الكهنوت في ضوء حياة القديس جان ماري فيانّيه وتعاليمه (1)

رياضة روحية للكهنة

القدس، الخميس 14 يناير 2010 (zenit.org). – ننشر في ما يلي نص الرياضة الروحية التي أعطاها الأب لويس حزبون في الأراضي المقدسة للكهنة، بمناسبة السنة الكهنوتية وقد نقله موقع بطريركية اللاتين في القدس.

الكهنوت في ضوء حياة القديس جان ماري فيانّيه وتعاليمه

تهدف السنة الكهنوتية إلى تعزيز الالتزام بالتجدد الروحي لدى جميع الكهنة في سبيل جعل شهادتهم الإنجيلية أكثر قوة وفعالية في عالم اليوم[1]،. فحياة القديس جان ماري فياني وتعليمه مرجع هام للكهنة. كان يَعلم القديس فيانّيه ككاهن أنه هبة كبيرة لشعبه: "إن الراعي الصالح بحسب قلب الله هو الكنز العظيم الذي يمكن أن يعطيه الله الصالح لرعية، وهو أحد أثمن هبات الرحمة الإلهية"[2]. أجل! الكاهن هبة عظيمة ليس فقط لرعيته وللكنيسة، وإنما أيضاً للبشرية نفسها. ومن هنا نتأمل أهمية الكهنوت في حياة القديس فيانّيه وكيف عاشه، عله ينير حياتنا الكهنوتية اليوم.

أولا : أهمية الكهنوت:

يتحدث الكاهن جان ماري فيانّيه عن الكهنوت بهذه العبارات :

- " ارغب في الكهنوت لا للعيش الرغيد والبحبوحة مغموراً بالخيرات الدنيوية بل لخلاص نفسي ونفوس العالم اجمع". [3]

- "عجباً! كم أن الكاهن عظيم! إن جرى فهمه، لمات... الله يطيعه: إنه يقول كلمتين فيسمعه الله وينحدر من السماوات ويسكن في القربان..."[4]

- "لو لم نحصل على سر الكهنوت لما نلنا ربنا.

من هو الذي وضع الرب هنا في بيت القربان؟ إنه الكاهن.

من هو الذي غذّى النفس لإعطائها القوة على القيام برحلة حجها؟ إنه الكاهن.

من الذي سيُعدها للمثول أمام الله بعد غسل هذه النفس للمرة الأخيرة بدم يسوع المسيح؟ إنه الكاهن، دوماً الكاهن.

من الذي يعيد إحياء النفس ويمنحها الطمأنينة والسلام إن كانت توشك على الهلاك (بسبب الخطيئة)،؟ إنه الكاهن أيضاً...

إن الكاهن هو كل شيء بعد الله... والكاهن لا يُفهم جيداً إلا في السماوات".

- "لو فهمنا الكاهن على الأرض بصورة جيدة، لمتنا ليس من الخوف، وإنما من المحبة... إن آلام ربنا وموته لا تجدي نفعاً من دون الكاهن... فالكاهن هو الذي يواصل عمل الفداء على الأرض... ما الفائدة من منزل ممتلئ بالذهب إن لم يوجد أحد يفتح بابه؟ إن الكاهن يملك مفتاحَ الكنوز السماوية: هو الذي يفتحُ الباب، لأنه أمينَ الله الصالح ومديرَ خيراته... فإن تركت رعية من دون كاهن لعشرين سنة، جرت عبادة الحيوانات. فإن الكاهن ليس لنفسه ... بل لكم"[5].... بهذه العبارات كان الكاهن فيانه يعظ أبناء رعيته وكان يؤمن بما يعلّم، ويعلّم ما به يؤمن، ويعمل بما يعلّم. ونحن كلنا التزمنا بهذه الدعوة الكهنوتية يوم رسامتنا.

ثانياً : كيف عاش الكاهن جان ماري فيانه رسالته الكهنوتية ؟

كرس الكاهن القديس ذاته لرعيته التي أوكلت إليه. طابق بين شخصه ورسالته، بين قداسة حياته الذاتية كخادم، وقداسة خدمته الكهنوتية التي أوكلت إليه. كان يعًلم أبناء رعيته من خلال شهادة حياته. قال البابا بولس السادس: "إن الإنسان المعاصر يصغي إلى الشهود أكثر منه إلى المعلمين وإن أصغى إلى المعلمين فهذا لأنهم شهود" [6] . "وما إن وصل رعيته في القرية آرس الصغيرة حتى اختار الكنيسة لتكون مسكناً له.. كان يدخل إلى الكنيسة قبل الفجر ولا يخرج منها إلا بعد صلاة التبشير الملائكي المسائية. لا بد من البحث عليه هنا، إذا كنا بحاجة إليه"[7] . استهل خدمته الكهنوتية بهذه الصلاة: "إلهي، امنحني هداية رعيتي، وأنا موافق على المعاناة مما تريده لي كل أيام حياتي!"[8]. وكانت رسالته الكهنوتية تقوم على ما يلي:

