الرابع من البشارة
يوسف: الآبُ البار (متى 1: 18- 25)

يُبشّر يوسف بأن وعد الله تحقق اليوم فعليه أن لا يخاف لأن الله معنا: عمانوئيل. ولكن لماذا يوسف بالذات؟ كان هناك في أورشليم عشرات الكهنة تُصلي خلاص الشعب وقدوم المخلص؟ كان هناك مَن هم على استعداد ليقبلوا هذه النعمة؟ فلماذا يوسف؟
يوُسف إنسانٌ بارٌ لا يسعى إلى الإنتقام وإثارة المشاكل في حياة مريم، بل فكّرَ بأن يُخليها سرّا. فقبولها في بيته هو مخالفةٌ للشريعة، وفضحها يعني أنها ستُرجَم، لذلك فكّرَ في أن يخليها سرّا، فلا يُفكّر فيها بالسوء، ولا يُشهرها، ولا يأخذها لبيته لئلا يُخالفُ الشريعة، فلا يكون مُخالفاً للرشيعة ولا سببا في موتٍ إنسانٍ، وبقيَّ يوسف في هذه الظنون والشكوكِ قلقاً. فجاءه ملاكُ الله ليُطمئنه عن مريم، ويحميه من أن يُقدِمَ على أمرٍ سيء، ويُكلّفه بمسؤولية الأبوّة وخدمتها، فقبلَ يوسف هذه المهمة وفرِحَ بهذه الخدمة.
طلبَ الله من أبينا يوسف أيضاً أن يكون أباً ومُدبراً وحارساً للعائلة، وفي ذلك يجعله شفيع الأبوّة الحقيقية التي تنطلق من سماع لكلام الله ويُترجمها رعاية واحتضان ومُرافقة للعائلة مهما كانت الصعوبات. اليوم يُريدنا ربنا أن نتأمل واجباتنا كأباء، فنحن لسنا مسؤولين عن النسل فقط، بل هناك واجب ومسؤولية: أن نرعى عوائلنا ومَن هم في عُهدتنا بالحنان والالتزام. فيتربوا وينمو في القامة والحكمة.
وأخيراً يُريد الرب من يوسف أن يكون شاهداً على حضوره فيزيل منه الشكوك ويُثبته في الحقيقة، حقيقة كونه معنا. لنتأمل كم من شكوكٍ تكون سبب تدمير علاقاتٍ إنسانية؟ كم من ظنونٍ سيئةٍ تحرم أطفالاَ أبرياء من حنان إمهاتهم ورعاية آبائهم؟ هل حاولنا بما يكفي لندخل كرُسلَ مُصالحة وسلام بين عوائل مُتخاصمة؟ أو لم يكن كلامنا نحن أيضاً سبب شكوكٍ للآخرين، وعثرةٍ في حياتهم؟ الظنون والشكوك تُرافقنا دوماً، ولكن أعطانا الله العقل والقلبَ لنُصغي ونفهم، ونعرِف كيف نتصرّف بحكمة. يُحكى عن زوجين أرادَ الإحتفالَ بعيد زواجها، فحضّرا سهرة لوحدهما، ولكنّها أفرطا في الشُربِ حتى السُكر. طلبَ الزوج في ساعة متأخرة من زوجته أن تُحضِر له كأس خمرٍ من الخابية الكبيرة، فراحت الزوجة إلى مخزنِ الخمر زفتحت الخابية فرأت صورتها معكوسة على الخمر، فصرخت: أيها الخائن لقد خبأتَ أمرأة في خابية الخمر! إندهشَ الزوج لذهه التهمة وراح يتفصحُ الأمر وفتح الخابية ورأى صورته هو فصرخَ بوجهها: تُريدين أن تُخفي جريمتك أنت مَن خبأتٍ رجلاً في الخابية، وإنقلبَ إحتفالهما إلى صراخ وعراك.
يوسف اليوم يُعلمنا الطريق الذي يجب علينا أن نسلكه عند نمرُ بأزمة: الإصغاء إلى الله فمنه المشورة إذا ما كُنّا متيقظين لحضوره. الرب ظهر له في الحلم، يعني في وقت النوم وهذا معناه أن النٌعاس والنوم لم يتغلّب على يوسف، بل بقي متيقظاً ليفهم ما يعيشه في حياته، وما يُريده له الرب في ما يواجهه من صعوبات. لم يستلّم يوسف للشكوك والظنون، بل كان ينتظرُ جواب الله، ولأنه فكّر بسلامة مريم وكرامته، أتاه ملاكُ الله مُبشراً حاملاً الخلاص له ولبيته وللعالم أجمع. كيف؟ لأن يسوف قرر أن يفتح باب حياته لله وحده.
يروي لنا مُعلمونا الروحانين عن رسامٍ رسم لوحة فيها يقف ربنا يسوع أمام باب مُغلق. فسألوه لماذا لم تضع المفتاح أو الذراع كي يتمكن ربنا يسوع من الدخول إلى حياتك؟ فأجاب هذا الباب يُمثل قلب الإنسان الذي لا يُفتح إلا من الداخل، فإذا لم تفتح قلبك للرب سيبقى ينتظرك لحين أن تفتح له الباب. ويُؤسفنا أننا نفتح قلوبنا للكثير من الآلهة الباطلة والكلام التافه، والظنون المُشكِكة، ونغلقهُ أمام وجه إلهنا. اليوم يطرق الرب قلب يوسف مثلما فعل مع مريم التي قدمت له كل حياتها، ويوسف يستجيب مثل مريم لدعوة الرب فيفتح له حياته كلها ويفهم سر الخلاص، لأن مولدَ مريم ليس له، ليوسفَ إبنَ داود، بل هو للعالم أجمع. والرب اليوم يدعونا نحن أيضاً لنفتح القلوب فلا نخف من قدومه، فهو آتٍ ليحل سلاماً في حياتنا، ويُكلّفنا بأن نحملَ هذا السلامَ لمَن هم من حولنا.
صوت الملاك الذي دعا يوسف: لا تخاف، هو اليوم يدعونا: لا تخافوا. فيسوع بيننا ليُسكن ويُهدأ ويزيل مخاوفنا. هو معنا ليشفي جروحاتنا ويغفر إساءاتنا وخطايانا. هو معنا وقت الشّدة والشك والظنون، ليُساعدنا كي لا ندينَ الآخرين أو نكون سبب عذابهم، بل أن نُفكّر دوماً في حفظِ كرامتهم. ربّنا واقف على أبواب قلوبنا ليُطمئننا أنه معنا وسيبقى معنا، وعلينا أن نثق به ونستسلم لتدبيره، هو يريد أن يدخل قلوبنا ويُحب ويعتني بالآخرين ويحرسهم من خلالنا. هو يُريدنا أن نقبل حراسة أخوتنا واخواتنا فلا نشهرهم ونُسيء إليهم، بل نرعاهم بالحب ونُصلي مشاكلهم، فهو الديّان الذي قالَ: لا تدينوا لئلا تُدانوا".

للمطران بشار متي رئيس اساقفة ابرشية اربيل الكلدانية

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com