب القطري أحوب ( أيوب ) الذي عاش في القرن العاشر، وكان من أصل قطري. [69]   

   3 _ أدباء في كنيسة المشرق من بيث قطرايي: لقد أعطت هذه الأبرشية لكنيسة المشرق، أدباء ومفكرين وفلاسفة، وكتاباً وشعراء مبدعين. كتبوا بلغة كنيستهم، وأغنوا تراثها بمصنفاتهم. وقد حفظ لنا التاريخ سير قلة منهم وهم:

   1_ جبرائيل قطريا: تعلم جبرائيل في مدرسة نصيبين الشهيرة نحو سنة 615 م، وأصبح أستاذاً فيها ثم في مدرسة المدائن وماحوزى. ومن تلاميذه حنانيشوع الجاثليق. لا نعلم شيئاً من الآثار التي يذكرها الصوباوي، إلا أن له تفسير الخدم الكنيسة ذكره ماتيوس ( مخطوطة لندن 3336 ). [70]

   ويتحدث المطران أدي شير عن جبرائيل قائلاً: جبرائيل قطرايا ألف ميمراً في الإتحاد، وكتاباً في حل المسائل الدينية. ويذكر الصوباوي جبرائيل آخر يلقبه بــ " أريا " ويقول عنه أنه من قرابة إسحق أسقف نينوى وله شرح الكتاب المقدس. وعلى ظني أن جبرائيل قطرايا وجبرائيل أريا شخص واحد، لأن جبرائيل أريا أيضاً من بيث قطرايي. ومفسر الأتراك في كتاب جنة النعيم يلقب جبرائيل بأريا. وكان جبرائيل قطرايا معاصراً لباباي الكبير الذي توفي سنة 627 م ، وباباي ذكره في تآليفه. [71] 

   2_ إبراهيم بر ليفي: هو من قطر  وعاش في القرن السادس. أقيم مفسراً في مدرسة ساليق. وضع كتاباً في شرح الطقوس، وفيه لا ينوه بالإصلاح الليتورجي الذي أجراه الجاثليق إيشوعياب الحديابي + 659 م. وهذا دليل أنه عاش في عهد سابق لهذا الجاثليق. أما كتابه شرح الطقوس فهو شرح صوفي رمزي بديع ببساطته. وما وصلنا منه يظهر وكأنه جزء أو مختصر للكتاب الأصلي الطويل المفقود. [72]

   ويقول الأب يوسف حبي: لقب بالمفسر لأن له تفسير الخدم، وهو شرح طقسي تصوفي اختصر فيه كتاب جبرائيل قطرايا، مع إضافة شروح له. وقد نشره كونولي مع ترجمة لاتينية 1913 _ 1915. [73]

   3_ إسحق النينوي: ولد في بيث قطرايي في النصف الأول من القرن السابع. دخل دير بيث عابي قرب عقرة وعكف على الدرس ومطالعة الكتب النسكية. سنة 663 م أقامه الجاثليق كيوركيس أسقفاً على نينوى. غير أنه ترك مركزه بعد عدة أشهر لأجل غيرته على حفظ القوانين التي رآها مهملة، فانعزل وانزوى في جبل ماتوت في بيث هوزايي " الأهواز " وسكن بين النساك والمتوحدين. ثم أتى إلى دير الربان شابور في جبال شوشتر في مقاطعة بيث هوزايي. ولكثرة انصبابه على الدرس ومطالعة الكتب المقدسة فقد بصره. وهناك أنهى حياته وقد بلغ شيخوخة جليلة، ودفن في دير الربان شابور.  وقد نشر المطران يعقوب منا في كتابه المروج النزهية مقالة إسحق النينوي في العلم. ونشر الأب بولس بيجان 82 فصلاً لإسحق في الحياة النسكية، استقاها من مخطوطات عديدة.[74]   وجاء في كتاب العفة  لإيشوعدناح البصري : " تضلع إسحق النينوي كثيراً في الأسفار الإلهية وألف كتباً عن سيرة النساك ". لكن البصري لم يحدد نوعيتها وعددها. ويقول الصوباوي في كتابه فهرس المؤلفين: " وضع إسحق النينوي سبعة مجلدات في تدبير الروح والأحكام والعناية الإلهية ". وقد ترجمة مؤلفاته إلى لغات عدة منها: اليونانية القديمة واليونانية الحديثة والإنكليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والهولندية والحبشية واللاتينية والروسية والعربية. [75]

   وقد حاول البعض من الباحثين أن يجعل من إسحق مؤلفاً أرثوذوكسياً. فقد نشر السمعاني في موسوعته " المكتبة الشرقية " المجلد الأول، ما كتبه أحد المؤلفين المونوفيزيين في بدء الترجمة العربية  لكتاب إسحق النينوي،  وفيها يحدد عصر إسحق في بداية القرن السادس، والحال أن إيشوعدناح يعرفنا بأنه كان عائشاً في نهاية القرن السابع، إذ أن الذي سماه مطراناً على نينوى هو البطريرك كوركيس الأول ( 660 _ 680 م ) والذي كان قد التقى به خلال زيارته الرعوية إلى أبرشية بيث قطرايي، فأعجب به وأقنعه بالذهاب معه إلى بلاد المشرق، وخلال عودته من هناك جاء به وأدخله دير بيث عابي الذي لكنيسة المشرق قرب عقرة. أما الكاتب فيضعه في دير مار متى المنوفيزي. وعوضاً عن جبل ماتوت ودير الربان شابور، يجعل موضع اعتزاله في برية صعيد مصر ودير السيدة المختص بالسريان اليعاقبة. ولكن مما لا شك فيه أن إسحق النينوي كان نسطورياً. [76] 

   إلا أن الأب ألبير أبونا يؤكد من خلال  كتابات إسحق، أنه كاتب شرقي فذ، وإن كان قد كتب العروض الثلاثة التي تقربه من تعاليم حنانا الحديابي التي تمتزج بدفها أحياناً أفكار أوريجينية. [77]  

   4_  يشوعفنا ( يزدفنا ): يقول عبد يشوع الصوباوي: عمل يشوعفنا القطري مقالات في الفصح، وله تفسير المئات، وتفسير فلسفة الروح، وله مقالات وتراجم، ورسائل وتعاز، وتسابيح شجية مرتبة على الألف باء. [78]  

   ويقول الأب بطرس نصري: يشوع افني له خطب تحريضية، وشرح كتاب المئات، وله مقالات وتراجيم ورسائل وتعزيات وتسابيح رثائية مرتبة على نظام أبجدي. [79] 

   أما المطران أدي شير فيقول: ايشوعبناه قطرايا صنف ميامر نصحية وكتاب تفسير المئات وكتاب الفلسفة الروحية. وله ميامر أخر وتراجم ورسائل وتعازي وتسابيح. وقد وصل إلينا ميمر صغير من ميامره محفوظ في مكتبتنا السعردية عنوانه " ميمر ايشوعبناه ضد الذين قالوا عنه أنه شرب سم الوثنية ". وأما قول السمعاني أن ايشوعبناه هذا هو يزيد بناه أسقف كشكر المعاصر للجاثليق إيشوعياب الحديابي، فكلامه هذا ليس بثابت. ترى لماذا الصوباوي عوض ايشوعبناه لم يكتب يزيد بناه. [80]

   5_ داديشوع قطريا: ولد في بيث قطرايي، وعاش في نهاية القرن السابع في دير ( رب كناري ).[81] وقد وضع داديشوع كتاب فردوس المغاربة، وكتاب في الأعمال الصالحة، وميمر في تقديس القلاية، وتعازي ورسائل وسؤالات في الهدوء الروحي والجسدي. [82]

   ويقول الأب ألبير أبونا: "  وقد أفاد توما المرجي في أسلوبه وأبحاثه من كتاب بللاديوس الذي نقله إلى الآرامية داديشوع القطري ". [83]  ويقول المطران أدي شير : وفي هذا الصدد يذهب السمعاني ومعه المستشرقون إذ ظنوا أن داديشوع هذا، هو الذي خلف إبراهيم الكبير في رئاسة دير إيزلا الكبير، لكن الأمر غير ذلك فإنه كان من بيث قطرايي، وعاش في أواخر القرن السابع كما يتضح من شرحه لكتاب الأنبا أشعيا الناسك. [84]

   ويذكر الأب ألبير أبونا أن المطران أدي شير ذكر أن كتابات داديشوع قطرايا موجودة في 15 مقالة في المخطوطة السعردية. ويضيف الأب ألبير: ولكن هيهات ماذا جرى لمخطوطات سعرد ؟ . [85]

   6_ أحوب ( أيوب ) قطريا: هو من قطر، وعاش في القرن العاشر. ويقول عبد يشوع الصوباوي: إن أحوب القطري كتب شرحاً للعهد الجديد كله، وللتوراة وكل الأنبياء، بالإضافة إلى شرح ما بين " المجالس ". وبقيت له مقالة قصيرة تدعى " كتاب أسباب مزامير الطوباوي داود الملك والنبي وقلب الرب ". ووردت تنويهات بتآليف أحوب، كُتبت في هوامش شرح ربان نثنائيل الذي صار أسقفاً لشهرزور، واستشهد سنة 610 م في عهد كسر الثاني. [86]

