الأول من البشارة
بشارة يوحنا: حنان الله: (لو 1: 1- 25)
 
تبدأ الكنيسة معنا رحلة إيمان جديدة والبداية مفرحة. فالله بادرَ مثلما كعادته ليعملَ في تاريخ البشرية وبكشلٍ عجيب، فيُرسل ملاكهُ زكريا الشيخ حاملاً بشارةً لا تُصدّق، ومن خلال زكريا إلينا جميعاً: الرب لم ينسَ، الرب دبّر، عظيم هو في تدبيره، ورحوم في قٌربه: يوحنّا: تحنن الربُّ. الرب يعود إلى الإنسان ليُؤكّد له أنه يُحبّه ولم ينساهلأنه لا يُريد أن يترك الإنسان في التيه والضلال، فيسقط حزيناً يائساً، مثلما لا يُريد أن يودّع زكريا الشيخ الحياة حزينا، بل يُريد أن يُكمّل ويُكلل إيمانه، بولدٍ يتمجد من خلاله اسم الله.
تبدأ بشارة ربّنا بقصّة زكريا في هيكل أورشليم، وهذه علامة على أن بشارة ربّنا هي تواصلٌ للعهد الذي بادرَ به الله تجاه شعبه منذ القديم. ويُفاجأ الرب زكريا المُصلي بما يحمله من السماء، ويسأل زكريا مُبشّره: ما معنى ما تقوله لي؟ أنا شيخ مُسن، وامرأتي طعنت في أيامها؛ وتقول لي سيكون لك ولد؟ زكريا كاهن يعرف ما صنعه الرب لإبراهيم، ولأسحق، وهو يؤمن بأن الرب يتحنن عله وهو قادرٌ على أن يحفظ له نسل، ولكن عندما يُواجه بالبشارة: سيكون لك ولد، أسمه يوحنا: فالحال مختلف. كيف يُمكن أن يحصل ذلك؟
دخل الهيكل ليكون مُعينا للشعب من خلال الصلاة التي يُقدّمها من أجل شعبه، حاملاً أمام مذبح غلهنا كل همومهم وتطلّعاتهم ومخاوفهم. وخرج من الهيكل حاملاً وعدَ الله بأنه آتٍ ليُخلّصهم، فكان علامة حضور الله بين شعبه وتفقده لشعبه في آخر الأيام. الرب عندما يحضر يُبقي بيننا علامة حضوره، وعلامات الرب حولنا كثيرة هي، كل ما نحتاجه هو عيون تُبصر وآذان تُصغي. الرب ترك لنا جسده ودمه في الأفخارستيا، حضور أبٍ مُحب.
رَفَعَ زكريا الشيخ صلاةً لا من أجله فقط، بل من أجل زوجته ولا ييأس من ذلك. فملاك الرب يقول له: سُمعت صلاتك وستحبل أمرأتك ... فنفهم من ذلك أن لم ينسَ زوجته في صلاته. قبِلَ الصمت والسكوت ليفهم تدخل الله في حياته، ليستطيع أن يُحدّث الناس عن ذلك. وهو يدفعنا لنسأل نحنُ عن طبيعة صلاتنا؟ هل نُقدّمها بالتواضع الواجِب؟ وهل تكشفُ عن عطشنا لله وحاجتنا إليه وحده: أطلبوا ملكوتَ الله وبرّه، أم أنها قائمة طلباتٍ عن حاجاتٍ إنسانية أنانية؟ هل نُصلي شاكرين أم مُتذمرين؟ هل نُصلي من أجلنا فقط أم من أجل مَن هم في حاجةٍ إلى صلاتنا؟  وإذا صلينا فما الذي نُقدمه لهم في حياتنا معهم؟ وإذا صلينا هل نؤمن أننا حصلنا على ما نُصلي من اجله؟
يُحكى عن قرية عانت من جفاف، فيبست الحقول فكانوا ينتظرون المطر ولم تُمطر السماء. طلب كاهن الرعية من خورنته القدوم إلى الكنيسة للصلاة إلى الله ليرأفَ بهم ويمطر سماءه لتستقي الأرارضي العشطى، فينبُتَ الزرعُ. فأجتمعَ أهل القرية في موعدِ الصلاة، شيوخا وشبابا نساءً واطفالاً. ولمّا شرعوا بالصلاة جذبَ انتباه الكاهن طفلة صغيرة حضرت معهم للصلاة وكانت جالسة في الصف الاول جاثية على ركبتيها وتصلي بحرارة وهي حاملة معها مظللة حمراء مفتوحة لتقي نفسها من المطر. قيلَ للطفلة لنذهب للصلاة إلى الله من أجل ليُنعِمَ علينا بالمطر، فجاءت وهي مؤمنة أنها صلاتها مُستجابة.
ونحن ترانا نتكاسل مع الكنيسة إذا ما اختبرنا صعوبات وأوقات متأزمة؟ بعضنا يترك ويُهمل كنيسته وصلاته لأنها وحسبما يقول: ما تنفع شيء. آخرون يجعل من الحضور الكنسي أتكيت اجتماعي ليس إلا. بعضنا يرى الكنيسة مخزن حاجات ومواد غذائية؟ أو حتى مكان لبناء علاقات ومواصلة علاقات. اليوم يُوقفنا زكريا الشيخ لنتأمل في كل ذلك ويسأل كل واحد منّا: لماذا أنت هنا؟ ماذا تصلي؟ بأي كلمات تتلفظ؟ أي هيبة ورهبة تشعر بها وأنت في حضرة رب الأرباب؟  فإنجيل اليوم يحمل بشارة نعم، وتوجيه: أي مُتعبد ومُصلي يتوقعنا الرب في هيكله. الرب آتٍ إلينا متحنناً ماذا هيئنا له من كلمات وطقوس؟ الرب آتٍ اليوم إليك ليُبشرك بالعظيم الذي تحمله في حياتك للآخرين: هل أنت مستعد لتتقاسمه مع الآخرين. لك في حياتك إمكانية أن تُقدم الفرح والسرور للناس المُتعبة: كن سخياً في عطائك. لا نتعبنّ في العطاء، ولا نتوهم بأن للعطاء حدود، زكريا الشيخ لا يتوقف في خدمته، يثبت، يُصلي مؤمناً بأن الله سيتدخل في آخر الأيام ويصنع ما يُبهر العيون، ليقول الجميع: ما عسى أن يكون هذا.
ربنا وإلهنا نلتفت إليك اليوم ونرفع لكم كل المهمومين والذين يترجون خلاصك لتمدهم بالفرح. نسألك أن تسمع صلاة مَن يتضرع اليك، وخاصة نحن الذين نصلي اليوم من أجل الآمان في بلدنا الذي يفتقر للسلام، فرّح قلوب أبنائك، وتحنن علينا بطيبتك، فنجعل من حياتنا علامة حضورك.
للمطران بشار متي رئيس اساقفة ابرشية اربيل الكلدانية

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com