الثالث من البشارة
ولادة يوحنا: رحمةٌ من الله للعالم (لو 1: 57- 80)

اليوم يتحقق وعد الله لزكريا ويُظهر طيبته ورحمته تجاه اليصابات العاقر، فيكون حضوره رحمة وحناناً لشعبه. ويُسمي الرب اليوم هذا الحضور: الحنان: يوحنا. الإنسان الذي صار عاجزاً عن فعل شيء (العاقر) يتفجر حياة من خلال فعل الله، وابتعادنا عن الله لا يعني أن الله ابتعد عنّا، بل ما زال موجوداً بيننا، ووجوده حنان ورحمة.
أرادوا أن يسمو الطفل باسم أبيه: زكريا: الله يتذكر، أما اليصابات وزكريا فرفضوا إن يكون حضور الله ذكرى فقط، بل أرادوا أن يكونَ هذا الصبي شهادة لحضور الله الفاعل في حياتهم، فيُعلنوا أنه حضورٌ حقيقي. حضور رحمةٍ، هذه الرحمة التي تُعيد لنا بسمتنا وفرحتنا بعد أن فقدناها بالخطيئة، كما يقول المُزمّر: أعد لي فرحتي (مز 51). ولهذا يكون زكريا واليصابات ويوحنا وكل واحد منّا شاهداً لهذا الحضور الرحيم.
يروي لنا الآباء الروحيون أن إنساناً رفضَ أن يدخلَ المطهر، فراحَ يصرخ عالياً مما أثار إنتباه الجميع، فطلبَ الله أن يُحضروه أمامه. فسأل هذا الإنسان الله معروفاً: إسمح لي أن أعود إلى الأرضِ وأُكفّرَ عن ذنوبي! فقال له الله: لا يُمكن ذلك، فلقد أعطيتُكَ المجال الكافي على الأرض ولم تتب! ولكن عندي قطعة مكتوبُ على وجهها "رحمة" وعلى قَفاها "عدالة"، سأرميها عالياً، فإن سقطت على وججها رحمتُكَ، وإن سقطت على قفاها دِنتُكَ. رمى الله القطعة، وإذا بها تسقط على وججها، فسجد هذا الإنسان شاكراً الله على رحمته، وفي فضولٍ منه قلبَ القطعة على قفاها، فرأى أن المكتوب عليها هو "رحمة"، فإلهنا هو إلهُ الرحمة، وهذا ما بشّرنا به ربّنا يسوع المسيح.
ولادة يوحنا ونشيد زكريا اليوم هو فعل شكر وأكثر من ذلك، رسالة يُكلفنا فيها الروح القدس. تأملَ زكريا هذه الولادة لمدة تسعة أشهرٍ،فحضّرَ لها نشيد شُكرٍ، وهو يُعلمنا كيف نستقبل ولادة كل طفلٍ في بيوتنا، وكيف نقبلهُ نعمةً علينا أن نُربّيها لتكون أداة خدمة بيد الله ليُفرِحَ شعبه.
تاريخنا كما يقول لنا زكريا الكاهن الشيخ بدأ بمُبادرة من الله الذي تدخل في حياتنا وبشرّنا بأننا على صورته نعمل كل ما بوسعنا ليكون العالم حسن وحسن جداً. أعطانا كل ما هو ممكن لننجح في رسالتنا. ووعدنا بأن يكون دوماً معنا. لكننا رفضناه وصرنا نهتم بأنفسنا وبراحتنا ومجدنا، أما هو فيقي أمينا معنا، ووعدنا بأن يُخلصنا من أعداءنا، أي كل ما يُبعدنا عن بشارته، ويُشوّه صورته فينا. فنكون معه بلا خوف، وننمو في القداسة والتقوى، لا جبراً بل شُكراً وامتناناً له.
ولهذا يُكلفنا برسالة، أن ننطلق أمامه ونُعد ونُحضر الأرض وشعبها لترجع إليه فتسير في النور وطريق السلام. إذا بقي العالم بعيداً عن الله، إذا ما تعمّدنا السكون حيث ما نحن، فإننا في ظلام، وسنجعل العالم فوضى، وينقصه الفرح والحب، لأننا عادة نبني مُجتمعاً خائفاً، أما الله فيبني بالحب والرعاية والرأفة. فنحن موجودون لنُعلن للعالم أجمع سلامَ الله ورأفته. فنحن رُسلٌ ومُبشرون، ومُهمتنا هي أن نُعرّف العالم بيسوع، ونشهد له في حياتنا وأفعالنا: "إذهبوا وتلمذوا جميعَ الأمم".
إذا لم نجعل الناس تتعجب وتندهش وتتساءل من خلال حضورنا وشهادتنا عن حضور الله، فإننا مقصرين في رسالتنا، وعلينا أن نُصلي ونعمل لنتثبّت في طريقنا. قديسون وشخصيات جعلوا العالم يقف ويتساءل: ما عسى أن يكون هذا؟ زكريا والد يوحنا، هو أبونا ويُعلمنا الطريق لأن نعيش دعوتنا، وهو أن نقبل كلمة الله من خلال صمتنا وهذا صعب على الإنسان. لأننا في حضور الله عادة من نُفكّر ونتكلّم ونتفوه حتى بما هو ليس بصالح. ويُكمل يوحنا ابنه المسيرة عندما يختار البرية، حيث حضّ{ الله لموسى وشعبه ورافقهم سنين طوال.
فلنشكر الله على ولادة يوحنا، ونشكره على وعده وحنانه ورأفته، نشكره لأنه لم يتركنا حتى في ابتعادنا عنه. ونطلب إليه أن يُقوينا لنسمعه ونطيعه ونُكمّل وصاياه فتكون حياتنا شهادة صادقة لحنانه.
للمطران بشار متي رئيس اساقفة ابرشية اربيل الكلدانية

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com