وَهبُ وإزدراعُ الأعضــاء

مقاربةٌ علميّة وأخلاقيّة – كنسيّة


بقلم روجيه أصفر*

صربا، الاثنين 22 فبراير 2010 (Zenit.org). – إن تطور الطب بفروعه المتعددة أدى فيما أدى إليه إلى إمكانية إزدراع الأعضاء البشرية، وشيئاً فشيئاً "أصبحت زراعةُ الأعضاء مصدرَ أملٍ وشفاء، ومصدر رضًى وسرور لكثير من المرضى الذين يواجهون آلامًا شديدة، واحتمال الموت. "( مجموعة مؤلّفين، أخلاقيّات طبّ الحياة، ص129).

ما زال وهب وإزدراع الأعضاء في شرقنا مجالاً ذو نشاطٍ ضئيل رغم حيويته وضرورته للكثير من الأشخاص، وربما تعود سبب قلة النشاط هذه للجهل المنتشر بين العوام حول تفاصيله الطبية والعلمية والموقف الكنسي منه.

سنحاول في هذا البحث السريع أن نزيل بعضاً من الغموض الذي يكتنف موضوع إزدراع الأعضاء من الناحيتين العلمية والأخلاقية - الكنسية.

- وهب وإزدراع الأعضاء من الناحية العلمية:

وهب الأعضاء (بهدف الإزدراع) هو: "عملية نقل عضو او أكثر من متبرع حي او ميت الى مستقبِل ليقوم مقام العضو الذي يعاني قصوراً يعوق وظيفته "( نور القعسماني، وهب الأعضاء، تحقيق صحفي، جريدة النهار، ملحق نهار الشباب، العدد 577، ص4).

هناك نوعان لواهب الأعضاء:

واهبٌ حي: يمكن أن يهب عضواً (كلية واحدة، نصف كبد، نصف بنكرياس أو رئة واحدة) أو النخاع العظمي (نقي العظام)، ويجب أن يكون راشداً (من 21-65 سنة)، ويتمتع بصحة جيدة تخوله الخضوع لهذه العملية دون أية مضاعفات.

واهبٌ متوفي: موت دماغي مع المحافظة الإصطناعية على الدورة الدموية، يستطيع أن يهب: قلب، كليتين، رئتين، كبد، بنكرياس، قرنيتين، عينين، الأوعية الدموية، صمامات، جلد، نخاع عظمي، أمعاء وعظم.


بعد توقف القلب والتنفس يستطيع أن يهب: قرنيتين، عينين، أوعية دموية، صمامات، جلد، أمعاء وعظم.
في حالات الواهب المتوفي، كثيراً ما نسمع بمصطلح الموت الدماغي الذي يعرف بأنه: الموت الحقيقي ناتج عن توقف كل وظائف الدماغ، ويتم تشخيصه بواسطة فحص سريري من قبل أخصائيين بأمراض الجهاز العصبي، مع تخطيط للدماغ. في هذه الحالة يُحافظ على الدورة الدموية والتنفس وعمل القلب بطرق طبية إصطناعية كسباً للوقت حتى تُعطى العائلة الفترة الزمنية اللازمة للإستعداد للوهب. ويكون الواهب المتوفي قد وقعّ، في حياته، بطاقة تبّرع بالأعضاء والأنسجة، أو أتّخذ ذووه القرار بالوهب عند وفاته.

موانع الوهب:

- داء السكري (للأعضاء فقط).
- ضغط الدم المزمن (للأعضاء فقط).
- الأمراض السارية: صفيرة، سيدا...
- تجاوز سن الخامسة والستين (للأعضاء فقط).
- السرطان (ما عدا سرطان الدماغ والجلد غير المنتشر).
- سرطان الدم والسرطان اللمفاوي المنتشر (للقرنية فقط).

لتأمين نجاح عمليات إزدراع الأعضاء على غرار الدول المتطورة، يعتمد لائحة إنتظارWaiting List ، مع معايير الإختيار المتبعة عالمياً بين الواهب والمريض (فئة الدم، الوزن، العمر، الأنسجة والمناعة...) ودوماً تبقى الأولوية للأطفال والحالات الطارئة.

تبقى الأعضاء المستأصلة قابلة للإزدراع بعد إستئصالها حسب المدد التالية:

- العينين: أقل من سنتين.

- الصمامات: 5 سنوات.

- الجلد: أقل من 15 يوم.

- الكبد: من 12-16 ساعة.

- القرنيتين: من 7-14 يوم.

- الأوعية الدموية: 5 سنوات.

- الأمعاء: أقل من 6 ساعات.

- الكليتين: أقل من 48 ساعة.

- القلب: أقل من أربع ساعات.

- الرئتين: أقل من أربع ساعات.

- البنكرياس: أقل من 16 ساعة.

- العظام: 5 سنوات مع الحفظ تحت درجة حرارة-80°.

- النخاع العظمي (نقي العظام): لا تحديد مع الحفظ تحت درجة حرارة-180°.

ولأن الإستئصال هو عمل جراحي يخضع لكل القوانين والأخلاقيات التي تنظم الأعمال الجراحية. يعامل جسم الواهب بعناية وإحترام، أكان لجهة الأعضاء الموهوبة أو لجهة شكله الخارجي.

