نيكاراغوا: كنيسة في المستنقعات (الجزء الأول)

مقابلة مع دايفيد زيفيتس الأسقف المعاون في بلوفيلدز


بلوفيلدز، نيكاراغوا، الجمعة 26 مارس 2010 (Zenit.org) – نيكاراغوا هي بلاد مزقتها الحرب الأهلية والأنظمة الديكتاتورية والكوارث الطبيعية. وهي حالياً إحدى أفقر الدول في عالم الغرب.

والأسقف الكبوشي دايفيد زيفيتس هو الأسقف المعاون في أبرشية بلوفيلدز التي تخدم النصف الشرقي من البلاد الذي يضم ما يعرف بساحل موسكيتو.

يتحدر الأسقف البالغ من العمر 62 عاماً من شرق شيكاغو بإنديانا، وقد تحدث مؤخراً عن حياة الكنيسة في نيكاراغوا مع البرنامج التلفزيوني "حيث يبكي الله" الذي تبثه الشبكة الكاثوليكية للإعلام المرئي والمسموع بالتعاون مع "عون الكنيسة المتألمة".

ننشر في ما يلي القسم الأول من المقابلة:

س: سيادة الأسقف، أيمكنكم أن تخبرونا كيف انتهى المطاف بأميركي بولندي في بلوفيلدز بنيكاراغوا؟

الأسقف زيفيتس: جدي وجدتي هما اللذان قدما من بولندا قبل حوالي 100 عام. كنت مهتماً بأن أصبح كاهناً ومنجذباً إلى الكبوشيين لأنهم جماعة سعيدة جداً. قصدت الإكليريكية وسمعت عن الرسالات في نيكاراغوا فتطوعت. أجاب رؤسائي: "نريدك هناك". نلت السيامة في يونيو 1974، ووصلت إلى نيكاراغوا في يناير 1975.

س: ما كان انطباعكم الأول لدى وصولكم؟

الأسقف زيفيتس: كنت متفاجئاً قليلاً لدى وصولي. فقد جئت مع زميل لي في الدراسة في سيارة قدمت لنا كهبة. كنا نمر بنيكاراغوا وخلت أننا سنحظى باستقبال عظيم.

لكن عملية اختطاف حصلت قبل أسبوع من وصولنا، مما دفع الرئيس إلى فرض الأحكام العرفية وحظر التجول في البلاد. ولم نكن نعلم بذلك. وصلنا عند الساعة التاسعة ليلاً وعبرنا الحدود قبل إغلاقها.

فقال لنا الكبوشيون الآخرون: "ما بالكما؟ كيف جئتما في هذا الوقت؟ ألا تعلمان بحظر التجول؟ لكان قتلكما أحد الجنود المجانين وترككما مائتين على حافة الطريق".

هكذا أيقننا الواقع العنيف هناك، وهذا ما شكل انطباعنا الأول.

س: هل تعرضتم يوماً للتهديد أو شعرتم بالتهديد خلال إقامتكم في نيكاراغوا؟

الأسقف زيفيتس: مرة واحدة عندما كنت أعمل في الغابة. لدى وصولي، أُرسل "المبشرون الأكبر سناً إلى المدن والأصغر سناً إلى الغابة".

كان ذلك خلال فترة اختباء عناصر الجبهة الساندينستية – المنظمة الثائرة على الحكومة – هناك (في الغابة)، وسمعت دوي القنابل فشعرت ببعض الخوف.

وقلت في نفسي "أمي وأبي يدفعان الضرائب لمساعدة الحكومة الأميركية التي تقوم بمساعدة الحكومة النيكاراغوية التي تلقي القنابل على هذه المنطقة على المقاتلين الثوار".

وعلى الرغم من أنني لم أر أي قنبلة إلا أنني شعرت بالخوف. لكن الله صالح، وأنا هنا الآن.

