لينك: http://www.zenit.org/article-7168?l=arabic

"إن شعبي يفنى من نقص المعرفة"

بقلم روبير شعيب

الفاتيكان، الاثنين 15 نوفمبر 2010 (ZENIT.org). – إن خدمة الكلمة بالنسبة للقديسين كانت رسالة لا يمكن فصلها عن الصلاة لكي لا يكون شرح الكلمة الإلهية فعلاً بشريًا. نبدأ هذه السلسلة التي قدمنا لها الأسبوع الماضي بصلاة للقديس أغوسيطنوس:

"أيها الرب إلهي، أمل أذنك لصلاتي: فلتستجب رحمتك رغبتي، التي لا تتقد لأجل ذاتي وحسب، بل تريد خدمة الإخوة. أنت ترى في قلبي أن الأمر كذلك. اسمح لي أن أقدم لك ذبيحة خدمة فكري وكلمتي، وأعطني أنت بالذات ما تريد أن أقدم لك لأني فقير ومنعدم الموارد. أما أنت فإنك غني لجميع الذين يطلبونك، أنت الحر من الهموم، الذي يهتم بنا. طهر شفتاي، من الداخل ومن الخارج، من كل كبرياء ورياء. فلتكن أسفارك المقدسة لذتي الطاهرة، لا تسمح بأن أخدع نفسي بها، ولا أن أخدع الآخرين. يارب انظر إلينا وارحمنا".

للانطلاق في هذه التأملات اللاهوتية والروحية في آن، أعتقد أن منطلقًا توضيحيًا وتوجيهيًا مناسبًا يكمن في آية من كتاب النبي هوشع القائل: "إن شعبي يفنى مِنْ نقص المعرفة" (هو 4، 6). قبل أن نلج في تفسير الفصول الأولى من سفر التكوين سنكرس بعض الوقت للتأمل بطبيعة مقاربتنا للكتاب المقدس، والآية التي ذكرناها لتونا هي آية توجه انتباهنا إلى الكتاب المقدس ككلمة "موحاة من الله، تفيد في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب في البر، ليكون رجل الله كاملا معدا لكل عمل صالح" (2 تيم 3، 16 – 17).

الكثير من الأشخاص يبتعدون عن الإيمان، لأنهم يأخذون الإيمان على ما ليس عليه. تعلّموا الإيمان في طفولتهم بواسطة لغة تليق بالأطفال، لغة معلمي الدين المسيحي، لغة الأجداد والأمهات والآباء، وتوقفوا هنا، مُقلّصين ومجمدين في بشريتهم الدينية. نموا كثيرًا في المعرفة العلمية، الاقتصادية، السياسية، والأدبية، ولكن معرفتهم الإيمانية بقيت معرفة الطفولة، معرفة مبسطة لكي يفهمها الأطفال والمخيلة الفتية. ولذلك، وتطبيقًا لنوع من قانون التطور، هذا العضو الذي لم ينمِ ولم يزدهر، يضمحل مثل ذَيل غير نافع.

أن نبقى على هذا الإيمان الطفولي يشبه رجلاً يبقى متعلقًا بفكرة الولادة والإنجاب من خلال طائر اللقلق الذي يحمل الأطفال إلى أهلهم، أو فكرة الملفوف الذي يخرج منه الطفل. هلا تخيلنا ولو للحظة شخصان راشدان متزوجان يحافظان على هذه الفكرة ويتوقعان أن ينالا طفلاً من خلال اللقلق أو الملفوف؟ سيموتان في يأسهما على نافذة الانتظار! الأمر يضحكنا، والمثل يبدو سخيفًا لدرجة، ومع ذلك، فموقف الكثيرين من فهم الكتاب المقدس يشبه موقف راشدين ينتظرون الطفل من الملفوفة. فكثيرون يتوقعون أن يولد المؤمن الناضج من الفهم الطفولي الأولي للكتاب المقدس، وبدل أن يكونوا شهودًا لولادة "الخلق الجديد في المسيح" (2 كور 5، 17)، يشهدون موت الإنسان الباطني، وانحسار الإيمان وفقدان بريقه.

إن دعوة الإنسان العظمى، إن مهنته العظمى هي أن يتأله، أن يضحي بواسطة النعمة ما هو الله بطبيعته، ومع ذلك فالكثيرون منا يكتفون في حياتهم بتحقيق أرباح قليلة أو كثيرة، والحصول على أمجاد مهنية صالحة في حد ذاتها ولكنها غير كافية لإشباع توقنا الأعمق. الكثيرون – إذا ما أردنا تطبيق شبه أقصوصة بينوكيو – يكتفون بأن يكونوا طفلاً خشبيًا متحركًا، يقضم عروضًا لافتة، بينما دعوتنا الحقيقة هي أن نضحي أبناءً لله، فدعوتنا كما يلخصها القديس باسيليوس هي التالية: "الإنسان حيوان تلقى الدعوة لكي يضحي الله". والكتاب المقدس هو مدرسة تأليه: الكلمة الإلهية تقدس سامعيها وتحول جوهرهم إلى جوهر الله. ولكن للولوج في قوة الكلمة لا بد من الولوج في فهم صائب وراشد لها.

ولذا فقراءة الكتاب المقدس، لكي نلخص هذه الحلقة الأولى، تتطلب ليس فقط طيبة القلب، (الضرورية والأساسية!)، بل أيضًا المعرفة، والغوص في أسرار الكتاب المقدس، في معرفة مقاصد الكتاب وفي التبحر في الأنواع الأدبية التي كُتبت فيها النصوص حتى تكون القراءة ويكون الفهم موافقًا لمقاصد الكلمة. تتطلب منا موضوعية لكي لا نخدع ذواتنا من خلال الكلمة – كما يصلي أغسطينوس – فنجعلها تقول ما لا تعنيه، أو نقول للآخرين من خلالها ما نريد نحن زاعمين أن ذلك كلام الله. الإصغاء لكلمة الله يتطلب معرفة هي أولاً نعمة من الروح، وهي ثانيًا عمل وجهاد روحي نقوم به في غوصنا في عباب الكلمة "لنغوض إلى الأعماق" (لو 5، 4).

والرب معكم.

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com