(1) إقامة القداس الإلهي: بهذا الصدد قال الكاهن جان فيانّيه: "إن كل الأعمال الصالحة لا تساوي ذبيحة القداس، لأنها أعمال بشرية ، في حين أن القداس هو عمل الله"[9]. وكان مقتنعاً أن حماسة حياة الكاهن تعتمد على القداس: "إن سبب فتور الكاهن يكمن في إهمال القداس! مع الأسف! إلهي! كم هو الكاهن جدير بالشفقة عندما يقوم بالقداس كما لو كان شيئاً اعتيادياً!"[10]. أعتاد خلال الاحتفال بالقداس على تقديم تضحية حياته: "كم من الجيد أن يقدم كاهن حياته إلى الله في كل صباح" [11]. والأشخاص الذين يشاركون في قداسه يقولون أنه " كان يتأمل في القربان بمحبة كبيرة"[12].

(2) المناولة وزيارة القربان الأقدس : كان يحث أبناء رعيته قائلاً: "تعالوا إلى المناولة، تعالوا إلى يسوع، تعالوا للعيش منه وله"[13]. "صحيح أنكم لستم أهلاً به ولكنكم بحاجة إليه!"[14]. أما زيارته القربان فتكمن في التأمل أي نظرة إيمان موجهة نحو يسوع. "أنظر إليه وهو ينظر إليّ"، حسبما صرّح أحد أبناء رعيته خلال الصلاة أمام بيت القربان[15] . أجل ! كان فيانه يشرح لأبناء رعيته: "لسنا بحاجة إلى الكثير من الكلام من أجل صلاة جيدة. إننا نعلم أن الله الصالح موجود هنا في بيت القربان المقدس؛ إننا نفتح قلبه ونسر بوجوده. هذه هي أفضل صلاة" [16] "نظرة يسوع تنقي القلب وتضيء عيون قلبنا، وتعلمنا أن نرى كل شيء في نور حقيقته وشفافية على جميع الناس. فنظرة إيمان إلى حياة يسوع في القربان ، تعلمنا أن نزداد حباً واقتفاء له". [17] إن تربية المؤمنين على الحضور القرباني وعلى المناولة كانت تكتسب فعالية خاصة عندما كان المؤمنون يرونه محتفلاً بالقداس.

(3) المصالحة عن طريق كرسي الاعتراف:لم يضع القداس والقربانً في محور اهتماماته الرعوية فحسب أنما اهتمّ أيضا في سر التوبة. سعى إلى إرشاد أبناء رعيته إلى إعادة اكتشاف معنى وجمال سر التوبة الذي يعتبر شرطاً مرتبطاً بالحضور القرباني. من خلال مكوثه الطويل في الكنيسة أمام بيت القربان، حثّ المؤمنين على التشبه به والقيام بزيارة يسوع وعلى التأكد من أن الكاهن موجودٌ في الكنيسة ومستعدٌ للإصغاء إليهم ومنحِهم الغفران. عليه كان يقضي أحيانا في كرسي الاعتراف حوالي 16 ساعة في اليوم الواحد حتى أن بعض الناس كان يقولون أن كنيسة آرس أصبحت "مستشفى النفوس الكبير"[18].

والجدير بالذكر أن للكاهن فيانّيه أسلوبه بالتعامل مع الخطاة مراعيًا الفروق الفردية بحسب استعدادهم وظروفهم:

- نظرته للخاطئ بشكل عام: "ليس الخاطئ هو الذي يرجع إلى الله لطلب المغفرة، لا بل أن الله عينه هو الذي يبحث عن الخاطئ ليرده إليه"[19]" أن الله هو البادئ في عمل المصالحة والمحبة مع الخاطئ . "انه المخلص الصالح ممتلئ بالمحبة لنا ويبحث عنا في كل مكان!"[20] وكان يوضح لأخ في الكهنوت قائلاً له: "سأطلعك على طريقة عملي. أطلب من الخاطئين تكفيراً ضئيلاً وأنا أهتم بالباقي" [21]

- نظرته للخاطئ الذي يشعر برغبة في حياة روحية أعمق: كان يطلعه على أعماق المحبة موضحاً له روعة العيش في اتحاد مع الله وفي حضوره: "كل شيء على مرأى من الله، كل شيء مع الله، كل شيء من أجل إرضاء الله... كم هذا رائع!"[22]. وكان يعلمه أن يصلي قائلا: "إلهي، أعطني نعمة أن أحبك قدر الإمكان"[23] . فكان قادراً على تبديل قلوب وحياة الكثيرين لأنه نجح في جعلهم يدركون محبة الرب الرحيمة.