س: ما كان أصعب أمر كنتم مجبرين على تخطيه أو التكيف معه في حياتكم الجديدة في نيكاراغوا؟

الأسقف زيفيتس: وصلت سنة 1975، أي بعد المجمع الفاتيكاني الثاني. عندما دخلت إلى الإكليريكية – لدراسة اللاهوت – شعرت بحالة جيدة نظراً إلى وجود لاهوت جديد، ومتعلق بالإرشاد الرعوي. ورأيت أن معلوماتي جيدة جداً نسبة إلى هؤلاء المرسلين القدامى.

لكن جيش الحكومة جاء واعتقل بعض الأشخاص وعذبهم. اختفى بعضهم واكتشفنا لاحقاً أنهم قُتلوا. وخلال سنتين، وجدنا أن 300 شخص فقدوا بسبب الحكومة.

ماذا نفعل في وضع مشابه؟ بخاصة أننا لم نكن مدرَّبين على ذلك!

س: ألم تتخيلون يوماً أنكم ستعيشون في ظل هذا الوضع؟

الأسقف زيفيتس: لم نتحدث أبداً عن أمور مماثلة في صف اللاهوت! تحدثنا عن الإرشاد الرعوي وخدمة الشباب وغيرهما، لكن الوضع كان متأزماً. والشيء الوحيد الذي كنت قادراً على فعله هو جمع المعلومات ونقلها إلى الأسقف – شلايفر – الذي كان يدعمني.

س: تضم أبرشية بلوفيلدز ما يسمى بـ "ساحل موسكيتو". ما هو أصل تسميته؟

الأسقف زيفيتس: لم يسقط القسم الشرقي من نيكاراغوا التابع لأبرشية بلوفيلدز في قبضة الإسبان، وكان الهنود الميسكيتو المقيمون هناك مستقلين.

يمكن القول أنهم تمكنوا أيضاً من إنشاء امبراطورية كانت تمتد من الساحل الكاريبي في باناما، مروراً بكوستا ريكا ونيكاراغوا، ووصولاً إلى هندوراس. وكانوا أقوياء جداً في القرن الثامن عشر.

س: تمتد أبرشية بلوفيدز على مساحة 22825 ميلاً مربعاً. إنها مساحة كبيرة! كيف تكون الزيارة الرعوية النموذجية في أسفاركم إلى القرى – سعياً وراء أبناء رعيتكم؟

الأسقف زيفيتس: عادة أقول للناس أنني أحبذ أربعة أمور: أحب الإصغاء إلى الاعترافات. وأحتفل بالقداس ومن ثم يُطلب مني منح سر التثبيت أو أحد الأسرار الأخرى كالعماد أو الزواج.

بعدها، أحب أن ألتقي بالمسؤولين الكنسيين، مما يتيح لي فرصة التحاور معهم.

وأقول لاحقاً: "أريد تناول بعض الطعام". عادة عندما يأتي الأسقف – نظراً إلى غياب التيار الكهربائي – يتم ذبح بقرة أو خنزير بسبب عدم وجود الثلاجات، فيتوفر الطعام للجميع!

س: تشمل أبرشية بلوفيلدز حوالي نصف مساحة نيكاراغوا. أنتم 25 كاهناً. ألا تشعرون بضغط كبير عليكم؟

الأسقف زيفيتس: أجل، هذه مشكلة. لدينا حوالي 1000 كابيلا و14 رعية. وتضم كل رعية صغيرة كاهناً واحداً يهتم بحوالي 30 كابيلا. وهناك كاهن من شمال ميلووكي يزور أكثر من 100 كابيلا وهو في آخر عقده السابع.

في الكابيلات، يقام كل أحد احتفال الكلمة، لذا يسمى مرشدو هذه الاحتفالات "ممثلي الكلمة". هناك عادة اثنان منهم في كل كابيلا في حال مرض أحدهم أو لم يتمكن من المجيء.

ولدينا معلمو دين لكل من العماد، والمناولة الأولى والاعتراف، والتثبيت والزواج.

كما تنظم دروس تدريبية مرة كل سنة لهؤلاء المعلمين. وتخصص بعض الرعايا دورات للموسيقيين إضافة إلى وجود حركات – نسميها حركات للرياضة الروحية – تساعد على تنمية الإيمان وتنشئة القادة. لذا نعتمد كثيراً على العلمانيين.