   الخاتمة: مما سبق نجد أن المسيحية في الجزيرة العربية والقطر البحري كانت منتشرة في طول البلاد وعرضها. ومن خلال ما سرد لنا الأب لويس شيخو من أسماء القبائل المتنصرة في عهد الجاهلية، مع الأدلة على نصرانيتها، نجد الحضور الكثيف للمسيحية هناك. وتلك القبائل هي: ا_ الازد. 2_ امرؤ القيس. 3_ الاوس. 4_ أياد. 5_ بكر. 6 _ بهراء. 8_ تغلب. 9_ تميم. 10_ تنوخ. 11_ ثعلبة. 12_ جذام. 13_ جرم. 14_ جرهم. 15_ الحدَّاء والسمط. 16_ الحارث بن كعب. 17_ حمير. 18_ حنيفة. 19_ الخزرج. 20_ ربيعة. 21_ السكاسك والسكون. 22_ سليح. 23_ شيبان.              24_ ضبيعة. 25_ طيء. 26_ عاملة. 27_ العباد.  28_ عبد الدار. 29_ عبد القيس. 30_ عبس وذبيان. 31_ عجل.       32_ عقيل. 33_ غسان. 34_ فرسان. 35_ قريش. 36_ قضاعة. 37_ القين. 38_ كلب. 39_ كندة. 40_ لخم. 41_ مازن. 42_ مذحج. 43_ معد. 44_ مهرة. 45_ ناجية. 46_ النبط. 47_ النخع. 48_ النمر بن قاسط. 49_ يشكر. [87] 

   ويبدو أن مسيحيي تلك البلاد كانوا يشيدون أفخم البيع والأديار، ويتنافسون فيما بينهم على تشييدها كلاً في منطقته. وهذا دليل على ما كانت قد وصلت إليه المسيحية في تلك البلاد من انتشار وازدهار ونفوذ. والمثال على ذلك ما يزودنا به ياقوت الحموي عندما يتحدث عن كعبة نجران فيقول: " وكان أهل ثلاثة بيوتات يتبارون في البيع وربها، أهل المنذر بالحيرة، وغسان بالشام، وبنو الحارث بن كعب بنجران. وبنوا دياراتهم في المواضع النزهة الكثيرة الشجر والرياض والغدران، ويجعلون في حيطانها الفسافس، وفي سقوفها الذهب والصور. وكانوا يركبون إليها في كل يوم أحد وفي أيام أعيادهم في الديباج المذهب، والزنانير المحلاة بالذهب. وبعدما يقضون صلاتهم ينصرفون إلى نزههم ". [88]  

   وكان للمسيحية تأثير كبير على عرب الجاهلية على كافة الأصعدة. ويتحدث الأب لويس شيخو اليسوعي في كتابه " النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية " عن المجالات التي أثرت فيها نصارى العرب في الجاهلية فيقول: " جمعنا ما ينوط بآداب نصارى العرب قي الجاهلية. ونريد بالآداب كل ما خلفوه لنا من مآثرهم في الكتابة واللغة والأمثال والحكم والإنشاء والشعر والخطب مما رواه عنهم أئمة الآدباء الذين جمعوا شوارد اللغة العربية وآثارها في القرن الثاني بعد الإسلام. فإن هذه البقايا ما تضعضع منها بتوالي الزمان تنبئ بترقي النصرانية بين أهل الجاهلية، وتثبت من وجه آخر سعة نفوذها في جزيرة العرب. ويضاف إلى هذه المآثر الأدبية عادات ألفها عرب الجاهلية قبل الإسلام، واستعاروها من النصارى. فتجدهم في أطوار حياتهم الدينية والمدنية يتقلدونهم، ويأخذون مآخذهم، حتى لا نكاد نرى في بعض الأنحاء أثراً من وثنيتهم السابقة. فكل هذه الظواهر يشهد عليها الشعراء القدماء والرواة الذين نقل الكتبة المسلمون عنهم أخبار الجاهلية ". [89]

   ونختم بما يقوله الدكتور جواد علي عن تأثير المسيحية في عرب الجاهلية في إحدى المجالات: " كان للنصرانية أثر آخر في نصارى عرب الجاهلية، هو أثرها فيهم من ناحية الفن، إذ أدخلت النصرانية بين العرب فناً جديداً في البناء، هو بناء الكنائس والأديرة والمذابح والمحاريب والزخرفة، كما أدخلت النحت والتصوير المتأثرين بالنزعة النصرانية. ولدخول أكثر هذه الأشياء لأول مرة بين الجاهليين، استعملت مسمياتها الأصلية اليونانية أو الآرامية في اللغة العربية، بعد أن صقلت وهذبت، حتى اكتسبت ثوباً يلائم الذوق العربي في النطق. وستكشف الحفريات في المستقبل عن مدى تأثر النصارى العرب الجاهليين بالفن النصراني المقتبس عن الروم أو بني أرام  والأحباش ". [90]         

 

1_ تاريخ العرب قبل الإسلام   د.  جواد علي  ج 1 ص 167 _ 186.

2_ تاريخ الكنيسة الشرقية     الأب ألبير أبونا   ج 2  ص 31.

3_ ديارات العراق   الأب ألبير أبونا  ص 409 _ 482.

4_ تاريخ الكنيسة الشرقية    الأب ألبير أبونا    ج 2  ص 15.

5_ تاريخ الكنيسة الشرقية    الأب ألبير أبونا    ج 2  ص 18.

6_ تاريخ اليعقوبي     أحمد بن أبي يعقوب    ج 1  ص 257.

7_ كتاب الحيوان    الجاحظ   ج 7  ص 216.

8_ تاريخ الكنيسة الشرقية     الأب ألبير أبونا    ج 2  ص 15. 

9_ تاريخ الطبري     لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري    ج 2  ص 24.

10_ تاريخ الكنيسة الشرقية    الأب ألبير أبونا    ج 2  ص 16.

11_ تقويم قديم للكنيسة الكلدانية النسطورية     الخوري ( المطران ) بطرس عزيز    ص 8.

12_ تاريخ اليعقوبي    أحمد بن أبي يعقوب   ج 1  ص 257.

13_ القطر البحري   بنيامين حداد    ص 50.

14_النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية   الأب لويس شيخو اليسوعي  القسم الأول ص  53.

15_ النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية   الأب لويس شيخو اليسوعي  القسم الأول ص 59.

16_ تقويم قديم للكنيسة الكلدانية النسطورية   الخوري ( المطران ) بطرس عزيز    ص 7 _ 9.

17_ النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية   الأب لويس شيخو اليسوعي  القسم الأول ص 68. 

18_ تاريخ الكنيسة الشرقية   الأب ألبير أبونا  ج 2   ص 13 _ 14.

19_ النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية   الأب لويس شيخو اليسوعي   القسم الأول ص 60 _ 67.

20_ معجم الحسن بر بهلول   قاموس كلداني عربي   ج 2  ص 1767.

21_ كتاب الرؤساء    تأليف توما المرجي   ترجمة الأب ألبير أبونا  ص 81.

22_ تاريخ كلدو وآثور   المطران أدي شير    ج 2  ص 17.

23_ خلاصة تاريخية للكنيسة الكلدانية   الكردينال أوجين تيسران  ص 57 _ 58.

24_ تاريخ الكنيسة الشرقية   الأب ألبير أبونا  ج 2  ص 31.

25_ القطر البحري   بنيامين حداد  ص 56.

26_ تاريخ الكنيسة الشرقية   الأب ألبير أبونا  ج 1  ص 123 _ 124.

27_ القطر البحري   بنيامين حداد  ص 57.

28_ تاريخ الكنيسة الشرقية   الأب ألبير أبونا   ج 2  ص 32.

29_ القطر البحري   بنيامين حداد  ص 59 _ 61.

30_ سير الشهداء والقديسين   الأب بولس بيجان  ج 1  ص 486 _ 488.

31_ تاريخ كلدو وآثور   المطران أدي شير   ج 2  ص 294 _ 295.

32_ مختصر الأخبار البيعية   حققه الأب بطرس حداد  ص 129.

33_ القطر البحري   بنيامين حداد  ص 63.

34_ مجامع كنيسة المشرق    الأب يوسف حبي  ص 80.

35_ معجم البلدان    ياقوت الحموي   ج 2  ص 432.

36_ مجامع كنيسة المشرق    الأب يوسف حبي  ص 359.

37_ مجامع كنيسة المشرق   الأب يوسف حبي  ص 120.

38_ مجامع كنيسة المشرق   الأب يوسف حبي  ص 164.

39_ مجامع كنيسة المشرق   الأب يوسف حبي  ص 195.

40_ مجامع كنيسة المشرق   الأب يوسف حبي  ص 268.

41_ مجامع كنيسة المشرق   الأب يوسف حبي  ص 313.

42_ مجامع كنيسة المشرق   الأب يوسف حبي  ص 471.

43_ مجامع كنيسة المشرق   الأب يوسف حبي  ص 506.

44_ مجامع كنيسة المشرق   الأب يوسف حبي  ص 561.

45_ معجم البلدان    ياقوت الحموي    ج 3  ص 246.

46_ خلاصة تاريخية للكنيسة الكلدانية  الكردينال أوجين تيسران  ص 58.

47_ تاريخ كلدو وآثور  المطران أدي شير   ج2  ص 17.

