بندكتس السادس عشر: الليتورجية تبدلنا (5)

اللقاء مع إكليروس روما (الخميس 26 فبراير)

روما، الاثنين 9 مارس 2009 (ZENIT.org) – في 26 فبراير الماضي كان للبابا بندكتس السادس عشر لقاء تقليدي مع الرعاة والكهنة في أبرشية روما، يجريه سنوياً في بداية زمن الصوم الكبير. في هذا اللقاء طرح الكهنة ثمانية أسئلة على البابا حول مواضيع مختلفة. ننشر في ما يلي خلاصة عن السؤال الخامس والإجابة التي أعطاها عنه بندكتس السادس عشر.

السؤال الخامس

هذا السؤال طرحه دون ماركو فالنتيني، الكاهن المساعد في رعية "القديس أمبرواز": مع حفظ أهمية التنشئة الإنسانية والفلسفية والنفسية في الجامعات والإكليريكيات، أود الاستفسار عما إذا كان عملنا لا يتطلب تنشئة ليتورجية معمقة أو عما إذا كانت العبادة وتنظيم الدراسات الحالي يتفقان بشكل مرضٍ مع دستور المجمع المقدس رقم 16، الذي يعتبر أنه يجب إحصاء الليتورجية مع المواد الضرورية والرئيسية الأكثر أهمية، وتعليمها من الجانب اللاهوتي والتاريخي والروحي والرعوي والقانوني، وأنه يجب على أساتذة المواد الأخرى الحرص على أن تكون الصلة مع الليتورجية واضحة. إنني أطرح هذا السؤال لأنني بالاستناد إلى مقدمة مرسوم "التنشئة الكهنوتية" أعتقد أن أعمال الكنيسة المتعددة في العالم وأعمالنا الرعوية الخاصة تعتمد بشكل كبير على إدراكنا للسر غير الفاني الذي ينشأ عن عمادنا، وتثبيتنا، وسيامتنا الكهنوتية.

بندكتس السادس عشر – إذاً سؤالك هو التالي: ما هو حيز التربية الليتورجية وواقع الاحتفالات السرية في إطار عملنا الرعوي المتنوع والمتعدد الأبعاد؟ هنا أرى أنه أيضاً سؤال حول وحدة تبشيرنا وعملنا الرعوي المتعددة الأبعاد. فلا بد لنا من البحث عن نقطة الوحدة التي تصبح من خلالها جميع اهتماماتنا عملاً يقوم به الراعي. وحسبما فهمت فإنكم تؤيدون فكرة أن يكون الاحتفال بالأسرار نقطة الوحدة التي تخلق خلاصة كافة أبعاد عملنا وإيماننا. مما يعني بالتالي التدريب على الأسرار الذي يعلمنا كيفية الاحتفال.

إنني أرى أنه من المهم جداً ألا تكون الأسرار، أي الاحتفال القرباني بالأسرار، غريبة إلى جانب أعمال أكثر معاصرة كالتربية الأخلاقية والاقتصادية والأمور الأخرى التي ذكرناها. قد يحدث أن يبقى السر منعزلاً بعض الشيء في سياق أكثر واقعية ويصبح واقعاً لا ينصهر كلياً في كياننا البشري. شكراً على هذا السؤال لأنه لا بد لنا حقاً من التعليم على كيفية أن نكون بشراً. لا بد لنا من تعليم هذا الفن العظيم: كيف نكون بشراً؟ هذا الأمر يتطلب الكثير كما لاحظنا مسبقاً: من استنكار الخطيئة الأصلية في قاعدة اقتصادنا ومختلف الميادين في حياتنا، إلى توجهات ملموسة حول العدالة، وإلى تبشير غير المؤمنين. إلا أن الأسرار ليست غريبة في عالم الحقائق الأكثر واقعية. إن السر هو القلب الذي تنبع منه قوتنا ونلجأ إليه لإيجادها. لذلك أعتقد أن التعليم الديني المدرب على الأسرار هو مهم حقاً لأنه واقعي يتعلق بحياتنا نحن رجال اليوم. إذا صح أن الإنسان لا يتمتع بذاته بالفطنة – التمييز بين الأمور الصحيحة وغير الصحيحة – بل يجد هذه الفطنة في الله، فمن المهم ألا يكون الله بعيداً بل معترفاً به وواقعياً فيدخل إلى حياتنا ويكون لنا صديقاً نتحدث معه ويتحدث معنا. ينبغي علينا أن نتعلم كيفية الاحتفال بسر الافخارستيا، والتعرف عن كثب إلى يسوع المسيح، الله المتأنس، والتواصل معه، وتعلم الإصغاء إليه وجعله دوماً يخيم فينا. لأن المناولة السرية تقوم تحديداً على هذا التداخل بين شخصين. فأنا لا آكل قطعة خبز أو جسد وإنما أفتح قلبي للقائم من بين الأموات فيخيم فيّ وليس فقط خارجاً عني، ويتكلم فيّ ويغيرني ويعطيني معنى العدالة، وحيوية العدالة، والحماسة للإنجيل.

هذا الاحتفال الذي لا يقترب فيه الله منا فقط بل يدخل في بنية وجودنا هو أساسي من أجل العيش فعلاً مع الله ومن أجل الله وحمل نور الله في هذا العالم. لا نريد الآن الدخول في التفاصيل. وإنما من المهم دوماً أن يكون التعليم السري تعليماً وجودياً. فمن خلال تقبل أكبر لأهمية السر – حيث تتوقف الكلمات والملاحظات – يصبح التعليم واقعياً إذ يرشدني إلى الله ويرشد الله إلي. إنه يرشدني إلى الآخر لأن الآخر يقبل المسيح بدوره مثلي تماماً. إذاً إن كان المسيح عينه يسكن في وفيه، فإننا لم نعد كائنين منفصلين. من هنا تولد عقيدة جسد المسيح لأننا جميعاً واحد إن نلنا سر الافخارستيا في المسيح نفسه. وبالتالي فإن الآخر قريب مني فعلاً إذ لسنا بروحين منفصلتين بل إننا واحد في "سر" المسيح، أي أن التعليم القرباني والسري يجب أن يبلغ جوهر وجودنا ويرشدنا إلى الانفتاح على صوت الله وقبول الانفتاح لكيما يحطم الخطيئة الأصلية المتمثلة في الأنانية ويصبح انفتاحاً تاماً لوجودنا فنصبح أبراراً حقيقيين. لذا ينبغي علينا جميعاً أن نتعلم المزيد عن الليتورجية التي ليست بالغريبة وإنما هي جوهر وجودنا كمسيحيين لا تنكشف بسهولة أمام الإنسان البعيد بل تشكل من جهة أخرى الانفتاح على الآخر وعلى العالم. يجب أن نتعاون جميعاً من أجل الاحتفال بتعمق بسر الافخارستيا: ليس فقط كطقس بل كعملية وجودية تخاطب كياننا أكثر من أي شيء آخر فتغيرنا وتبدلنا. ومن خلال تبديلنا، تستهل تبديل العالم الذي أراده الرب من خلالنا.

نقلته من الفرنسية إلى العربية غرة معيط (ZENIT.org)

  العودة الى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com