الثاني من البشارة


بشارة مريم: بشارة الخدمة (لو 1: 26- 56)
لم تكن ولادة يوحنا حدثاً عابراً في تاريخ الإنسانية، على الأقل في تاريخ عائلة زكريا. وقد خصّ لوقا الإنجيلي بدايات إنجيليه ليُعطينا إشارات عن حياة هذا النبي المُمهِد لطريق ربنا يسوع. ولكن لوقا، يتأمل تدبير الله، ويُدرك أهمية أن يعرف الإنسان مكانته الحقيقية، فيضع يوحنا في المكان الصحيح: إنه يتقدّم طريق الرب، فيدعونا لنتبع خُطى مَن أعدّه الله خلاصاً لنا. يوحنا موجود لرسالة: أن يُشير إلى المُخلّص، وهكذا يفعل. فيحرص الإنجيلي لوقا على جعل الأشخاص كلٌ في مكانه، ليجعل كل الأنظار متوجهة نحو يسوع، ملك السلام الذي نسعى إليه. السلام الذي أحضره لنا بقيامته.
يُرسل الربُّ ملاكه إلى "عذراء"، فتاةٌ ليس لها ذكرٌ بين الناس، ليجعلَ منها هيكله الجديد ويأخذ منها جسداً ليُشاركَ الإنسان هموم الحياة، ويقوده بنفسهِ إليه. فتكون مريم مثالاً للكنيسة التي يُريدها الله هيكلاً يلتقي به الإنسان، العالم كلّه. عذراء مخطوبة لرجلٍ أسمه يسوف، يعني أن هناكَ رجلاً يقفُ إلى جانبها، يحميها ويُساعدها في صعوبات الحياة.
قَبِلت مريم بشارة جبرائيل الملاك برهبةٍ، وآمنت بما قيلَ لها فإنطلقت لتخدمَ نسيبتها أليصابات. هي مُعلمة الطاعة، فما أن تُبشّر مريمُ بحضور كلمة الله في حياتها، وما أن تتلقى دعوتها ومسؤوليتها حتى تُسرع لتُترجم ذلك بفعل رحمة والتزام تجاه اليصابات نسيبتها، فتلتقي المرأتان لتشهدا لحضور الله في حياتهما. شابة من الناصرة قرية ليست بأهمية تجاه أورشليم المدينة العظيمة التي فيها يُبشّر بمولد يوحنا. وفي القصتين يُظهر لنا الله أن لا شيء مستحيل عنده، ما يُريد هو أن يستعد الإنسان ليقبله بفرح، ويحاول أن يعيش دعوته فيفهم معنى ما قبله.
آمنت مريم أن الله دعاها لتنطلق وتُبشّر بما قبِلَت من نعمة، وتُجسد هذه النعمة في خدمة لإليصابات. فما أن سمعت مريم بأن بيت زكريا مشغول بحدث عظيم حتى أسرعت للقاء العجوز والبقاء معها. سنقول ليس هذا بالجديد، فكلنا مثل مريم نُسرع للقاء القريب والصديق عندما نسمع بخبر أو بحدث يشغلهم: ولادة طفل، خبر مفرح، مرض وخبر مُحزن، وفاة مُفاجئة. مريم مثلنا تريد أن تكون حاضرة مع القريب وهو يعيش فرحهةً أو أزمة ما. ولكنَّ زيارتها ليست مثل زياراتنا. فهي تذهب لتُمجّد حضور الله في حياة اليصابات. هي تُسرع لتقترب من الروح القدس الذي حضر في بيت زكريا. هي ترغب أن تكون قُربَ يوحنا ومَن يرعاه لتُعينهم وتُثبتهم وتُشاركهم الفرح. لذلك نسمع من اليصابات كلمات البركة والتهنئة، نسمع من مريم نشيد تمجيد وتعظيم لفعل الله في حياتهم. فتكون الزيارة زيارة الروح القدس لأرضنا من جديد، زيارة تُعلمنا صلاة التمجيد والشكر. زيارة جعل من مريم نبية ترى عمل الله وما هيئه فيها ومن خلالها، فتُعلنه كلّه نشيدَ مجدٍ لله.
يُحكى عن واعظٍ إشتهرَ بين الناس، وكانت الجموع تتزاحك لسماعِ مواعظه مُتعجّبةً من نعمِ الله له. لأنه كان يُساعد مؤمنيه للتعمّق في معنى مسيحيتهم وكيف يعيشوا إيماهم بفاعلية، وكان يُصلي معهم ولأجلهم. ذاتَ يومٍ سأله أحدهم: "ألا يُؤذيكَ إهتمام الناس وإعجابهم بكَ؟ ألا يساورُكَ الغرور أما مديح الناس الكثير لكَ؟ سكتَ الأب الواعظ لفترةٍ، ثم أجابَ: "كلا، أنا مثلُ الحمار الذي حملَ يسوع في أورشليم، حيث وضع الناس ملابسهم وفرشوا الوردَ أمامه، لا لأجله، بل من أجل مَن يحمله، ربّنا يسوع المسيح المسيح. فأنا أعلم أن الناس تُكرم الله الذي يستخدمني لخدمته، وهذا يكفيني أن أكونَ أداة بيد الله لخلاصِ شعبه.
فنسأل اليوم: تُرى ما يمنعنا نحن من اختبار زيارة الروح القدس؟ لنتشجع ونسأل أنفسنا: كيف هي زياراتنا نحن للأقرباء والأصدقاء؟ هل هي زيارات تعزية وتثبيت أم زيارات تقشيب وتشويه السمعة؟ فيها لن نسمح للروح القدس أن يُهدينا ويُطهر شفاهنا لتُعظم صنيع الرب، بل ندع المُجرّب يحوم بنا في بقاع الأرض لنُكذّبَ هذا وذاك، ونشوه سمعة هذه وتلك، ونرى بضيق وحسد وتكبر فرح الآخرين، وبالتالي لن يبقى مجال لله ليُربينا كيف نزور الناس.
اليوم يُعلمنا إلهنا كيف نطرق أبواب بيوت الناس، وكيف نستقبل زوارنا ونرحب بهم في حياتنا. كيف نُدخلهم بيوتنا ونفتح لهم قلوب شاكرة لله، ففي حضورهم يحضر الله، وفي صلاتهم نتثبّت، فإلى الرب نطلب أن يجعل زياراتنا مُباركة بكلمات الطيبة والرحمة والحب.
للمطران بشار متي رئيس اساقفة ابرشية اربيل الكلدانية

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة

Copyright ©2005 marnarsay.com