48_ مجامع كنيسة المشرق   الأب يوسف حبي  ص 84.

49_ القطر البحري   بنيامين حداد  ص 95.

50_ مجامع كنيسة المشرق   الأب يوسف حبي  ص 121.   

51_ مجامع كنيسة المشرق   الأب يوسف حبي  ص 321.

52_ مجامع كنيسة المشرق   الأب يوسف حبي ص 506.   

53_ معجم البلدان   ياقوت الحموي   ج5  ص 393.

54_ القطر البحري   بنيامين حداد  ص 96.

55_ تاريخ كلدو وآثور   المطران أدي شير   ج 2  ص 17.

56_ مجامع كنيسة المشرق   الأب يوسف حبي   ص 506.

57_ معجم البلدان   ياقوت الحموي  ج 2 ص 378.

58_ معجم البلدان   ياقوت الحموي  ج 4  ص 372 _ 373.

59_ تاريخ كلدو وآثور   المطران أدي شير   ج 2  ص 17.

60_ مجامع كنيسة المشرق   الأب يوسف حبي  ص 506.

61_ تاريخ الكنيسة الشرقية   الأب ألبير أبونا  ج 2 ص 15.

62_ خلاصة تاريخية للكنيسة الكلدانية   الكاردينال أوجين تيسران  ص 58 _ 59.

63_ القطر البحري   بنيامين حداد  ص 100.

64_ تاريخ الكنيسة الشرقية   الأب ألبير أبونا  ج 2  ص 57 _ 58.

65_ تاريخ الكنيسة الشرقية   الأب ألبير أبونا  ج 2 ص 46 _ 49.

66_ معجم البلدان   ياقوت الحموي  ج 5  ص 266 _ 271.

67_ مجامع كنيسة المشرق    الأب يوسف حبي  ص 503 _ 517.

68_ كتاب الرؤساء     تأليف توما المرجي    تعريب الأب ألبير أبونا  ص 81.

69_ فهرس المؤلفين لعبديشوع الصوباوي   حققه وعربه الأب يوسف حبي  ص 91 _ 99.

70_ فهرس المؤلفين لعبديشوع الصوباوي   حققه وعربه الأب يوسف حبي  ص 201.

71_ تاريخ كلدو وآثور   المطران أدي شير  ج 2  ص 319 _ 320.

72_ أدب اللغة الآرامية   الأب ألبير أبونا  ص 175 _ 176.  

73_ فهرس المؤلفين لعبديشوع الصوباوي    حققه وعربه الأب يوسف حبي   هامش ص 211.

74_ أدب اللغة الآرامية   الأب ألبير أبونا  ص 275 _ 276.

75_ آباؤنا السريان     الأب ( المطران ) لويس ساكو  ص 229 _ 230.

76_ تاريخ الأدب السرياني    تأليف روبنس دوفال  ترجمة الأب لويس قصاب  ص 247.

77_ القطر البحري   بنيامين حداد  ص 133.

78_ فهرس المؤلفين لعبديشوع الصوباوي   حققه وعربه الأب يوسف حبي  ص 206.

79_ ذخيرة الأذهان في تواريخ المشارقة والمغاربة السريان    الأب بطرس نصري  ج 1  ص 277 _ 278.

80_ تاريخ كلدو وآثور   المطران أدي شير   ج 2  ص 323.

81_ أدب اللغة الآرامية   الأب ألبير أبونا  ص 287.

82_ تانبذة تاريخية عن كنيسة المشرق في الجزيرة العربية والقطر البحري " بيث قطرايي "
الشماس نوري إيشوع مندو

المقدمة: قسم الجغرافيون العرب الجزيرة العربية إلى خمسة أقسام هي: 1_الحجاز. 2_تهامة. 3_ نجد. 4_ اليمن. 5_ العروض. ومن أقسام العروض شبه جزيرة قطر التي تمتد من عُمان إلى حدود الأحساء.
نشأت في الجزيرة العربية دويلات صغيرة، فوق هضبة الحجاز الواسعة وفي نجران وعُمان وحضرموت والبحرين والأحساء وحتى في قلب الجزيرة العربية. وكذلك فوق الجبال اليمنية وعلى السواحل الجنوبية منها، فقامت ممالك اليمن مثل المملكة المعينية، تلتها المملكة السبئية، ثم المملكة الحميرية التي ظهرت منذ القرن الثالث قبل الميلاد. ودخلت مكة التاريخ بعد انحطاط مملكة حمير، فغذت جمهورية تجارية نظمتها قبيلة قريش القوية، واحتلت مركزاً تجارياً خطيراً، جعلها نقطة انطلاق إلى بلاد الشام. وفي الشمال قامت مملكة الأنباط وعاصمتها البتراء، ومملكة اللخميين المناذرة وعاصمتهم الحيرة، ومملكة الغساسنة وعاصمتهم بصرى.
وعلى الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية أو السواحل الغربية للخليج العربي قامت حضارة بحرية عرفت في مصادر كنيسة المشرق بـــــ بيث قطرايي " القطر البحري ". وامتدت هذه الحضارة من الكويت شمالاً وحتى أقصى عُمان جنوباً.