س: كم هو عددكم كمرسلين؟ لقد أشرتم إلى أن بعض المرسلين يطعنون في السن. من أين يأتي جيل الكهنة الجديد. وهل هناك دعوات من نيكاراغوا؟

الأسقف زيفيتس: إن الأساقفة الذين يمكننا الاعتماد عليهم هم الأساقفة المتحدرون من أبرشية بلوفيلدز. هناك مرسلون ومساعدون كثيرون، لكن كهنتنا المتحدرين من هذه الأبرشية هم الذين نستطيع الاعتماد عليهم أكثر، ونرى أن دعوات كثيرة تنشأ عن أسر قيادية في المجتمع.

نذكر على سبيل المثال أنه حيثما وجد شماس متزوج أو أحد ممثلي الكلمة، وجد التزام مسيحي أي أرض خصبة للدعوات ليس فقط إلى الكهنوت وإنما أيضاً إلى الحياة الرهبانية. خلال السنوات العشرين الماضية، نرى مثلاً أن 15 فتاة اخترن الترهب في بلدة تضم 10000 شخص. أعتقد أن هذا رائع.

س: كيف يتم التعبير عن الإيمان أو العبادة في الأبرشية؟

الأسقف زيفيتس: تقام زياحات كثيرة. وبحسب خبرتي في الولايات المتحدة، فإن الزياحات تقام في الداخل على خلاف زياحات نيكاراغوا التي تحصل في الخارج – في أسبوع الآلام مثلاً – نظراً إلى المناخ الدافئ.

في أسبوع الآلام، تقيم بعض المدن زياحات درب الصليب. وبعد تبريك شمعة الفصح خارجاً ليلة عيد الفصح، ينظم زياح داخل الكنيسة.

كما يتخلل أعياد شفعائنا تطواف بصورة القديس الشفيع في المدينة يترافق مع إنشاد الترانيم وتلاوة الوردية. إنه جزء عادي من حياة الكنيسة. ونصلي من أجل ألا تمطر كثيراً.

س: إضافة إلى حجم الأراضي، ما هو التحدي الأكبر الذي يواجهكم في تبشير شعب ميسكيتو؟

الأسقف زيفيتس: على الرغم من أن الأراضي شاسعة، فإن المشكلة ليست في الحجم بل في التنقل والاتصالات. أعتقد أن المنطقة كلها تشمل حوالي 100 كلم (62 ميلاً) من الطرق المعبدة، في حين أن الطرقات المتبقية مرصوفة بالحجارة. تهطل الأمطار بكثرة بحيث أننا نبقى عالقين في بعض الأماكن.

والأمر الآخر هو أن هناك 100 كابيلا ناطقة بالميسكيتو من بين 1000 في حين أن الباقية هي ناطقة بالإسبانية. وهم مزارعون مهتمون بتربية المواشي.

لا تقتصر اهتماماتنا الأولية على حصول الناس على الأسرار – نيل سر العماد – فقط، بل أيضاً على التعرف إلى إيمانهم وإلى معنى عيش تبشير عميق في حياتهم اليومية. وأعتقد أن تنمية الدعوات تهمنا كثيراً ليتوفر لدينا كهنة في المستقبل.

كما أن التنمية البشرية مهمة في المدارس وفي برامجنا الصحية ليس فقط لكي يتمكن الناس من سماع كلمة الله، وإنما أيضاً ليعيشوا حياة بشرية ويشاركوا في الحياة الوطنية، فلا يبقوا منسيين – بل يتمكنوا من المشاركة بضمير حي.

***

هذه المقابلة أجراها مارك ريدمان للبرنامج التلفزيوني والإذاعي الأسبوعي "حيث يبكي الله" الذي تنتجه الشبكة الكاثوليكية للإعلام المرئي والمسموع بالتعاون مع الجمعية الخيرية الدولية الكاثوليكية "عون الكنيسة المتألمة".

على شبكة الإنترنت:

للمزيد من المعلومات، زوروا:

www.WhereGodWeeps.org

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com