- نظرته للخاطئ الذي يخشى العودة إلى الخطيئة بعد الاعتراف :" كان يقوله له: "إن الله الصالح والعارف كل شيء يعرف مسبقاً أنكم سترتكبون الذنوب بعد اعترافكم وإنه مع ذلك يغفر لكم. كم محبة ربنا عظيمة. فهو ينسى المستقبل ليغفر لنا!"[24]

- نظرته للخاطئ الذي يعترف بفتور ولامبالاة: كان يظهر لهؤلاء الخطاة حجم المعاناة التي كان يسببها تصرفهم بقوله لهم: "أبكي لأنكم لا تبكون"[25] فهل تجوز معاملة أب صالح بهمجية"[26]

- نظرته للخاطئ المتصلب والرافض تجنب أسباب الخطيئة:" السبت المقبل تأتي ثانية للاعتراف، ونفسك موسومة بالندامة الفضلى" [27].

(4) العمل الرعوي: في الوقت نفسه عرف الكاهن القديس كيف يقوم بالعمل الرعوي خارج الكنيسة "فسكن" في كافة أماكن رعيته: كان يزور جميع المرضى والعائلات وينظم التطواف الشعبي والأعياد ؛ ويجمع ويدير تبرعات نقدية لأعماله الخيرية والتبشيرية؛ ويجمّل كنيسته بتجهيزها بأشياء مقدسة؛ ويعتني بالأيتام "العناية الإلهية" (وهو معهد أسسه بنفسه) وبمربياتهن؛ ويهتم بتربية الأطفال؛ ويخلق أخويات ويدعو العلمانيين إلى التعاون معه فكأنه يعيش في عصرنا ومتطلباته[28]

(5) مقاومة الشعور بالعجز والتخلص من المسؤوليات : كثيراً ما كان جان ماري فياني يرتجف أمام عجزه الشخصي، ويشعر أكثر من مرة بالرغبة في التخلص من مسؤوليات الخدمة الرعوية التي كان يرى أنه غير جدير بها. لكنه بقي يعيش طاعة مثالية في خدمته متسلح بالغيرة الرسولية لخلاص النفوس وممارسة تقشف قاسٍ وفرض إماتات على نفسه. كان يأسف القديس قائلاً: "تتمثل مصيبتنا نحن الكهنة في فتور أنفسنا"[29] .

في عالم اليوم، وتماماً كما في الزمن الصعب الذي عاش فيه الكاهن جان ماري فيانّيه، علينا تحن الكهنة أن نتميّز في حياتنا وأعمالنا بقوة شهادتنا الإنجيلية لتجنب تعريض خدمتنا الكهنوتية والرعوية للخطر، وعليه لا بد لنا أن نسأل نفسنا : "هل نحن فعلاً ندرك أهمية كهنوتنا ؟ هل نعيش رسالتنا الكهنوتية ؟ هل نحبها؟ هل نحن ملتزمون بها لدرجة أنها تترك أثراً كبيراً في حياتنا وحياة أبناء الرعية ؟ أيها القديس جان ماري فيانّيه، شفيع الكهنة، صلّ لأجلنا نحن إخوتك في الكهنوت لنسير على خطاك في قداسة سيرتنا وخدمة أمنا الكنيسة وخلاص النفوس لمجد الله الأعظم فنعلن حبنا معك ليسوع الكاهن الأزلي : "أحبك ، يا الهي، ورغبتي الوحيدة هي في أن احبك حتى آخر نفس من حياتي.[30]

[1] Benedetto XVI per la proclamazione di un Anno Sacerdotale in occasione del 150° Anniversario del Dies Natalis del Santo Curato d’Ars، 18.06.2009.

[2]. Nodet . A., Le curé d’Ars. Sa pensée - Son cœur., 1966, 101.

[3] أميل الحاج، خوري أرس القديس جان – ماري فيانّيه، بيروت 1990، 59 .

[4] Ibid., 97.

[5] Ibid., 98-100.

[6] Evangelii nuntiandi, 41.

[7]ِ Monnin A, Il Curato d’Ars. Vita di Gian-Battista-Maria Vianney, vol. I, Torino 1870, 122.

[8] Nodet., 183.

[9] Nodet, 105.

[10] Idem.

[11] Nodet,104.

[12] Monnin., II,. 430ss

[13] Nodet. 114.

[14] Ibid, 119.

[15] تعليم الكنيسة الكاثوليكية، رقم 2715

[16] Nodet, 85.

[17] التعليم المسيحي الكاثوليكي، التعليم المسيحي الكاثوليكي، الترجمة العربية جونية 1999، رقم 2715 .

[18] Monnin , II, 293.

[19] Nodet, p. 128.

[20] Ibid, 50.

[21] Nodet, 189.

[22] Ibid, 28.

[23] Ibid, 77.

[24] Ibid, 130.

[25] Ibid. 128.

[26] Ibid.139.

[27] خوري أرس القديس جان – ماري فيانّيه، 120.

[28] Presbyterorum ordinis, 9.

[29] Nodet, 102.

[30] التعليم المسيحي الكاثوليكي، رقم 2658 .

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com