1_ المسيحية في الجزيرة العربية: سعى جثالقة المشرق إلى نشر الإنجيل في الحيرة التي كانت عاصمة المناذرة، ولقد تنصر بعض ملوكها، منهم امرؤ القيس الذي تنصر سنة 288 م، والنعمان الأول الذي زهد ولبس المسوح، والنعمان الثاني الذي زهد هو الآخر بمشورة وزيره عدي بن زيد نحو سنة 469 م، والنعمان الرابع الملقب بأبي قابوس نحو 594 م. أما هند ومريم أختاه فكانتا قد تنصرتا قبل أخيهما وترهبتا.
وقد انتظمت المسيحية في مملكة المناذرة في مطلع القرن الخامس تحت رئاسة أسقف، ويذكر كتاب المجامع الشرقية بعضاً من أساقفتها الذين شاركوا في مجامع كنيسة المشرق وهم: 1_ هوشاع سنة 410 م. 2_ شمعون سنة 424 م. 3_ شمعون سنة 486 م. 4_ إيليا سنة 497. 5_ نرساي سنة 524 م. 6_ أفرام الذي كان معاصراً لهند الكبرى امرأة المنذر الأول سنة 540 م. 7_ يوسف سنة 585 م. 8_ شمعون بن جابر سنة 594 م. 9_ يوئيل سنة 790 م. هذا بالإضافة إلى عدد من الأساقفة الذين كانوا من أصل حيري أمثال يوحنا الأزرق وسبريشوع وخوداهوي وإيشوعداد.
وبسبب ازدهار المسيحية في مملكة المناذرة، أصبحت الحيرة مركزاً مهماً للعلوم والآداب. وفيها عقد بعض مجامع كنيسة المشرق، وفي كنائسها وأديارها دفن عدد من جثالقة هذه الكنيسة. ونجد الكم الهائل من الأديار التي شيدت في الحيرة ومحيطها، فقد تجاوزت الخمسين حسب ما ورد ذكرهم لدى المؤرخين، ويلف غيرها الكثير من الغموض. ومن هذه الأديار نذكر: 1_ ديارات الأساقف. 2_ دير اسكول أو ( الاسكون ). 3_ دير الأعور. 4_ دير أبلح. 5_ دير ابن براق. 6_ دير أدرمنج. 7_ دير ابن وضاح. 8_ دير الحريق. 9_ دير قبة الشتيق. 10_ دير ابن مزعوق. 11_ دير أبي موسى. 12_ دير عبد الرحمن. 13_ دير بني صرينارة. 14_ دير بونا. 15_ دير مار توما. 16_ دير الجرعة. 17_ دير الجماجم. 18_ دير حنة الكبير. 19_ دير حنة الصغير. 20_ دير حنظلة. 21_ دير داديشوع. 22_ دير دندا أو دودي. 23_ دير الخصيب. 24_ دير زرارة. 25_ دير الزرنوق. 26_ دير الشاء. 27_ دير سركيس وباكوس. 28_ دير سلسلة. 29_ دير السوا أو العدل. 30_ دير مار عبد يشوع. 31_ دير العذارى. 32_ دير علقمة. 33_ دير قرة. 34_ دير كعب. 35_ دير اللج. 36_ دير مار آبا الكبير. 37_ دير المسالح. 38_ دير مار باباي الكاتب أو المعري. 39_ دير مار بثيون. 40_ دير مارت مريم. 41_ دير يزدفنة. 42_ دير هند الكبرى. 43_ دير هند الصغرى. 44_ دير نجران. 45_ دير خوداهوي. 46_ دير بيث حالي. 47_ دير كمري. 48_ دير الصوامع. 49_ دير شمعون بن جابر. 50_ دير القصير أو الأقيصر. 51_ دير البردويل.
وقد دخلت المسيحية الجزيرة العربية منذ عهد مبكر جداً، وبخاصة المناطق الواقعة على ضفاف المحيط الهندي، وعلى ضفاف الخليج العربي، وعند مصب الرافدين، وفي الكويت وقطر وجزر البحرين، وفي عُمان والأحساء، وفي أقصى الجنوب أي اليمن، وحضرموت وتوابعها، أي منطقة المهرة وجزيرة سقطرى. فنجد آثاراً للمسيحية فيها قبل مجيء الإسلام.
وقد لاقت بشارة الإنجيل تقبلاً منقطع النظير في كل أقطار شبه الجزيرة العربية، وتغلغلت في أعماقها وفي مناطقها الحدودية. ويشهد على ذلك المؤرخون وكتاب السير.
فابن قتيبة يقول: " أن النصرانية كانت في ربيعة وغسان وبعض بني قضاعة ".
ويقر اليعقوبي بتنصر كل من" تميم وربيعة وبني تغلب وطي ومذحج وبهراء وسليح وتنوخ ولخم ".
ويقول الجاحظ: " كانت النصرانية قد أوجدت سبيلها بين تغلب وشيبان وعبد القيس وغسان وقضاعة وسليخ والعباد وتنوخ ولخم وعاملة وجذام وكثير بن بلحاث بن كعب ".
وفي اليمامة الواقعة في الجنوب الشرقي من نجد والحجاز، كان للمسيحية أنصار عديدون في قبيلة بني حنيفة القوية، والتيارات المسيحية نفسها القادمة من سوريا ومن ما بين النهرين، كانت قد نقلت الأفكار المسيحية إلى قلب البلاد العربية، أي إلى نجد حيث كانت تحكمها قبيلة كندة التي أنجبت امرؤ القيس حليف الملك يوستيانوس البيزنطي ( 527 _ 565 م ). ويذهب المؤرخون إلى أن المسيحية كانت عريقة في الحجاز، فهم يشيرون إلى أن برثلماوس الرسول هو الذي دعا إلى المسيحية في بلاد الحجاز وحمير. وقد نصر خلقاً من سكانها الذين ترك لهم نسخة من إنجيل متى باللغة الآرامية الفلسطينية.
ويروي الطبري أن مسلة جنائزية اكتشفت قديماً في جبل عقيق القريبة من يثرب " المدينة المنورة "، تحمل حروفاً آرامية كانت تعلو ضريحاً لأحد رسل المسيح. ويذكر ياقوت الحموي أن أيلة ( العقبة الأردنية حالياً ) كانت مسيحية، وكان أسقف أيلة من بين الذين حضروا مجمع نيقية سنة 325 م. وكانت دومة الجندل كلها مسيحية، وكان لها أسقف. وكان اكيدر بن عبد الملك وهو من قبيلة كندة ملكاً عليها وكان مسيحياً. وكان سكانها من بني سكون من قبيلة قضاعة المسيحية في معظمها، ومن تجمع هام من قبيلة بني كلب.
أما وادي القرى فكانت تسكنه قبيلتا قضاعة وسليح المسيحيتان. وتضم قبيلة بني صخر التي تسكن الآن تلك المنطقة فروعاً عديدة ما تزال تحمل ألقاباً مسيحية مثل: بنو مطران، اليعاقبة، مهابرة " الأحبار "، السماعنة. وكلها تشهد لأصلها المسيحي.
وكانت قبيلة طي العربية المسيحية تسكن تيماء التي كان فيها حصن الأبلق الشهير، الذي كان يحكمه الأمير السمؤال الذي كان من أصل غساني وينتمي إلى فرقة مسيحية يهودية.
وكانت تبوك حصناً يسكنه مسيحيي قضاعة، وجاورهم فيه بنو كلب من قبيلة تغلب المسيحية. وفي غزوة تبوك لم يتمكن النبي محمد والمسلمون من اقتحامها لحصانتها، ولسرعة الروم ومسيحيي العرب إلى نجدتها. فحاصروها عشرين يوماً ثم قفلوا عنها راجعين.
أما يثرب فكانت شبه مستعمرة يهودية. كما أن اليهود فرضوا هيمنتهم على خيبر وفدك. إلا أن سلطتهم في يثرب ذاتها لم تكن بغير منازع، إذ كانت قبيلتا الاوس والخزرج القادمتان من اليمن بعد انهيار سد مأرب تقاسمان اليهود السلطة والنفوذ. وورد في تقويم قديم للكنيسة النسطورية. كان في يثرب مطرابوليط أسمه بولس أصله من بيث كرماي " كركوك "، وتحت يده أسقفان هما: موسى أصله من سعرت، وإبراهيم أصله من خراسان العجم، وتحت يدهم 80 قسيساً و 200 شماس، وعدد المؤمنين 4300 عائلة، ولهم ثلاث كنائس على اسم إبراهيم الخليل وموسى كليم الله وأيوب الصديق.
وكان لهم مركزاً في مدينة عكاظ، فيها أسقف أسمه شليطا أصله من ماردين، وتحت يده 8 قسس و 30 شماساً، وعدد المؤمنين 1800 بيت، ولهم كنيسة على اسم مار بطرس وبولس. هؤلاء جميعهم كانوا خاضعين إلى جاثليق المشرق في المدائن، وفي سنة 1240 م قويت الأمة الإسلامية وضبطت كنائسهم، وقتلت خلقاً كثيراً بحد السيف، وجزء منهم انحازوا إلى الإسلام.
أما مكة فكانت المسيحية عريقة فيها، وكان لهذه المدينة أهمية كبيرة بين سكان الجزيرة العربية لوجود الكعبة فيها. وكانت تستقطب القبائل من مختلف أرجاء الجزيرة، ومن ضمنها القبائل المسيحية. فلقد كان هناك شعراء مسيحيون مثل عدي بن زيد والأعشى، كانوا يقسمون أمام الحجر الأسود برب الكعبة وبالصليب في آن واحد. وكان للمسيحيين دور هام في مكة، لكنهم لم يكونوا منظمين. فكانوا من أصل محلي أو من جاليات قدمت من مختلف البلدان، يتكلمون لغة قريشية أو لغة هي مزيج من العربية والآرامية والحبشية. فالمسيحيون في مكة كانوا ينتمون إلى أصول عديدة، أحباش وأقباط وتجار من نجران ورعايا من المناذرة والغساسنة ومن أنباط سوريا، مع بعض رهبان ومرسلين، بالإضافة إلى جماعة من علية القوم الذين اعتنقوا المسيحية أمثال عثمان بن الحويرث وورقة بن نوفل ابن أسد من بني قصي، ابن عم خديجة زوجة محمد رسول الإسلام الأولى.
وكانت المسيحية في مكة هي على مذهب المونوفيسية ( أصحاب الطبيعة الواحدة )، حيث كانت سائدة في اليمن والحبشة وفي دولة الغساسنة وفي مشارف الشام كلها.
أما بلاد الحميريين المعروفة اليوم ببلاد اليمن، فقد دخلتها المسيحية في صدرها. وكان أهلها من الساميين ولغتهم سامية تدعى بالحميرية، لها قلم خاص يعرف بالمسند. وقد تغلغلت الآرامية بينهم، فأبدلوا قلمهم المسند بالقلم الآرامي.
ويظهر أن المسيحية دخلت اليمن في نهاية القرن الثالث أو مطلع القرن الرابع. وقد يكون دخولها انطلاقاً من الحبشة، ولو أن هناك تقليد تنسب تبشير المناطق الساحلية الجنوبية من الجزيرة العربية إلى الرسل متى وتوما وبرتلماوس. ومما لا شك فيه أن كنيسة المشرق أنشأت في تلك البلاد عدة كنائس، وكان لهم فيها أساقفة أتوها من قبل جثالقة المشرق أصحاب كرسي المدائن، وبقوا فيها بعد الإسلام بمدة طويلة.
وجاء في تقويم قديم لكنيسة المشرق، أنه في سنة 1210 م كان في اليمن عدة مراكز لكنيسة المشرق هي:
الأول في مدينة صنعاء فيها مطرابوليط اسمه اسطيفانوس وأصله من جزيرة قبرص، وتحت يده ثلاثة أساقفة هم: إيليا أصله من الجزيرة العمرية، ويبالاها أصله من ماردين، وشمعون أصله من الموصل، ولهم ثلاث كنائس على اسم الصليب ومار كيوركيس ومار أنطونيوس. ولهم 70 قسيساً و 280 شماساً، وعدد المؤمنين عندهم 5700 بيت.
أما المركز الثاني فكان في مدينة زبيد فيها أسقف اسمه عبد يشوع أصله من آمد " ديار بكر "، تحت يده 10 قسس و 26 شماساً، وعدد المؤمنين 1100 بيت.
والمركز الثالث كان في مدينة عدن فيها أسقف اسمه مار ميلو " ميلس " أصله من البصرة، تحت يده 12 قسيساً و 40 شماساً، وعدد المؤمنين 1300 بيت، ولهم كنيسة على اسم مار يوسف خطيب العذراء.
والمركز الرابع كان في مدينة نجران فيها أسقف اسمه يعقوب أصله من سعرت، تحت يده 15 قسيساً و 35 شماساً، وعدد المؤمنين 1400 عائلة، ولهم كنيستان على اسم قيامة المسيح وما شليطا الناسك.
ويبدو أن المسيحية في اليمن بدأت بالتقهقر أمام الزحف الإسلامي بعد هذا التاريخ، فمنم من قتل بحد السيف، ومنهم من دخل الإسلام. وقد ذكر الكاتب الإسباني اوردينو دي سينالتوس من القرن السادس عشر ، أنه في رحلته إلى المغرب لقي بعض القبائل العربية، احتفت به وأكدت له أن أصلها من قبائل مسيحيي العرب في اليمن. أما المرسلون الكبوشيون في عدن سنة 1895 م فقد وجدوا في بعض أهل اليمن آثاراً مسيحية ظاهرة، ورثوها من أجدادهم المسيحيين.
أما نجران فقد حكمتها طبقة مسيحية بورجوازية تؤدي الجزية للملك الحميري، وذلك منذ القرن الخامس. وكان المذهب السائد فيها هو النسطورية، إلا أن الاضطهاد الذي شن على المنوفيزيين ( الطبيعة الواحدة ) في عهد الإمبراطوريين يوستيني الأول ( 518 _ 527 ) ويوستنيانس الأول ( 527 _ 565 ) أدى إلى تدفق هؤلاء نحو منطقة نجران، حتى أضحت المنوفيزية فيها المذهب السائد، فتكونت فيها أبرشية تابعة لبطريركية الإسكندرية.
وبقي أهل نجران على المسيحية، حتى دعاهم إلى اليهودية أحد ملوكهم اسمه ذو نؤاس، فأبى النجرانيون وكان رئيسهم اسمه الحارث، واستعدوا للدفاع عن بلدهم. ألا أن ذو نؤاس دخله بالمكر وحفر أخاديد أضرمها ناراً وألقى فيها عشرين ألفاً من المسيحيين. ولما سمع قيصر الروم بما حدث، أمر النجاشي ألصبان ملك الحبشة لمحاربة ذو نؤاس ففعل، فأرسل جيشاً فقاتلوا ذو نؤاس وظفروا ببلاده. وأتم الأحباش فتح اليمن فملكوا عليها أكثر من نصف قرن. وفي زمن حكم الأحباش جعلوا نجران كقبلة الدين المسيحي، فأقاموا فيها مزاراُ كان العرب يقصدونه من كل صوب. وقد شاع ذكره عند العرب فدعوه " كعبة نجران " أو " كعبة اليمن ". وشيدوا كنيسة عظيمة في صنعاء، لا تزال حتى اليوم ترى بقاياها في جامع هذه المدينة. وأقاموا في ظفار كنيسة جليلة كانت آية في الحسن والجمال.
ويبدو أن المسيحية في اليمن كانت مستقيمة خالية من البدع. ولكن الأحباش جنحوا في القرن السادس إلى مذهب اليعاقبة، وقد بالغ مؤرخي اليعاقبة في شيوع مذهبهم بين أهل اليمن. لأن نساطرة العراق انتهزوا فرصة دخول الفرس في اليمن فنشروا هناك بدعتهم، ولعلهم كانوا سبقوا إلى بثها قبل ذلك فعززوها. وفي تواريخ كنيسة المشرق ما يصرح بانتشار تلك البدعة في جنوبي بلاد العرب ومقاومتهم لليعاقبة.

