نشأة القراءة الإلهية في الشرق المسيحي

بقلم روبير شعيب

روما، الثلاثاء 1 سبتمبر 2009 (Zenit.org). – يعقد في كراكوفيا (بولونيا) من 31 أغسطس وحتى 4 سبتمبر الجاري لقاء الحوار الدولي المكرس لأوريجانوس، والذي يتضمن مداخلات من كبار دارسي المعلم الإسكندري، عبقري المسيحية الأولى.

وقد نشرت جريدة الفاتيكان شبه الرسمية نص إحدى المداخلات للبحاثة أنريكو دال كوفولو بعنوان "القراءة الإلهية من أوريجانوس حتى أغسطينوس"؛ نتوقف في ما يلي على بعض النقاط الهامة من المداخلة التي تبين بنظرنا تاريخ القراءة الإلهية، مظهرة بعدًا يجهله الكثيرون، وهو أن هذه الممارسة الحميدة للقراءة المصلية للكتاب المقدس، التي تشتهر بشكل خاص في الغرب، هي بالواقع وليدة الشرق، وبالتحديد الإسكندرية.

يقول المحاضر في مقدمة حديثه أن "القراءة الإلهية" (lectio divina) وباليونانية " thèia anàgnosis " تجد، بحسب المفهوم العام، مَعينًا هامًا في مرجعين أساسيين هما من ناحية إوريجانوس، ومن ناحية أخرى أمبروسيوس وأغسطينوس. ويلاحظ أن هذه النظرة لا تعطي التقدير الكافي لتطور القراءة الإلهية في الشرق المسيحي.

ثم يحلل دال كوفولو الإبداع الأوريجاني فيصرح بأنه مع أورجانوس يدخل اللاهوت في عالم التفسير، ويتم تداخل مثالي بين اللاهوت وعلم التفسير. فمع أوريجانوس نصل إلى تفسير منهجي لكتب كاملة من الكتاب المقدس.

كما ويذكر اللاهوتي أن كتاب "في المبادئ" (De principiis) يقدم "التفسير الروحي للكتاب المقدس كعماد فهم الإيمان وكمال الحياة".

وبالعودة إلى القراءة الإلهية يشرح المحاضر أن أورجيانوس يقدم بشكل واضح في "عظاته في كتاب اللاويين" العلاقة غير المنفصمة التي تربط حياة المؤمن، الخدمة الكهنوتية العامة، مسيرة الكمال المسيحي، وعلم الكتاب المقدس، الـ " thèia anàgnosis "، أي، حرفيًا، "المعرفة الإلهية" للأسفار المقدسة.

ففي حديثه عن الفصل السادس من سفر اللاويين (لاو 6، 8 – 13) يقول أوريجانوس للمؤمنين بصدد النار التي يجب أن تتقد دومًا على مذبح القرابين: "إسمع! يجب أن يكون هناك دومًا نار على المذبح. وأنت إذا أردت أن تكون كاهن الله – كما هو مكتوب، "أنتم كهنة الله كلكم!"، ولك يقال: "ذرية مختارة، كهنوت ملكي، والشعب الذي اختاره الله" – إذا أردت أن تمارس كهنوت نفسك، لا تتوانى ولا تسمح أبدًا للنار أن تبتعد عن مذبحك" (عظة في كتاب اللاويين، 4، 6).

يشير الإسكندري هنا إلى الشروط التي تسمح للمؤمن أو تعيقه في عيشه لكهنوته الروحي والملوكي، ويشرح أن الرب، عندما يقول في الأناجيل، "لتكون أحقاؤكم مشدودة مصابيحكم مضاءة" يعني أنه يجيب أن تكون نار الإيمان متقدة دومًا فينا وأن نحمل دومًا مصباح العلم.

ويشدد أوريجانوس في مختلف عظاته على ضرورة "النار المتقدة" التي يقصد بها التأمل بكلمة الله. فبطاقة الدخول في مسيرة الكمال هي علم الأسفار المقدسة، ولذا ينصح ابنه الروحي غريغوريوس بالقول: "انكب على القراءة الإلهية؛ واظب عليها بثبات. التزم بالقراءة وفيك رغبة إرضاء الله والإيمان به. وإذا ما وجدت نفسك في القراءة أمام باب مغلق، فاقرع البابا، وسيفتح لك الحارس الذي قال فيه يسوع: "يفتح له الحارس". وفي مواظبتك على القراءة الإلهية، حاول بأمانة وثقة في الله لا تتزعزع أن تدرك معنى الأسفار المقدسة، ففيها يختبئ عمق شاسع. لا يجب عليك أن تكتفي بقرع البابا وبالبحث: فلكي تفهم أمور الله، لا بد لك من الصلاة (oratio). فلكي يحضنا المخلص على هذه الصلاة لم يقل فقط: "اطلبوا تجدوا"، و "اقرعوا يفتح لكم"، بل أضاف: "اسألوا تعطوا"" (رسالة إلى غريغوريوس، 4).

هذا ويوضح دال كوفولو في القسم الثاني من محاضرته كيف وسع أمبروسيوس تعليم أوريجانوس التفسيري، ونقل في الإطار اللاتيني الـ " thèia anàgnosis " الأوريجانية، وأطلق بهذا الشكل القراءة الإلهية (lectio divina)، التي سيتم تحديدها بشكل نهائي في العصور الوسطى.

من ناحيته، يحض أغسطينوس ابنه الروحي أنطونينوس وعائلته على التغذي من القراءة الإلهية. وفي الكتاب السادس من "الاعترافات" يتحدث أغسطينوس عن لقائه بأمبروسيوس، ويشير إلى أنه كل مرة كان يقصد فيها أسقف ميلانو، كان يجده محاطًا بجحافل من الأشخاص الذين يعانون المشاكل، وكان الأسقف ينكب على مساعدتهم بسخاء، وفي القسم الزهيد المتبقي من الوقت، كان يقضي حاجات الجسد، ومن ثم يغذي الروح بالقراءة.

  العودة إلى الصفحة السابقة   اطبع الصفحة /

Copyright ©2005 marnarsay.com