وقد شرّع القانون اللبناني "أخذ الأنسجة والأعضاء البشرية لحاجات طبية وعلمية" بموجب المرسوم الصادر في 17/11/1981 (رقم 109) والمعدّل بموجب المرسوم الصادر بتاريخ 20/1/1984 (رقم 1442) (موقع اللجنة الوطنية (اللبنانية) لوهب وزرع الأعضاء والأنسجة على شبكة الإنترنت: http://www.nootdt.org/n/pages/organ.htm).

تجدر الإشارة هنا على سبيل الإستذكار أن وهب الأنسجة البشرية وإزدراعها ينطبق عليه تقريباً كل ما ينطبق على وهب وإزدراع الأعضاء البشرية.

وهب وإزدراع الأعضاء من الناحية الأخلاقية – الكنسية:

"نقل الأعضاء يكون متوافقًا والشريعةَ الأخلاقيّة، إذا كانت الأخطار والمجازفات الطبيعيّة والنفسيّة الحاصلة للمعطي تتناسب والخيرَ المطلوب للمستفيد. وإعطاء الأعضاء بعد الموت عملٌ نبيلٌ جديرٌ بالثواب ويجب تشجيعه على أنّه علامة تضامنٍ سخيّ. ولكنه غير مقبولٍ أخلاقيًّا إذا كان المعطي، أو من يتولّون أمره من أقربائه، لم يرضوا به رضىً صريحاً. ولا يمكن القبول، من الدرجة الأخلاقيّة، بالتسبّب المباشر بالتشويه المولِّد العجز، أو بالموتِ للكائن البشريّ، حتى في سبيل تأخير موت أشخاصٍ آخرين."( التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، رقم 2296، ص652-653).

إن هذا النص الكاثوليكي المرجعي يعبر بوضوح وجلاء عن موقف الكنيسة الأخلاقي من موضوع وهب وإزدراع الأعضاء البشرية، إنه موقف يسمح بل يشجع هذه العملية بشروط تكاد تبدو لنا شروطاً بديهية في عالم اليوم: التناسب بين الأخطار التي سيتعرض لها الواهب والخير الذي سيتأتى للمستفيد، القرار الحر والواعي من قبل الواهب الحي ومن قبل ولي أمر الواهب المتوفي، الحفاظ على صحة الواهب والمجانية في الوهب...

وكمبدأ عام فإن كون هبة إزدراع الأعضاء تعتبر كخدمة تقدم للحياة، ترسم القيمة الأخلاقية لهذه الممارسة وتشرع لإستعمالها الطبي (مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، شرعة العاملين في القطاع الصحي، ص45).

ومن الناحية اللاهوتية يقول الأب إدغار الهيبي ممثلاً صاحب الغبطة مار نصرلله بطرس صفير، بطريرك إنطاكية وسائر المشرق للموارنة: "إن الكنيسة تؤمن ان الله تجسّد. أي صار انساناً. وبتجسده أدخل الانسان بكل ابعاده في سرّ محبته اللامتناهية. مما يجعل من المسؤولية الطبية والاجتماعية في زرع الأعضاء دعوة ايجابية مقدّسة في خدمة الإنسانية شرط ألا تتعارض مع كرامة الإنسان بكل أبعاده. كل إنسان. والايمان بأن الإله المخلص يسوع المسيح تجسّد ومات ثم قام يؤكّد على أن الخلاص الحقيقي لا ينحسر بمفهوم الصحة الجسدية والحياة الأرضية. إنما يتخطاها الى عالم اللقاء الأبدي بسر المحبة الأبدية. وبالتالي على الوعي الطبّي والاجتماعيّ في زرع اعضاء أل ]وردت هكذا في النص الأصلي[ يمزج بين مفهومَيّ الصحة والخلاص."( موقع اللجنة الوطنية (اللبنانية) لوهب وزرع الأعضاء والأنسجة على شبكة الإنترنت: http://www.nootdt.org/n/pages/religion.ctl.htm ).

ولم يفت الكنيسة أن تشير إلى عدم جواز إزدراع بعض الأعضاء، إذ قد صدر عن ميثاق الموظفين العاملين في القطاع الصحي وبتشجيع من المجلس البابوي من أجل العمل الرعوي في خدمة الصحة ما نصه: "ليست الأعضاء كلّها على الصعيد الأخلاقيّ قابلة للزّرْع. فينبغي لنا استبعاد زَرْع الدماغ والغدد التي تحافظ على هويّة الشخص ووحدة الإنجاب. ذلك أنّ الأمر يتعلّق بالأعضاء التي تملك طابعًا خاصًّا بالشخص لا يمكن استبداله "( جوزف معلوف، المسألة الأخلاقيّة في العلوم الطبّيّة، ص135).