2_ المسيحية في بيث قطرايي " القطر البحري ": تطلق مصادر كنيسة المشرق تسمية بيث قطرايي على معظم الساحل الغربي للخليج العربي، ابتداءً من الكويت وحتى جنوب عُمان، وقد يتعدى إلى مناطق أخرى داخل الجزيرة العربية. فالحسن بر بهلول في معجمه الشهير يقول: القطريون والبحريون بالقرب من مجراة الأحساء والقطيف. والقطريون أهل سقطرة ونجران وأهل اليمامة.
أما توما المرجي فيقول: بيث قطرايي هي شبه جزيرة قطر الواقعة على الساحل الشرقي من شبه الجزيرة العربية بجانب جزيرة البحرين.
أما المطران أدي شير فيقول: بيث قطرايي التي في خليج العجم، وجميع النواحي الشمالية الشرقية من شبه جزيرة العرب. وأعظم هذه الجزر هي: ديرين ومشمهيغ أو سماهيج، وكانت هذه بين البحرين وعُمان. وعلى سواحل البحر تجاه هذه الجزائر كانت بلاد حطا المسماة بيط أرداشير، وبلاد مازون، ومدينة هجر كانت داخل البحرين.
ويخبرنا التاريخ السعرتي أنه منذ سنة 225 م كان مطران على بيث قطرايي، وفي الشواطىء العربية شمالي البحرين.
وكان للحيرة عاصمة المناذرة دور كبير في نشر وترسيخ المسيحية في منطقة الساحل الشرقي للجزيرة العربية، وذلك لكونها مركزاً دينياً هاماً، بالإضافة إلى كونها مركزاُ مرموقاً للتجارة، وطريقاً للقوافل المنطلقة نحو آسيا الداخلية. فمن الحيرة انطلقت إرساليات مسيحية على الطريق التجاري نحو البحرين وعُمان وقطر وغيرها من البلدان الواقعة على الخليج العربي، وما هنالك من جزر قبالتها.
وقد عاش في بيث قطرايي الكثير من التجار النساطرة والرهبان، وكانوا يذكرون باسم حملة اللؤلؤ. وصار للؤلؤ أهمية وقيمة عالية في الأخبار التي ترجع لفترة فجر المسيحية لدى سكان البلاد. فقيمة اللؤلؤ الكبيرة عنهم والذي يرتبط بمنطقة الخليج الغنية بمصائده. ففي رأي البعض لا بد أن لها علاقة بعبارة إنجيل متى ( 13 : 45 _ 46 ) " يشبه ملكوت السماوات تاجراً كان يبحث عن لؤلؤ ثمين، فلما وجد لؤلؤة ثمينة مضى وباع كل ما يملك واشتراها ". وكان اللؤلؤ مهماً جداً في الكنائس الشرقية، أهمية كأس العشاء الرباني في الكنيسة الغربية. فإذا كانت الكأس المقدسة هذه التي استعملها المسيح في العشاء الأخير، فإن اللؤلؤ هو قطعة من عجين الخبزة الأصلية التي كسرها المسيح في العلية في العشاء ذاته. وعرف أن الجاثليق حزقيال ( 567 _ 581 م ) كان صياد لؤلؤ ماهر، ولعل ذلك مار رفعه إلى السدة البطريركية.
ويقول التاريخ السعرتي: إن المطران حزقيال نال حظوة في عين الملك خسرو الأول أنوشروان وحصل على مواجهة من الملك وحتى على صداقته، بسبب رفعته وقابليته ومهنته كطبيب، ولمعرفته الجيدة للغة الفارسية، فأرسله وهو لمل يزل أسقفاً على الزوابي مع بعض الغطاسين للحصول على اللؤلؤ من البحرين. وقد جلب معه لؤلؤة نادرة عجيبة وثمينة جداً، فما كان من الملك إلا ورفع حزقيال وألحقه بخدمته، ثم أوصى بانتخابه جاثليقاً للكنيسة الشرقية، وهو الجاثليق التاسع والعشرون.
وبسبب التجارة وصيد اللؤلؤ في منطقة بيث قطرايي التي تشمل في جغرافية كنيسة المشرق قطر والبحرين وعُمان، انتشرت المسيحية في هذه البلاد. فإبراهيم الكشكري من القرن السادس قال عن نفسه: لقد كنت تاجراً مع أولئك الذين تاجروا وسافروا في البحر.
والراهب بر سهدي من القرن السابع كان قبل ترهبه يذهب في البحر بصحبة التجار إلى الهند. وفي إحدى سفراته سرق القراصنة السفن، واستنجد هو بالله أن أنقذهم لينخرط في سلك الرهبنة.
وعلى أثر الجدالات الدينية التي دارت بين المسيحيين، ثبتت الحيرة على المذهب الشرقي ( النسطوري ) أسوة بكنيسة فارس كلها. ولذلك فالإرساليات الداعية للمسيحية والمنطلقة من الحيرة وغيرها إلى بلدان الخليج العربي وجزره وغيرها من مناطق الجزيرة العربية، نشرت العقيد الشرقية في تلك البلدان.
وقد انتشرت المسيحية أيضاً بين القبائل الرحالة في منطقة البحرين، وكان أشهر من اعتنقها من عرب الخليج هم قبائل من تغلب وبكر بن وائل وعبد القيس. ووصلتنا من أشعار العصر الجاهلي أمثال لبيد الذي ذكر عن رحلته من اليمامة إلى هجر، ويخبرنا كيف أنه سمع ضرب نواقيس الكنائس. هذا إلى جانب الأسماء المسيحية التي وصلتنا مثل عبد المسيح وعبد مريم.
وفي بداية القرن الخامس غدا للمسيحيين النساطرة مركز محترم في منطقة الخليج. ولقد عثر على دير عظيم في جزيرة خرك ( خرج ) الواقعة على بعد 55 كم شمال غرب بوشير، يضم كنيسة فخمة واسعة أبعادها 30 × 15 م، وبنايات للإدارة وغرف للرهبان، ومساحة الدير 8000 م2. ويقدر عدد الرهبان الذين كانوا يقيمون في الدير بما يقرب المائة.
واشتهرت البحرين بصيد السمك، وكانت مدينة عدولي ( أدوليس ) في هجر بالبحرين مشهورة ببناء السفن البحرية الضخمة. ويقول الشاعر طرفة بن العبد:
كــــــــــــــــــأن حدوج المالكية غدوة خلايا سفين بالنواصف من ددِ
عدولية أو من ســـفين ابن يامن يجور بـــــــها الملاح طوراً ويهتدي
وما ابن يامن ( بنيامين ) هذا إلا رجل مسيحي من البحرين، اشتهر بصناعة السفن. ويظهر أن السفينة العدولية قد عمت شهرتها، حيث ذكرها الكثير من الشعراء.
وفي القرن الرابع الميلادي أنشأ عبد يشوع الناسك في جنوبي قطر ديراً باسم مار توما، زاره نحو سنة 390 م مار يونان الناسك أحد تلاميذ مار أوجين، فوجده آهلاً بمئتي راهب. فأقام فيه ثمة مدة يقضي الصلوات مع الرهبان بالكلدانية.
ويقول المطران أدي شير: وكان يوجد عدة أديرة في بيث قطرايي وفي أطراف الحيرة، كما يبان من رسائل الجاثليق إيشوعياب الحديابي، ومن كتاب ياقوت الحموي ( معجم البلدان ).
وبعد أن أضحت بيث قطرايي كرسياً ميطرابوليطياً، كان هذا الكرسي يدبر أكثر من خمس أسقفيات هي: جزيرة ديرين ومشمهيغ ومازون وحطا ونجران. وربما اليمامة وسوقطرى أيضاً. وجاء في كتاب الأخبار البيعية والذي يعتبر الجزء الأول المفقود من التاريخ السعرتي: الكرسي العاشر مطران قطريه في البحر، صار لأسقف نجران واليمامة.
وكان للبحرين وساحل قطر والهجر ( الأحساء ) أساقفة نساطرة. وكانت هجر أيام الاحتلال الفارسي مركزاً لحاكم المنطقة، الذي عاش في حصن المشقر، الذي يقع على تل اسمه عطالة. وكان في مدينة الخط ( حطا أو بطن أردشير )كنائس وأسقفيات، وكان في قطر ( قاطرايا ) أبرشية نسطورية.
وفي مجمع مار إسحق المنعقد سنة 410 م دعيت هذه الأبرشية بـ الجزر، وصنفت ضمن الكراسي البعيدة، بسبب بعدها عن الرقعة الأصلية والقديمة والطبيعية ذات التماس الجغرافي المتداخل لكنيسة المشرق. وفي القرن السابع كان كرسي بيث قطرايي المطرابوليطي يتألف من خمسة كراسي أسقفية هي:

1_ أسقفية ديرين: تقع مقابل القطيف، وشكلت أشبه بميناء لمنطقة البحرين. وبينها وبين الساحل مسيرة يوم وليلة لسفر البحر. ويجلب إليها المسك من الهند. ومن خلال رسالة بعثها الجاثليق إيشوعياب الأول الأرزني ( 582 _ 595 ) إلى أسقفها يعقوب، نجد أنها كانت تدعى أيضاً داري: إلى الكاهن الفاضل والمكرم الأسقف المختار مار يعقوب أسقف جزيرة داري قرب تلوان على مقربة من روحايثبا أي ( الكثيرة الرياح ) ". وتتضمن رسالة الجاثليق أجوبة على أسئلة الأسقف عن طريقة التعليم، وتدور حول مسائل أدبية وطقسية، كما تتناول حياة الاكليروس، وتقديس الأحد، وتجنب الربا، وموضوع التوبة والاعتراف، وموضوع الزواج من امرأة عاقر.
وقد حضر العديد من أساقفة هذا الكرسي مجامع كنيسة المشرق نذكر منهم: الأسقف صصر حضر مجمع الجاثليق داديشوع سنة 424 م. الأسقف يزجرد حضر مجمع الجاثليق آقاق سنة 486 م. الأسقف بريخيشوع حضر مجمع الجاثليق بابي سنة 497 م. الأسقف مرقس حضر مجمع الجاثليق آبا الكبير سنة 544 م. الأسقف يوحنا حضر مجمع الجاثليق يوسف سنة 554 م. الأسقف عبدا حضر مجمع الجاثليق غريغور سنة 605 م. الأسقف إيشوعياب حضر مجمع الجاثليق كوركيس الأول سنة 676 م. الأسقف دانيال حضر مجمع الجاثليق طيمثاوس الأول سنة 790 م.

2_ أسقفية مشمهيغ أو سماهيج: جزيرة في وسط البحر بين عُمان والبحرين، وهذه الجزيرة تدعى بالفارسية ماش ماهي. وقيل أنها قرية على جانب البحرين ومن جواثا. وفي مجمع الجاثليق إسحق سنة 410 م كان ثمة نزاع على كرسي مطرانية مشمهيغ. ويقول المطران أدي شير أن سماهيج هي من كبرى الجزائر قبالة الساحل العربي بين البحرين وعُمان، وفيها كرسي أسقفي تابع لميطرابوليطية بيث قطرايي. ونجد توقيع الأسقف إيليا على قرارات مجمع الجاثليق إسحق سنة 410، ويبدو أنه لم يحضر المجمع، لكنه وافق على قراراته فيما بعد.

3_ أسقفية مازون أو مازونا: تقع على ساحل البحر بين البحرين وعُمان، وكان مسيحيو عُمان يطلق عليهم مازونايي. وكان في عُمان الكثير من المسيحيين خاصة عند السواحل، وكان للعاصمة صحار التي كانت مركزاً للتجارة وصنع المنسوجات علاقة مع ميشان ( البصرة )، وقد وردتنا أسماء أساقفة من أمثال يوحنان الذي حضر مجمع الجاثليق داديشوع سنة 424 م الذي أنعقد في مركبثا دطيايي أي ( مركبة العرب ) ويعتقد أنها الحيرة. وصموئيل الذي حضر مجمع الجاثليق حزقيال سنة 576 م. واسطيفانوس حضر مجمع الجاثليق كوركيس الأول سنة 676 م.

4_ أسقفية هجر: هجر قصبة بلاد البحرين بينه وبين سرين سبعة أيام. وقيل ناحية البحرين كلها هجر كما قال صفي الدين البغدادي. وقد كتب رسول الإسلام إلى أهل هجر، وكان يحكمها المنذر بن ساوى المسيحي. ويقول المطران أدي شير: هجر مدينة كانت داخل البحرين، وكانت أسقفية تابعة لكرسي بيث قطرايي الميطرابوليطي. وقد حضر أسقفها بوسي مجمع الجاثليق كوركيس الأول سنة 676 م.

5_ أسقفية حطا أو الخُط أو بيط أرداشير: يقول ياقوت الحموي: الخُط أرض تنسب إليها الرماح الخطية، وهو خط عُمان. وذلك السيف كله يسمى الخُط، ومن قرى الخُط القطيف والعقير وقطر. وجميع هذا في سيف البحرين وعُمان، وهي مواضع كانت تجلب إليها الرماح القنا من الهند، فتقوم فيه وتباع إلى العرب. ويتحدث الحموي عن قطر قائلاً: قرية في أعراض البحرين على سيف الخط بين عمان والعقير قرية يقال لها قطر. أما المطران أدي شير فيقول: حطا كرسي أسقفي كان يدار من قبل كرسي بيث قطرايي المطرابوليطي. وقد حضر أسقفها شاهين مجمع الجاثليق كوركيس الأول سنة 676 م.

6_ أسقفيات نجران واليمامة وسوقطرى: يقول الأب ألبير أبونا: وفي اليمامة الواقعة في الجنوب الشرقي من نجد والحجاز، كان للمسيحيين أنصار عديدون في قبيلة بني حنيفة القوية. أما في حضرموت وتوابعها أي منطقة المهرة وجزيرة سقطرى، فنجد آثاراً مسيحية قبل مجيء الإسلام، ونعرف أسماء ست أبرشيات على الساحل الشرقي من الجزيرة العربية وفي عُمان وجزيرة سقطرى.
ويتحدث المؤرخ قوزما ( 520 _ 525 م ): يوجد جماعات مسيحية في سقطرى، يقتبل أكليروسها الدرجات الكهنوتية من بلاد فارس. وقد استمرت المسيحية في هذه الجزيرة زمناً طويلاً، وقد رسم البطريرك سبريشوع الثالث ( 1064 _ 1072 م ) مطراناً لها. ويذكر الرحالة ماركو بولو أن أهالي جزيرة سقطرى هم مسيحيون، وعندهم مطران يدير شؤونهم، وهو يخضع لرئيس الأساقفة الذي يقيم في بغداد، ومنها يعطي أوامره إلى مطران هذه الجزيرة، وهو عندهم مثل بابا روما. ويبدو أنه في القرن السابع عشر كان في سقطرى جماعات مسيحية كثيرة.
وجاء في كتاب المجدل لعمرو بنى متى: في زمن الجاثليق يهبالاها المتوفي سنة 1593، كان ضمن من حضر رسامته جاثليقاً في المدائن، قرياقوس أسقف اسقطرا.
ويقول الأب ألبير أبونا: لقد كان النشاط الوثاب، والرغبة العارمة في نشر بشرى الإنجيل، يعتمران قلوب أبناء هذه الكنيسة، التي ازدهرت على الساحل الغربي للخليج العربي. وما سهل وصول المسيحية إلى بلاد الهند، وجود مسيحية منظمة على كلا الساحلين الشرقي والغربي للخليج، منذ نهاية القرن الرابع، لا سيما في مطلع القرن الخامس في جزر البحرين وفي قطر وعُمان وغيرها وفي بلاد فارس وغيرها.
ومع ظهور الإسلام، وبعد صلح الحديبية بين المسلمين وقريش، شرع رسول الإسلام بإرسال سفرائه إلى الملوك والأمراء داخل الجزيرة العربي، يدعوهم إلى الإسلام. وتوالت رسائله إلى أهل البحرين وهجر واليمامة وعُمان وغيرها. فدخلت أغلب القبائل العربية بالإسلام، أما النصارى واليهود والمجوس فدفعوا الجزية للبقاء على أديانهم. وبعد موت الرسول سنة 632 م ارتدت معظم القبائل في الجزيرة عن الإسلام، مما اضطر الخليفة أبو بكر الصديق إلى محاربة المرتدين، وأرجعهم إلى الإسلام، أما أهل الذمة فاستمروا بدفع الجزية. لكن الخليفة عمر ابن الخطاب قام بإخراج المسيحيين واليهود، وتهجيرهم إلى الشام والعراق. وبذلك اخلص الجزيرة للمسلمين فقط. أما النصارى فقد ظلوا ولكن راحوا يذوبون في الإسلام تدريجياً. ويبدو أن في الجزيرة كان تمييز بين فرقتي المسيحيين والنصارى، فلذلك أخرج عمر المسيحيين وترك النصارى.
فالخليفة عمر ابن الخطاب ( 634 _ 644 م ) أخرج من الجزيرة، الكثير من مسيحيي أبرشية بيث قطرايي، والتي كان يتبعها العديد من الأسقفيات، فانتقلوا إلى قرية تدعى نهر ابان من أرض البحر المنقطع من كورة البهفباذ من طساسيج الكوفة، واستقروا في هذا المكان، وسمي نجران باسم بلدهم، وهو موضع على يومين من الكوفة.
ومن المعلوم أن كنيسة المشرق اهتمت بتنظيم مسيحيي بيث قطرايي، الذين كانوا يتقلصون منذ منتصف القرن السابع. فالجاثليق كيوركيس الأول ( 660 _ 680 م ) ذهب سنة 676 م إلى بيث قطرايي، وبعد أن زار العديد من مراكز الأبرشية، حل في جزيرة ديرين، وهناك عقد مجمعاً برئاسته ضم كل من: مطرابوليط بيث قطرايي مار توما، وأسقف ديرين مار إيشوعياب، وأسقف المازونيين ( عُمان ) مار اسطيفانوس، وأسقف هجر مار بوسي، وأسقف الخط ( حطا ) مار شاهين، وأسقف الطيرهان مار سرجيوس. وقد صدر عن هذا المجمع 24 قانوناً.
ويتحدث الجاثليق عن سبب عقد هذا المجمع قائلاً: " ونحن من عهدت إلينا مهمة التدبير الكنسي في هذا الزمان الصعب من نهاية العالم، وقد طاب لنعمة ربنا أن تقودنا في زيارتنا لجزر البحر هذه، والواقعة جنوبي العالم، رأينا أنه لإكمال خدمة الحياة لسكانها، ينبغي تجديد أشياء كثيرة، لدى هؤلاء الشعوب محبي المسيح، من خلال وضع قوانين عادلة تحفظ من يطبقها في كمال خشية الله ".
وبعد انتهاء المجمع غادر الجاثليق بيث قطرايي متوجهاً إلى ديره بيث عابي، جالباً معه ستراً للمذبح، نسج له في جزيرة ديرين من قبل سكان هذه الجزيرة.
ومع نهاية القرن السابع الميلادي بدأت المسيحية تتلاشى من الساحل الغربي من الخليج، وبخاصة من عُمان والبحرين وجزرهما.وكذلك من بيث قطرايي. وظل الوجود المسيحي ينزف رويداً رويداً حتى القرن الحادي عشر للمسيحية. ويبدو أنها في هذه الفترة كانت محصورة داخل الأديرة التي كان يعمرها الرهبان الحبساء، والتي كانت منتشرة في بيث قطرايي وجزرها. ومما يؤكد ذلك، لدينا ظهور الكاتب القطري أحوب ( أيوب ) الذي عاش في القرن العاشر، وكان من أصل قطري.

3 _ أدباء في كنيسة المشرق من بيث قطرايي: لقد أعطت هذه الأبرشية لكنيسة المشرق، أدباء ومفكرين وفلاسفة، وكتاباً وشعراء مبدعين. كتبوا بلغة كنيستهم، وأغنوا تراثها بمصنفاتهم. وقد حفظ لنا التاريخ سير قلة منهم وهم:
1_ جبرائيل قطريا: تعلم جبرائيل في مدرسة نصيبين الشهيرة نحو سنة 615 م، وأصبح أستاذاً فيها ثم في مدرسة المدائن وماحوزى. ومن تلاميذه حنانيشوع الجاثليق. لا نعلم شيئاً من الآثار التي يذكرها الصوباوي، إلا أن له تفسير الخدم الكنيسة ذكره ماتيوس ( مخطوطة لندن 3336 ).
ويتحدث المطران أدي شير عن جبرائيل قائلاً: جبرائيل قطرايا ألف ميمراً في الإتحاد، وكتاباً في حل المسائل الدينية. ويذكر الصوباوي جبرائيل آخر يلقبه بــ " أريا " ويقول عنه أنه من قرابة إسحق أسقف نينوى وله شرح الكتاب المقدس. وعلى ظني أن جبرائيل قطرايا وجبرائيل أريا شخص واحد، لأن جبرائيل أريا أيضاً من بيث قطرايي. ومفسر الأتراك في كتاب جنة النعيم يلقب جبرائيل بأريا. وكان جبرائيل قطرايا معاصراً لباباي الكبير الذي توفي سنة 627 م ، وباباي ذكره في تآليفه.

2_ إبراهيم بر ليفي: هو من قطر وعاش في القرن السادس. أقيم مفسراً في مدرسة ساليق. وضع كتاباً في شرح الطقوس، وفيه لا ينوه بالإصلاح الليتورجي الذي أجراه الجاثليق إيشوعياب الحديابي + 659 م. وهذا دليل أنه عاش في عهد سابق لهذا الجاثليق. أما كتابه شرح الطقوس فهو شرح صوفي رمزي بديع ببساطته. وما وصلنا منه يظهر وكأنه جزء أو مختصر للكتاب الأصلي الطويل المفقود.
ويقول الأب يوسف حبي: لقب بالمفسر لأن له تفسير الخدم، وهو شرح طقسي تصوفي اختصر فيه كتاب جبرائيل قطرايا، مع إضافة شروح له. وقد نشره كونولي مع ترجمة لاتينية 1913 _ 1915.

3_ إسحق النينوي: ولد في بيث قطرايي في النصف الأول من القرن السابع. دخل دير بيث عابي قرب عقرة وعكف على الدرس ومطالعة الكتب النسكية. سنة 663 م أقامه الجاثليق كيوركيس أسقفاً على نينوى. غير أنه ترك مركزه بعد عدة أشهر لأجل غيرته على حفظ القوانين التي رآها مهملة، فانعزل وانزوى في جبل ماتوت في بيث هوزايي " الأهواز " وسكن بين النساك والمتوحدين. ثم أتى إلى دير الربان شابور في جبال شوشتر في مقاطعة بيث هوزايي. ولكثرة انصبابه على الدرس ومطالعة الكتب المقدسة فقد بصره. وهناك أنهى حياته وقد بلغ شيخوخة جليلة، ودفن في دير الربان شابور. وقد نشر المطران يعقوب منا في كتابه المروج النزهية مقالة إسحق النينوي في العلم. ونشر الأب بولس بيجان 82 فصلاً لإسحق في الحياة النسكية، استقاها من مخطوطات عديدة. وجاء في كتاب العفة لإيشوعدناح البصري : " تضلع إسحق النينوي كثيراً في الأسفار الإلهية وألف كتباً عن سيرة النساك ". لكن البصري لم يحدد نوعيتها وعددها. ويقول الصوباوي في كتابه فهرس المؤلفين: " وضع إسحق النينوي سبعة مجلدات في تدبير الروح والأحكام والعناية الإلهية ". وقد ترجمة مؤلفاته إلى لغات عدة منها: اليونانية القديمة واليونانية الحديثة والإنكليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والهولندية والحبشية واللاتينية والروسية والعربية.
وقد حاول البعض من الباحثين أن يجعل من إسحق مؤلفاً أرثوذوكسياً. فقد نشر السمعاني في موسوعته " المكتبة الشرقية " المجلد الأول، ما كتبه أحد المؤلفين المونوفيزيين في بدء الترجمة العربية لكتاب إسحق النينوي، وفيها يحدد عصر إسحق في بداية القرن السادس، والحال أن إيشوعدناح يعرفنا بأنه كان عائشاً في نهاية القرن السابع، إذ أن الذي سماه مطراناً على نينوى هو البطريرك كوركيس الأول ( 660 _ 680 م ) والذي كان قد التقى به خلال زيارته الرعوية إلى أبرشية بيث قطرايي، فأعجب به وأقنعه بالذهاب معه إلى بلاد المشرق، وخلال عودته من هناك جاء به وأدخله دير بيث عابي الذي لكنيسة المشرق قرب عقرة. أما الكاتب فيضعه في دير مار متى المنوفيزي. وعوضاً عن جبل ماتوت ودير الربان شابور، يجعل موضع اعتزاله في برية صعيد مصر ودير السيدة المختص بالسريان اليعاقبة. ولكن مما لا شك فيه أن إسحق النينوي كان نسطورياً.
إلا أن الأب ألبير أبونا يؤكد من خلال كتابات إسحق، أنه كاتب شرقي فذ، وإن كان قد كتب العروض الثلاثة التي تقربه من تعاليم حنانا الحديابي التي تمتزج بدفها أحياناً أفكار أوريجينية.