كما لا تزال الكنيسة حذرة في موقفها تجاه إزدراع أعضاء حيوانية في الجسم البشري، فالأمر مازال غير مألوف، ويطرح كثيراً من التساؤلات الجدية والخطيرة تتعلق بمدى نجاح عملية من هذا النوع وبرفض الجسم البشري للعضو الحيواني الغريب، بالإضافة إلى تساؤلات تخص التغير العضوي الذي يصيب بنية الإنسان المستفيد من زرعٍ كهذا. وهنا كما في كل ما يختص بأخلاقيات الطب وموقف الكنيسة من جهة، والتطور العلمي الطبي من جهة أخرى "من دواعي الفطنة... أن نأخذ بعين الاعتبار أهمّيّة الوقت في معاطاتنا مع كلّ حدث، كي نتوصّل إلى رؤية أخلاقيّة تكون أقرب إلى الموضوعيّة منها إلى التشنج والتباعد بين العلوم والدين. فالوقت يسهم في تصفية الأمور ويساعد المجتمع على بلورة الأحداث وتوضيحها... إنّ التركيز على عامل الوقت... ليس تدريبًا على الصبر و تحمّل الأسى فحسب، إنّما تدريب على التحلّي بنوع من الأمل العاقل، كي نساعد الآخر على اكتشاف رؤية مستقبليّة واقعيّة."( جوزف معلوف، الأخْلاق وَالطِّبّ، ص68-69).

ولا ينتهي الأمر أخلاقياً حسب رأي الكنيسة بمجرد توفر شروط الوهب والإزدارع بل يتجاوز هذا المرحلة وصولاً إلى التشديد على معاملة أجساد الواهبين المتوفين باحترام ومحبة، في الإيمان ورجاء القيامة، لإكرام أولاد الله هياكل الروح القدس (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، رقم 2300 و2301، ص654).

- خاتمة:

مما سبق يمكن الملاحظة أن الموقفين الأخلاقي والكنسي يعبران بوضوح وتفصيل عن كل ما يخص موضوع بحثنا، بل وحتى مبادىء منظمة الصحة العالمية بما يخص وهب وإزدراع الأعضاء ليست بعيدة عن ما تراه الكنيسة، وربما من حسن الحظ أن المؤسسات الدينية والعلمية تتفق هنا في حين نراها متنافرة متخالفة في موضوعات أخرى كثيرة تدخل ضمن إطار أخلاقيات الحياة كالإخصاب الإصطناعي والإجهاض والقتل الرحيم... ويبدو أن أغلب التشريعات والقوانين المتعلقة بوهب وإزدراع الأعضاء التي وضعت من قبل الدول تدعم بقصدٍ أو بدون قصد المبادئ الكنسية في هذا الخصوص.

في نهاية هذا البحث السريع نوجه دعوة للإقبال على ممارسة ونشر ثقافة وهب الأعضاء وإزدراعها بوصفها: "تتيح للإنسان أن يَهَبَ ويُعطي ويتضامن" (مجموعة مؤلّفين، أخلاقيّات طبّ الحياة، ص129) ، كما عبر البابا يوحنا بولس الثاني في خطابٍ له عام 1991 في المؤتمر الأول لجمعية المشاركة في زرع الأعضاء.


لائحة المصادر والمراجع (حسب ترتيب ورودها في البحث):
1. مجموعة مؤلّفين، أخلاقيّات طبّ الحياة، المكتبة البولسية جونيه-لبنان، 2006، 191صفحة

2. القعسماني(نور-)، جريدة النهار، ملحق نهار الشباب، دار النهار بيروت-لبنان، العدد 577، الخميس 3 كانون الأول 2009، 24 صفحة.

3. التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، ترجمة المتروبوليت حبيب باشا والمطران يوحنّا منصور والمطران كيرلّس بسترس والأب حنّا فاخوري، مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، لجنة النشر التابعة للكرسيّ الرسوليّ ومنشورات المكتبة البولسيّة ومنشورات الرسل، 1999، 1047 صفحة.

4. شرعة العاملين في القطاع الصحي، مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، منشورات اللجنة الاسقفية لراعوية الخدمات الصحية في لبنان، 2001، 111 صفحة.

5. معلوف(جوزف-)، المسألة الأخلاقيّة في العلوم الطبّيّة، المكتبة البولسية جونيه-لبنان، 2005، 200 صفحة.

6. مَعْلوف(جوزف-)، الأخْلاق وَالطِّبّ، المكتبة البولسية جونيه-لبنان، 1997، 197 صفحة.

7. كرامة الإنسان، توجيه حول بعض قضايا علم أخلاقيّات الحياة، مجمع العقيدة والإيمان-حاضرة الفاتيكان، منشورات اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام جل الديب-لبنان، 2008، 60 صفحة.

8. رزنيك(ديفيد ب.-)، أخلاقيات العلم، ترجمة د. عبد النور عبد المنعم، مراجعة أ.د. يمنى طريف الخولي، سلسلة عالم المعرفة، العدد 316، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب-الكويت، يونيو 2005، 301 صفحة.

بالإضافة إلى المواقع التالية على شبكة الإنترنت:

1. موقع منظمة الصحة العالمية باللغة العربية:

http://www.who.int/ar

2. موقع اللجنة الوطنية لوهب وزرع الأعضاء والأنسجة-لبنان:

http://www.nootdt.org/n/pages/index.htm

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com