4_ يشوعفنا ( يزدفنا ): يقول عبد يشوع الصوباوي: عمل يشوعفنا القطري مقالات في الفصح، وله تفسير المئات، وتفسير فلسفة الروح، وله مقالات وتراجم، ورسائل وتعاز، وتسابيح شجية مرتبة على الألف باء.
ويقول الأب بطرس نصري: يشوع افني له خطب تحريضية، وشرح كتاب المئات، وله مقالات وتراجيم ورسائل وتعزيات وتسابيح رثائية مرتبة على نظام أبجدي.
أما المطران أدي شير فيقول: ايشوعبناه قطرايا صنف ميامر نصحية وكتاب تفسير المئات وكتاب الفلسفة الروحية. وله ميامر أخر وتراجم ورسائل وتعازي وتسابيح. وقد وصل إلينا ميمر صغير من ميامره محفوظ في مكتبتنا السعردية عنوانه " ميمر ايشوعبناه ضد الذين قالوا عنه أنه شرب سم الوثنية ". وأما قول السمعاني أن ايشوعبناه هذا هو يزيد بناه أسقف كشكر المعاصر للجاثليق إيشوعياب الحديابي، فكلامه هذا ليس بثابت. ترى لماذا الصوباوي عوض ايشوعبناه لم يكتب يزيد بناه.

5_ داديشوع قطريا: ولد في بيث قطرايي، وعاش في نهاية القرن السابع في دير ( رب كناري ). وقد وضع داديشوع كتاب فردوس المغاربة، وكتاب في الأعمال الصالحة، وميمر في تقديس القلاية، وتعازي ورسائل وسؤالات في الهدوء الروحي والجسدي.
ويقول الأب ألبير أبونا: " وقد أفاد توما المرجي في أسلوبه وأبحاثه من كتاب بللاديوس الذي نقله إلى الآرامية داديشوع القطري ". ويقول المطران أدي شير : وفي هذا الصدد يذهب السمعاني ومعه المستشرقون إذ ظنوا أن داديشوع هذا، هو الذي خلف إبراهيم الكبير في رئاسة دير إيزلا الكبير، لكن الأمر غير ذلك فإنه كان من بيث قطرايي، وعاش في أواخر القرن السابع كما يتضح من شرحه لكتاب الأنبا أشعيا الناسك.
ويذكر الأب ألبير أبونا أن المطران أدي شير ذكر أن كتابات داديشوع قطرايا موجودة في 15 مقالة في المخطوطة السعردية. ويضيف الأب ألبير: ولكن هيهات ماذا جرى لمخطوطات سعرد ؟ .

6_ أحوب ( أيوب ) قطريا: هو من قطر، وعاش في القرن العاشر. ويقول عبد يشوع الصوباوي: إن أحوب القطري كتب شرحاً للعهد الجديد كله، وللتوراة وكل الأنبياء، بالإضافة إلى شرح ما بين " المجالس ". وبقيت له مقالة قصيرة تدعى " كتاب أسباب مزامير الطوباوي داود الملك والنبي وقلب الرب ". ووردت تنويهات بتآليف أحوب، كُتبت في هوامش شرح ربان نثنائيل الذي صار أسقفاً لشهرزور، واستشهد سنة 610 م في عهد كسر الثاني.

الخاتمة: مما سبق نجد أن المسيحية في الجزيرة العربية والقطر البحري كانت منتشرة في طول البلاد وعرضها. ومن خلال ما سرد لنا الأب لويس شيخو من أسماء القبائل المتنصرة في عهد الجاهلية، مع الأدلة على نصرانيتها، نجد الحضور الكثيف للمسيحية هناك. وتلك القبائل هي: ا_ الازد. 2_ امرؤ القيس. 3_ الاوس. 4_ أياد. 5_ بكر. 6 _ بهراء. 8_ تغلب. 9_ تميم. 10_ تنوخ. 11_ ثعلبة. 12_ جذام. 13_ جرم. 14_ جرهم. 15_ الحدَّاء والسمط. 16_ الحارث بن كعب. 17_ حمير. 18_ حنيفة. 19_ الخزرج. 20_ ربيعة. 21_ السكاسك والسكون. 22_ سليح. 23_ شيبان. 24_ ضبيعة. 25_ طيء. 26_ عاملة. 27_ العباد. 28_ عبد الدار. 29_ عبد القيس. 30_ عبس وذبيان. 31_ عجل. 32_ عقيل. 33_ غسان. 34_ فرسان. 35_ قريش. 36_ قضاعة. 37_ القين. 38_ كلب. 39_ كندة. 40_ لخم. 41_ مازن. 42_ مذحج. 43_ معد. 44_ مهرة. 45_ ناجية. 46_ النبط. 47_ النخع. 48_ النمر بن قاسط. 49_ يشكر.
ويبدو أن مسيحيي تلك البلاد كانوا يشيدون أفخم البيع والأديار، ويتنافسون فيما بينهم على تشييدها كلاً في منطقته. وهذا دليل على ما كانت قد وصلت إليه المسيحية في تلك البلاد من انتشار وازدهار ونفوذ. والمثال على ذلك ما يزودنا به ياقوت الحموي عندما يتحدث عن كعبة نجران فيقول: " وكان أهل ثلاثة بيوتات يتبارون في البيع وربها، أهل المنذر بالحيرة، وغسان بالشام، وبنو الحارث بن كعب بنجران. وبنوا دياراتهم في المواضع النزهة الكثيرة الشجر والرياض والغدران، ويجعلون في حيطانها الفسافس، وفي سقوفها الذهب والصور. وكانوا يركبون إليها في كل يوم أحد وفي أيام أعيادهم في الديباج المذهب، والزنانير المحلاة بالذهب. وبعدما يقضون صلاتهم ينصرفون إلى نزههم ".
وكان للمسيحية تأثير كبير على عرب الجاهلية على كافة الأصعدة. ويتحدث الأب لويس شيخو اليسوعي في كتابه " النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية " عن المجالات التي أثرت فيها نصارى العرب في الجاهلية فيقول: " جمعنا ما ينوط بآداب نصارى العرب قي الجاهلية. ونريد بالآداب كل ما خلفوه لنا من مآثرهم في الكتابة واللغة والأمثال والحكم والإنشاء والشعر والخطب مما رواه عنهم أئمة الآدباء الذين جمعوا شوارد اللغة العربية وآثارها في القرن الثاني بعد الإسلام. فإن هذه البقايا ما تضعضع منها بتوالي الزمان تنبئ بترقي النصرانية بين أهل الجاهلية، وتثبت من وجه آخر سعة نفوذها في جزيرة العرب. ويضاف إلى هذه المآثر الأدبية عادات ألفها عرب الجاهلية قبل الإسلام، واستعاروها من النصارى. فتجدهم في أطوار حياتهم الدينية والمدنية يتقلدونهم، ويأخذون مآخذهم، حتى لا نكاد نرى في بعض الأنحاء أثراً من وثنيتهم السابقة. فكل هذه الظواهر يشهد عليها الشعراء القدماء والرواة الذين نقل الكتبة المسلمون عنهم أخبار الجاهلية ".
ونختم بما يقوله الدكتور جواد علي عن تأثير المسيحية في عرب الجاهلية في إحدى المجالات: " كان للنصرانية أثر آخر في نصارى عرب الجاهلية، هو أثرها فيهم من ناحية الفن، إذ أدخلت النصرانية بين العرب فناً جديداً في البناء، هو بناء الكنائس والأديرة والمذابح والمحاريب والزخرفة، كما أدخلت النحت والتصوير المتأثرين بالنزعة النصرانية. ولدخول أكثر هذه الأشياء لأول مرة بين الجاهليين، استعملت مسمياتها الأصلية اليونانية أو الآرامية في اللغة العربية، بعد أن صقلت وهذبت، حتى اكتسبت ثوباً يلائم الذوق العربي في النطق. وستكشف الحفريات في المستقبل عن مدى تأثر النصارى العرب الجاهليين بالفن النصراني المقتبس عن الروم أو بني أرام والأحباش ".
ريخ كلدو وآثور   المطران أدي شير  ج 2 ص 324.

83_ كتاب الرؤساء    تأليف توما المرجي    تعريب الأب ألبير أبونا  ص 10.

84_ تاريخ كلدو وآثور   المطران أدي شير  ج 2  ص 324 _ 325.

85_ أدب اللغة الآرامية   الأب ألبير أبونا  ص 288.

86_ أدب اللغة الآرامية   الأب ألبير أبونا  ص 374.

87_ النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية   الأب لويس شيخو اليسوعي   القسم الأول ص 124 _ 121.

88_ معجم البلدان   ياقوت الحموي  ج 2  ص 538.

89_ النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية   الأب لويس شيخو اليسوعي  القسم الثاني ص 151.

90_ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام    .دكتور جواد علي  ج 1  ص

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com